كنت : في آخر للدكتوراه، وكنت أعد أطروحة اخترت لإقامتي فندقاً صغيراً أعجبني بنظافته وحسن خدمته، وجودة مطبخه وعلى الأخص بالجو العائلي الذي كان يسوده. فما انقضى شهران على اقامتي فيه حتى بث أشعر كأنني واحد من العائلة التي كانت تمتلكه وتديره، وقلما كان يمضي أسبوع لا أحمل فيه بعض الهدايا لكبار العائلة وصغارها، أما الخدم فكنت أسخو عليهم بالمال المناسبة ولغير مناسبة، فإذا جاءت الأعياد أعطيتهم فوق ما كانوا يتوقعون بكثير، ولا تنجح في الأمر فأنت تعرف مقدار عطفي على الخدم والعمال من كل نوع مثلما تعرف أن والدي ما كان يبخل علي بالمال، وأنني لا أحب المال إلا لأنفقه في السبل التي تأتيني بلذة نفسانية قبل اللذة الجسدانية. وأذكر أن صاحب الفندق - وقد بث وإياه تتخاطب بدون أقل كلفة - احتاج مرة إلى مبلغ من المال لتسديد دين عليه فاقترضه مني. وعندما ردّه إلى وشاء أن يدفع لي فائدته أبيت أن أخذ منه فائدة، فاستكبر الأمر كثيراً وما بقي يعرف كيف يعبر لي عن امتنانه. وانقضت السنة على خير ما يرام. وتلت شهادتي فرزمت حقائبي استعداداً للعودة إلى بلادي. وكنت أخشى ساعة الوداع أن لا يتمالك القوم ولا أتمالك عن البكاء. وأعطيت الخدم ما أطلق السنتهم بالثناء والدعاء، وما نسيت الطاهي في المطبخ وجنت الصغار بعض الهدايا للتذكار وازقت ساعة الرحيل، ولكن بغير دموع. وما إن هدر محرك السيارة وأوشكت أن تنطلق حتى سمعت صاحب الفندق يناديني باسمي وبأعلى صوته : تمهل وأقبل علي وفي يده ورقة، وراج يعتذر ملوحا بالورقة : عفوك لا تؤاخذني بقيت علبة الكبريت. تبادر إلى ذهني أني نسيت في الفندق علبة كبريت، ولم يرتد إلى الوراء، بل دنا مني ملوحا بالورقة وقال بمنتهى الحمد والكياسة: لا لا. عنيت أنه فاتني أن أدخل في الحساب علية الكبريت التي أخذتها في هذا الصباح يا صديقي. أفلا تكرمت بثمنها ؟ فنقدته ثمنها وقلت للسائق أسرع