مستلقية أنا على سريري وحولي دفاتر تلميذاتي، في الرف على يميني النظارة والقلم الأحمر وكوب الشاي السادة أرتاح من التصحيح، وأرمي رأسي على الوسادة، من نافذتي الكبيرة والوحيدة تدخل شمس الأصيل متكسرة بأشكال مربعة، وتدخل كَكُل عَصْر - أصوات احتكاك عجلات الدراجة الثلاث (بالأنترلوك) في الحوش، وصياح أخي الصغير فرحا بقفزات الدراجة الجديدة وبين الفينة والأخرى تدخل تحذيرات أُمِّي لَهُ مِنْ نَافِدَتِي أَيْضًا: "ملابسك. تَدْخُلُ أصْواتُ أخرى غامضة، تتحرك الستارة بنسائم بليلة، وتُنبت تدويرات الحروف في عيني خطوطا مضجرة، يدخل من النافذة صوتُ أُمِّي وهي تُدندن أُغنية قديمة، يتقطع الصوت فأخمنُ أنَّها منحنية على صواني التمر، تصل بعض حروف الأغنية مطحونة، فأتصور تمرةً في فم أمي تخالط الحروف، أرشف الشاي الذي برد الآن، أُفكر في تلميذتي "سلوى التي مات أخوها الرضيع ملدوعًا من يومين، أتخيل انحناءة رقبتها المطوقة بتعويذة وهي تُطرق واجمة، يبدو أن أخي أكمل عدة دورات حول حوش بيتنا الواسع، ويُحاول الآن إيهام أُمِّي بأنه سيمر على صواني التَّمْرِ بدرَّاجَتِهِ، أضحك في سري لهذه المُناوَرَةِ اليومية، وأقفل الباب بالمفتاح خَوْفًا مِنْ هجوم أخي المباغت أسير في العمر الفاصل بين غرفتي والصالة المطلة على الحوش، أقرأ رغمًا عني الحكمة التي علقتها أُمِّي في الممر: "احذر الكريم إذا أَهَنْتَهُ، واحذر اللَّئِيمَ إِذا أَكْرَمْتَهُ كُلَّمَاتٌ قَرَأْتُها . تَخَيَّلْتُ البشر يقفون في طابورين: كُرَماءَ ولئام، فأين سيقف الأطفال حينها؟ العمر طويل، دائما أقول لأمي : إنّي لا أفهم تصميم بَيْتِنا الغريب، في آخر الممر كان باب غرفة أُختي مفتوحًا على غير العادة، ألقيت نظرة سريعة على الداخل محاولة ألا أتوقف، غير أن أختي كانت : بمواجهتي تماما، وأشارت مباشرة إلى كوب الشاي، قَلَبْتُهُ في الصَّيْنِ لأُريهَا أَنَّهُ فَارِقٌ، فَظَلَّتْ تُشيرُ إِلَيهِ وهي تزحف باتجاهي، فارغ"، فَأَوْمَأْتُ لَها برأسي، وَذَهَبْتُ إلى المطبخ لأملاة بالشاي، حينَ لَمَحَتْني عائدة كَوَّرَتْ جَسَدَها بسرعة، مدت رقبتها وَظَهْرَها إلى الأمام، فضحكت بصوت خشنِ، وَمَدَّتْ إِلَيَّ يَدَيْهَا المرتجفتين، ناولتها الكوب فرفعته بحركة خرقاء إلى فيها، وأخذت تنظر إلي وهي تهمهم بصوت مشروع : 1 - ، تذكرت أن القاي بلا سكر في المطبخ وأنا أقلبه بالملعقة تذكرت أنها تصغرني بسنتين فقط، فضحكت، ظلت أسنانها ترتطم بحافة الكوب وحين سالَ بَعْضُهُ مِنْ جَانِبَي فيها مَسَحْتُهُ بِكُمّي، فاهتر جسدها في حركة لا إرادية، ومالث بجذعها إلى اليمين حتى انبطحث، أرقدت رأسها في حجري، قدماها الصغيرتان انخرطتا في موجة تشنجية، تقلصت عضلات وجهها ولم تزحزح عينيها البنيتين عن وجهي، مدت شعرها المحلوق فتساقطت القشرة على ركبتي، إصبعي مر على خدها الشديد النعومة، مُنذ سنين لم أتفرس فيها، لعلها في أحيان كثيرة لم تكن بالغرفة، لعل أمي تختتها في المسبح أو تقعدها أمام التلفاز في الصالة، وجسمها طال وتحف، سكنت، فبكيت،