باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب هذا الباب كالمتمم للباب الذي قبله ؛ قوله: «من» شرطية، بلا حساب أي : لا يُحاسب لا على المعاصي، ولا على غيرها . وتحقيق التوحيد : تخليصه من الشرك، ولا يكون إلا بأمور ثلاثة : فلابد من تصوّره بعلمه قال الله تعالى : فاعلم أنه لا إله إلا الله ) . (۱) الثاني : الاعتقاد : فإذا علمت ولم تعتقد، واستكبرت لم تحقق التوحيد . الثالث : الانقياد : فإذا علمت واعتقدت ولم تنقد لم تحقق التوحيد، فإذا حصل هذا وحقق التوحيد، فإنَّ الجنَّة مضمونة له بغير حساب، ولا نقول إن شاء الله ، ولهذا جزم المؤلف رحمه الله تعالى وقول الله تعالى : إنَّ إبراهيم كان أُمَّةً قانتا لله حنيفا ولم يك أما بالنسبة للرجل المعين فإننا نقول : إن شاء الله . ودين (۳) لأنه أحد الرسل الكرام من أولي العزم ، الآية : ۱۲۰ . ۲) وقال السعدي رحمه الله في القول السديد ص (۲۰) : وهذا الباب تكميل للباب الذي قبله وتابع له، ومن البدع القولية الاعتقادية، وصدقته الأعمال بأن انقادت إلى أوامر الله طائعة منيبة محبتة إلى الله، ولا يسألهم بلسان مقاله أو حاله، بل يكون ظاهر وباطنه وأقواله وأفعاله وحبه وبغضه، وجميع أحواله كلها مقصود بها وجه الله متبعاً فيها رسول الله» . وقد بلغ معه السعي، أي شب، وترعرع ، تتعلق به النفس كثيرا، بل أراد من والده أن يوافق أمر ربه، وهذا من بره بأبيه وطاعته لمولاه سبحانه انظر إلى هذه القوة العظيمة مع الاعتماد على الله في قوله : ستجدني فالسين في قوله : ستجدني تدل على التحقيق، أي جبهته؛ لأجل أن يذبحه وهو لا يرى وجهه فجاء الفرج من الله تعالى : وناديناه أن يا إبراهيم . قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (۳)، ولا يصح ما ذكره بعضهم من أن السكين انقلبت، قوله : قانتا . القنوت : دوام الطاعة ، مديم لها في كل حال. كما أن ابنه محمدا ، ، يذكر الله على كل أحيانه"، وإن نام وإن أكل، فهو قانت لأنَّه لا يصبر على هذه الأمور العظيمة إلا من أيقن بالثواب . فمن عنده شك أو تردد لا يصبر على هذا ؛ لأنَّ النفس لا تدع شيئًا إلا لما هو أحب إليها منه، كما أن من أثنى الله عليه شرا فإننا نبغضه، فنحب إبراهيم عليه السلام، ولم يكن من المشركين، ونحب الملائكة وإن كانوا من غير جنسنا، لأنهم قائمون بأمر الله ، لأنهم عاصون الله ، والله ، ونكره أتباع الشياطين، ولنا من الثناء بقدر ما اقتدينا به فيها قال تعالى : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) (۱) وقال تعالى : وقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه (٢) . وقال تعالى : لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر (۳) . لأنَّ الإنسان أحيانًا يغيب عن باله الغرض الأول، وهو محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيراً ، لأنَّ والصواب الذي نعتقده أن اسمه آزر كما قال الله تعالى : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ) وقال تعالى : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه (*) لأنه قال : سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ) (1) . وفي سورة إبراهيم قال : وربنا اغفر لي ثلاثة ليس لها أصل : المغازي والملاحم والتفسير، فهذه الغالب فيها أنها تذكر بدون إسناد، قال تعالى : ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله (۳) . هذه الآية سبق لها طرف وهو لكن المؤلف ذكر الشاهد . و من خشية ربهم أي : من خوفهم منه . و مشفقون أي : خائفون من عذابه إن خالفوه . فالمعاصي بالمعنى الأعم - كما سبق - (٥) شرك لأنها صادرة عن هوى مخالف للشرع، وقد قال الله تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه (1) أما بالنسبة للمعنى الأخص فيقسمها العلماء قسمين : ۱ - شرك . ۲ - فسوق . إذ تحقيق التوحيد فإنَّهم وعن حصين بن عبدالرحمن قال: «كنتُ عند سعيد بن جبير فقال : أيكم رأى الكوكب الذي انقضّ البارحة ؟ فقلت : أنا ، قلت : أما إني لم أكن في صلاة . يتوبون، ولا يستمرون عليها كما قال تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، لأنه يرى أن هذه المعصية على نفسه أثقل من الجبل أما الفاسق المستهين فيرى المعصية كما ورد في الحديث كالذباب وقع على أنفه يقول به هكذا ) ولا يهمه، توبة . قوله : «انقض البارحة أي : سقط والبارحة : قال بعض أهل اللغة : غروب الشمس إلى طلوعها نقول الليلة . قال: وما حدثكم؟ قلت : حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال : لا رقية إلا من عين أو حمةٍ، قوله : « فقلت أنا أي : حصين . قوله : «أما إني لم أكن في صلاة أما : أداة استفتاح ، وقيل : إنها بمعنى حقا، لأن الشيطان قد يلعب على الإنسان، قوله : «ارتقيت) أي : استرقيت، قوله : «من عين ويسميها العامة الآن «النحاتة» وبعضهم يسميها قوله : «حمة» أي : سم ، لدغته إحدى ذوات السموم، والعقرب من ذوات السموم . . . إلخ . إذن فحصين استند على حديث : «لا رقية إلا من عين أو حمة»، وهذا يدل على أن الرقية من العين، أو الحمة مفيدة، وهذا أمر واقع فإن الرقى تنفع بإذن الله من العين، وكثير من الناس يقرأون على الملدوغ ، فلدغ سيدهم لدغته حية فقالوا : من يرقي ؟ فقالوا : لعل هؤلاء الركب عندهم راق فجاؤوا إلى السرية ، أو سبعاً، ولهذا قال : «وما يدريك أنها رقية يعني الفاتحة (۱) . وكذا القراءة من العين مفيدة . وهو الاستغسال وهي أن يؤتى بالعائن، ويطلب منه أن يتوضأ، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه، ويصب على المصاب، ويشرب منه، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وهناك طريقة أخرى، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب، أو يشربه . وهو مجرب . فينبغي إذا رأى ما يعجبه أن يُبرك عليه لقول النبي ، ويقولون أيضًا لأجل تبطل العين : أنَّك تصلي على العائن صلاة الميت . قوله : «عرضت علي الأمم العارض لها الله سبحانه وتعالى، والأمم جمع أمة، وهي أمم الرسل . أي : ومعه الرجل أو الرجلان ، لكن إذ رفع لي سواد عظيم، فقيل لي : هذا موسى وقومه ، لي . أي : أشخاصًا عظيمة كانوا من كثرتهم قوله : فظننت أنهم أمتي لأنَّ الأنبياء عرضوا عليه بأممهم فظن هذا قوله : «بغیر حساب ولا عذاب أي : لا يُعذبون ولا يُحاسبون كرامة قوله : «فخاض الناس في أولئك هذا الخوض للوصول إلى الحقيقة نظريا، فقال : «هُمُ ويؤيده ظاهر اللفظ . ويؤيده أنه لو كان المراد الصحبة المطلقة لقالوا : نحن، ويمنع الاحتمال الأول : أنَّ الصحابة أكثر من سبعين ألفًا. ولو قلنا : ولدوا في الإسلام من الصحابة ما بلغوا سبعين ألفًا . وما جرى قوله : «لا يسترقون في بعض روايات مسلم ) «لا يرقون» ولكن هذه (۱) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه رواه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ، ومسلم، كتاب فضائل ۲) في كتاب الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ٢٠٠/١. لأن الرسول، ۱) من حديث عائشة ، رواه البخاري، كتاب الطب / باب رقية النبي ، ، ٤٤/٤ . كتاب السلام / باب استحباب الرقية من العين ٤ / ١٧٢٤ . (۳) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن / باب فضل المعوذات ٣٤٤/٣، وأن فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون : أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، يرقي نفسه وغيره، فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه كما ذكر الله ذلك في قصة آدم وإبراهيم أما بالنسبة لمن أعد للكي من قبل الحكومة، وليس سؤال تذلل . على أن في نفسي شيئًا من هذا الأمر، والمصدر منه طيرة والتطير هو والفعل تطير. وأصله التشاؤم بالطير، وكانت العرب معروفة بالتطير حتى لو أراد الإنسان منهم خيرا ثم رأى الطير سنحت يمينًا ، الذي أراده . أو رأى شخصًا تشاءم، ۱) رواه مسلم في صحيحه كتاب السلام / باب لكل داء دواء ٤ / ١٧٣١ . ۲) قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ٦٥/٤ : فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع : أحدها : فعله ، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، ، في شوال، وبنى بي في شوال، فأيكن كان أحظى عنده»(1). أو بشهر صفر، وهذا كله مما أبطله الشرع لضرره على الإنسان عقلاً، وسلوكًا، وكون الإنسان لا يبالي بهذه الأمور هذا هو التوكل على الله ولهذا ختم المسألة بقوله : «وعلى ربهم يتوكلون» . فانتفاء هذه الأمور عنهم يدل على قوة توكلهم . أو فاته الجواب : أنَّ الكمال فاته إلا بالنسبة للتطير فإنَّه لا يجوز، له حقيقة أصلاً . أما بالنسبة لطلب العلاج، فالظاهر أنه مثله ، لأنه عام، وقد يقال : إنَّه لولا قوله : ولا يسترقون لقلت : إنَّه لا يدخل، لأن الاكتواء ضرر محقق : إحراق بالنار، وألم للإنسان، ونفعه مرتجى لكن كلمة «يسترقون» مشكلة، فالرقية ليس فيها ضرر، وهنا نقول الدواء مثلها لأن الدواء لأن الإنسان إذا تناول دواء وليس فيه مرض لهذا الدواء فقد يضره . وهل نقول مثلاً ما تؤكد منفعته إذا لم يكن في الإنسان إذلال لنفسه فهو لا يضر، مثل : الكسر، وقطع العضو مثلاً ، وغيرها . وهو أنهم لا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون، كالعسل (۱) والحبة السوداء (٢) لكان له وجه (۳) . ۱) كحديث ابن عباس مرفوعًا: «الشفاء في ثلاث : شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، كتاب الطب / باب الشفاء في ثلاث ٣٢/٤ . ۲) لحديث عائشة مرفوعًا : «إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من السام قلت : وما السام؟ قال : الموت . رواه البخاري، كتاب الطب / باب الحبة السوداء ٣٤/٤ ، ومسلم ، ۳) قال الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد ص (۱۱۰) : واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلاً كما يظنه الجهلة، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيمي ، مع حاجتهم إليها توكلاً على الله كالاسترقاء والاكتواء، لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سبباً لشفائه بخيط العنكبوت . أما مباشرة الأسباب نفسها، والتداوي على وجه لا كراهية فيه فغير قادح في التوكل فلا يكون ترکه مشروعاً كما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً : ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء»، قالوا : ماهو ؟ قال : الهرم» أخرجه أحمد . وقال ابن القيم في : زاد المعاد ١٤/٤ : فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات المسبباتها قدراً وشرعاً وأن تعطيلها يقدح في مباشرته في التوكل نفسه، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه، فقام عكاشة بن محصن فقال : ادْعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم ، وإذا طلب منك إنسان أن يرقيك فهل يفوتك كمال إذا لم تمنعه ؟ الجواب : لا يفوتك لأنَّ النبي ، ، لم يمنع عائشة أن ترقيه)، وهو أكمل الخلق توكلاً على الله وثقة به ، ولأنَّ هذا الحديث «لا يسترقون» إلخ إنَّما كان في طلب هذه الأشياء، صل الله قوله : «فقال أنت منهم وقول الرسول ، هذا هل هو بوحي من الله إقراري، أو وحي إلهامي ، أو وحي رسول؟ مثل هذه الأمور يحتمل أنها وحي إلهامي، لكن رواية البخاري : اللهم اجعله منهم» تدل على أن الجملة «أنت فلا يجعل عجزه توكلاً ، ومذهب أبي حنيفة : مؤكد حتى يداني به الوجوب، ومالك : يستوي فعله وتركه . وقال شيخنا كما في الشرح الممتع - أول كتاب الجنائز : والصحيح : 1 - أن ما علم أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب. لكن ليس هناك هلاك محقق بتركه فهو أفضل . سبقك بها عكاشة » (1) . قال: سبقك بها عكاشة» لم يرد النبي ، ولكن قال : سبقك بها أي : بهذه المنقبة والفضيلة أو بهذه المسألة عكاشة بن محصن