لقد أقبل سكان البلاد المفتوحة على تعلم اللغة العربية ودراسة آدابها – كما أشرنا قبلاً – وأخذوا يصوغون أفكارهم وعلومهم وآدابهم بما ينسجم والدين الإسلامي والتقاليد العربية فأصبحت اللغة السياسية والثقافية السائدة هي العربية لذلك فإن الشعوب (غير العربية) فقدت ذاتيتها اللغوية بمرور الزمن للتقرب من الفاتحين وقد أدى إنتشارها إلى شعور شعوب هذه البلدان بالإنسجام والتجانس رغم إختلاف قومياتهم وحتى أديانهم. ولم يكن إقبال الشعوب غير العربية على تعلم العربية وترك لغتها الأصلية بسبب الإكراه أو الإجبار وإنما كما يقول المستشرق بارتولد: "إن غلبة الغربية كان بالإختيار لا بسلطان الحكومة وإن تسامح العرب أدى إلى إنتشار العربية فدرس حنين بن إسحق الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه حتى أصبح حجة في العربية". وقد استفاد اليهود من العلوم العربية التي كانت سائدة في البلاد الإسلامية فترجموا بعضاً من المؤلفات العربية إلى العبرية واتقن بعضهم اللغة العربية وآدابها واهتموا بقواعد النحو ومن أولئك مروان بن موسى اليهودي البصري الذي اشتغل بالأدب وضبط النحو ولكنه لم يؤلف فيه. ويبدو أن بروز هؤلاء اليهود في بعض الميادين العلمية يعود إلى إتصالهم بالحضارة العربية الإسلامية فاستقوا من مناهلها علومهم المختلفة. أما النصارى في العراق فقد نعموا بعد الفتح الإسلامي بالحرية الدينية ولما كان أغلبهم عرباً فقد إلتفوا حول المسلمين للروابط القومية واللغوية التي تربطهم بإخوانهم العرب فأقبلوا على العناية باللغة العربية وآدابها فأخذوا ينقلون من السريانية إلى العربية لأن اللغة العربية أوسع من السريانية بدليل أن فيها أسماء كثيرة لم تكن موجودة عند السريانيين ولا عند غيرهم بخلاف إسم واحد فقط، وقد برز الصابئة بالفلك والتنجيم واعتبروه عنصراً مهماً من العناصر التي يعتمد عليها دينهم ومستقبلهم فهم يعتقدون أن كل كوكب يحكم في يوم من الأيام ويتحكم ملائكة معينون بالأيام ومن هنا تكون لهم صفات فلكية. عنهم: "كان العرب وحدهم حاملين لواء الحضارة في القرون الوسطى وقد حرروا بربرية أوربا وسار العرب إلى منافع فلسفة اليونان ولم يقفوا عند حد ما اكتسبوه من كنوز المعرفة بل وسعوه وفتحوا أبواباً جديدة في مختلف العلوم وإذا ما بحثنا في الوجه الذي ايقظ الحضارة في المشرق وجدنا حب العرب للعلم وشوقهم إلى تعجيل رقيه بأنفسهم، ولعل تشوق العرب للإطلاع على علوم وثقافات الأمم الأخرى وإهتمامهم البالغ بالعلم دفعهم إلى الإبقاء على المؤسسات العلمية التي كانت لأهل الذمة في البلاد المفتوحة".