يُعرف العصر الجاهلي بفترة قصيرة من تاريخ العرب، تُقدر بقرن أو قرن ونصف، قبل ظهور الإسلام، تختلف عن "الجاهلية الأولى" التي سبقتها. خلال هذه الفترة، تطور الخط العربي بشكل كامل. تُشير كلمة "جاهلية" إلى الجهل، السفه، الغضب، والطيش، وتُستخدم للدلالة على الوثنية والأخلاق السيئة السائدة في ذلك الوقت، مثل الحمية، الثأر، وقَتْل الأبرياء. تُعارض هذه الكلمة كلمة "إسلام"، التي تُشير إلى الخضوع والطاعة لله عز وجل، والسلوك الخلقي الكريم. شبه الجزيرة العربية هي موطن العرب، وتقع في جنوب غرب آسيا، محاطة ببادية الشام ونهر الفرات من الشمال، والخليج العربي وبحر عمان من الشرق، والمحيط الهندي من الجنوب، والبحر الأحمر من الغرب. تُمتد شبه الجزيرة من الشمال إلى الجنوب، وتُعرف بتضاريسها الصلبة، مع سلسلة جبال عالية ووديان منخفضة. تُغطي الصحاري والرمال مساحات واسعة من شبه الجزيرة، مع واحات ونخيل. تُقسم شبه الجزيرة العربية إلى خمسة أقسام إقليمية: تهامة، نجد، الحجاز، اليمن، والعروض. تنقسم قبائل العرب الشمالية إلى قسمين: عدناني مضري، وهم العرب الشماليون، من نسل عدنان ونزار ومضر؛ وقحطاني، ينحدرون من قحطان، هاجروا من جنوب اليمن وحضرموت، وعاشوا مع العرب الشماليين بسبب ظروف اقتصادية وسياسية، بعد ضعف الدولة الحميرية. من القبائل الجنوبية المهاجرة: كندة الأزد، تنوخ، طيء، قضاعة، جهينة، وخزاعة. أما القبائل العدنانية المضرية، فمن أشهرها: قريش في مكة، ثقيف في الطائف، عبد القيس في البحرين، بني حنيفة في اليمامة، تغلب، أسد، هذيل، قيس، عيلان، وغطفان. تُجمع القبائل العربية في القديم حول نسبين رئيسيين: قحطانية يمنية (العرب العاربة) ومضرية عدنانية (العرب المستعربة). أدى التنافس بين هاتين المجموعتين إلى صراعات وحروب في الأمصار والبلاد المفتوحة. كان النظام السياسي في الجاهلية قائمًا على القبيلة، حيث يرتبط أفرادها بأصل واحد، وموطن واحد، ويشتركون في التقاليد والأعراف. كانت العصبية القبلية هي الرابط القوي بين أفراد القبيلة. كان هناك أيضًا نظام أحلاف، يجمع بين بعض القبائل، ويقضي بالتناصر والتشارك في الأمور. كانت القبيلة تتألف من ثلاث طبقات في العصر الجاهلي: الأبناء، هم عماد القبيلة وقوامها، يرتبطون بالدم والنسب؛ العبيد، رقيق القبيلة، من البلاد الأجنبية، خاصة الحبشة؛ والموالي، عتقاؤها، يشملون الخلعاء الذين طردتهم قبائلهم بسبب جرائمهم. كانت الحياة العقلية في الجاهلية تتمحور حول اللغة، الشعر، الأمثال، والقصص. لم يكن هناك علم أو فلسفة، لأن الطور الاجتماعي لم يسمح بذلك. كان العرب يعرفون الأنساب، الأنواء، السماء، بعض الأخبار، وبعض الطب، لكن هذه المعرفة لا تُعد علمًا حقيقيًا، بل معلومات أولية وملاحظات بسيطة. لم يكن هناك مذاهب فكرية، بل أفكار بسيطة، كما في شعر طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى. كان العرب يتبعون العديد من الأديان، أشهرها عبادة الأصنام، مثل اللات والعزى ومناة. بعض العرب عبدوا الشمس في اليمن، والبعض الآخر عبد القمر في كنانة. انتشرت اليهودية في يثرب (المدينة) واليمن، وانتشرت النصرانية في ربيعة، غسان، الحيرة، ونجران. هناك طائفة قليلة من العرب لم تؤمن بالأصنام، اليهودية، أو النصرانية، وعبَدوا الله وحده، هؤلاء يسمون بالحنفاء. سادت الحروب والمنازعات بين القبائل في الجاهلية، أطلقوا على حروبهم ووقائعهم "أيامًا" لأنهم كانوا يتحاربون نهارًا، ويفترقون ليلاً. من أشهر أيامهم: حرب البسوس بين قبيلة بكر وتغلب، وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان. كانت للجاهلية أخلاق ذميمة، مثل شرب الخمر ولعب الميسر، لكن كان هناك أيضًا أخلاق صالحة، مثل الكرم، الوفاء، الأمانة، حماية الجار، وإغاثة الملهوف. غنى العرب بالكثير من هذه الأخلاق في أشعارهم.