المقارنة الداخلية وهذا حق ، إذ لا يوجد إنسان يعرف « كل » اللغة ، من اللغة ، بعض ما يعرفه من لغته ، و « يتعلم » أشياء جديدة في مسيرة حياته . ومن المستحيل – بدهيا – أن تعلم اللغة و كلها ، ، وإنما نحن مضطرون أن تعلم « أجزاء » من اللغة – وهذا المبدأ الطبيعي لا بد أن يفرض مبدأ آخر ، هو مبدأ و الاختيار » ؛ إذ طالما أنك لا تستطيع أن تأخذ الشيء « كله » ، فأي أبعاضه تختار ؟ إلا بعد أن و تقارن ، والمقارنة الأولى هي موضوع حديثنا الآن. واحدا يمكنك أن تحاصره وتقبض عليه في صندوق واحد ؛ ولكي « تختار ، وأنت تعرف صديقك حين تستقبل صوته في الهاتف ، ولهجة الصحراء من لهجة الحواضر ، ولهجة المناطق الزراعية من لهجة السواحل وهي خصائص تجري على مستويات اللغة كلها أيضا . والبلاد المتقدمة تصنع « أطالس » لغوية لأقاليمها المختلفة. ولهجة الطبقة الوسطى ، ولهجة الطبقات الغنية . وهناك اللهجات الخاصة Les argots التي تميز مهنة من مهنة وميدانا من ميدان ؛ واللصوص . وبدوائر الاقتصاد هناك « عاميات » تجري على مستويات ، وإنما لها مستويات كثيرة . العام ، ونراها في المحاضرات العامة ، والتقارير السياسية والاجتماعية وغيرها. ثم نجد لغة فصيحة لكل ميدان ؛ فهناك لغة لأهل القانون وأخرى للمعلقين الرياضيين، وثالثة لعلماء النفس وهكذا . ثم نجد اللغة و الفنية » في فنون الأدب المختلفة من شعر ومسرح وقصة ومقال ، وإنما هي « تعدل » عنه ، وقصيحة التراث ليست - كذلك - شيئا واحدا ، وإنما هي تجري على « مستويات » تحددها طبيعة التراث ذاته. واللغة العربية ليست بدعا في شيء من ذلك ، وإنما هي لغة يجري عليها ما يجري على كل اللغات الطبيعية. إذ لابد من جهد علمي جاد ، يبدأ بالمقارنة بين هذه المستويات ثم الاختيار منها وفقا للمعايير التي سنعرض لها عند حديثنا عن « محتوى » المقررات الدراسية . على أنه من المهم أن نشير هنا إلى أن ثمة اتفاقا بين العلماء على أن أفضل و نموذج » يمكن اختياره من اللغة هو النموذج الذي يمتاز و بالعمومية » و « الشمول » بأن يكون « أوسع » انتشارا، و « أكثر » استعمالا ، و « أقل » تقيدا ، وأن تكون له جذور » تاريخية ، وامتداد « ثقافي » . وسوف نرى أهمية هذا المبدأ عند حديثنا عن اختيار المستوى اللغوي في العربية من الوسائل الفنية الضرورية في مبدأ المقارنة ، في اللغة. والدراسات تؤكد أن نسبة شيوع ظاهرة ما تختلف في النصوص التراثية عنها في النصوص المعاصرة . ولكل موقف لغوي ( شفراته » الخاصة التي تعد علامة مميزة له Marker حين تكون ذات نسبة عالية من الشيوع وقد تكون هذه « الشفرة » نحوية كاستعمال المبني للمجهول في التقارير العلمية ، أو استخدام جملة الشرط في الصياغة القانونية ، حين 42/133 معينة ترتفع نسبة شيوعها في مواقف خاصة. ودراسة هذا النوع من الشيوع مهم جدا في تعليم اللغة ؛ لأنه نوع من التحديد الأسلوبي ، وإن كنا نميزه عن علم الأسلوب Stylistics الذي يتوفر على دراسة لغة أديب فرد ، أو لغة فن أدبي ما - لذلك يفضل كثير من العلماء أن يطلق على دراسة الشيوع في المواقف » اللغوية مصطلح علم الأسلوب العام General stylistics. ومن المهم أيضا أن تلفت إلى أن « الشيوع » ليس مسألة مطلقة ، لأن الشيوع معناه أن نقيس ( حدوث ، ظاهرة لغوية ما بالنسبة « للزمن » . وليظهر لك ذلك نضرب مثلا بمعجم لغوي ينتظم نصف مليون كلمة ، إذا حاولت أن تقرأه كلمة كلمة فإن قراءته تستغرق ثلاثة أيام ، ذلك أن بعض الكلمات يتكرر كل خمس ثوان ، وبعضها لا يتكرر إلا على فترات زمنية متباعدة. وقد أجريت دراسات إحصائية عن الشيوع اللغوى من مواد مكتوبة في عدد من اللغات توصلت إلى نتائج متقاربة ؛ لكن كيف نصل إليها ؟ وإن كان لا يخلو حتى الآن من عيوب ؛ وهي لا تمثل اللغة كلها ، ونحن حين نختار هذه المواد فإن الاختيار يكون « ذاتيا » إلى حد ما ، ولذلك نلحظ فروقا في نسبة الشيوع التي أجراها باحثون عن ظاهرة واحدة نتيجة طريقة اختيارهم للمواد. ومع ذلك فإن هذا لا يقدح في « منهجيتها » طالما أنها تجري على « نماذج متنوعة » ، وتستند إلى نظرية صالحة في علم اللغة الاجتماعي عن الاستعمال اللغوي على أن عملية الإحصاء اللغوي ليست آلية أو هيئة كما يبدو ، وإنما هي تحتاج إلى جهد حقيقي ، وهذه هي القضية . والحق أن دراسة كل لفظة إنما هي دراسة لشبكة ، من علاقات المعنى : أي أننا في الحق لا تعرف المعنى الكامل للفظة ما إلا بعد أن تعرف معنى الألفاظ التي تدخل معها في علاقات دلالية . للموقف . ولا يمكن تصور محتوى تعليمي دون أن تسبقه هذه الدراسة ؛ فأي هذه الكلمات نختار للصف الأول الابتدائي ، وأيها نختار بعد ذلك ؟ من الواضح أن ذلك لا يمكن أن يكون عشوائيا وإلا سقط تعليم اللغة في الاضطراب . وبعض المصادر ، وما برح ، ولا ، ولات » التي تعمل عمل ليس ؟ وسوف ترى ما أفضى إليه غياب المنهج العلمي في دراسة الشيوع على تعليم العربية حين تعرض له في مكانه. من الواضح إذن أننا لا نستطيع أن تعلم اللغة بأن « نغترف » منها حسبما نشاء ، وإنما لابد من و اختيار : موضوعي ، ينهض على « مقارنة » موضوعية داخل اللغة أولا ،