يُعدّ الموروث الإماراتي حجر الزاوية الذي بنيت عليه هوية دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو مرجعٌ لقيمٍ ومبادئَ متجذرة، من أهمها التسامح الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من الشخصية الوطنية وأساسًا للتعامل مع الآخرين على اختلافهم. لقد ساهمت بيئة الأجداد الصحراوية والبحرية الصعبة في ترسيخ قيم التكاتف والتعاون والصبر، وأدرك المجتمع أن الحوار والحكمة يحلان النزاعات، وأن الكرم وحسن الضيافة ضروريان للتعامل مع الغريب. فكان المجلس الإماراتي مدرسةً عمليةً في التسامح والحكمة، حيث تجتمع القبائل للنقاش وإيجاد الحلول العادلة بعيداً عن التعصب. كما أن الموقع الجغرافي للإمارات، كونها محطة تجارية مهمة على طرق التجارة العالمية، عزز الانفتاح على الثقافات المتعددة، مما علّم الإماراتيين احترام التنوع والاستفادة منه بدلاً من اعتباره مصدر صراع، وهو ما أصبح جزءاً من هويتها الوطنية التي تجمع بين الأصالة والانفتاح. ويعتبر الإسلام أيضاً دعامة رئيسية للموروث الإماراتي، فهو دين الرحمة والعدل الذي يحث على العفو والإحسان والتسامح. وقد انعكس هذا التعليم الديني في الحياة اليومية، وجعل التسامح قيمة فطرية تُمارس في كافة العلاقات. لقد جسّد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، هذه القيم في سياساته، فكان التسامح جزءاً من بنية الدولة لا مجرد شعارات، مما جعل الموروث مصدر إلهام للبناء الاجتماعي والسياسي والثقافي. كما لعبت القصص الشعبية والأمثال والأشعار النبطية دوراً أساسياً في ترسيخ التسامح، مثل "العفو عند المقدرة من شيم الشجعان"، التي تعلّم احترام الآخر والعفو. ولم يمكن إغفال دور المرأة الإماراتية كمعلّم حقيقي لهذه القيم داخل الأسرة، حيث تغرس الرحمة والكرم والصبر والتعاون في نفوس الأبناء. إن الموروث الإماراتي لم يكن مجرد إرث ماضٍ، بل أصبح منبعاً للسياسات الوطنية ومبادئ الحكم، وجعل الإمارات نموذجاً عالمياً يُحتذى به في التعايش السلمي. إنه حياة متجددة تتنفس في تفاصيل المجتمع، من الصحراء إلى الساحل، ومن المجالس إلى الأسواق، حيث تعلّم الناس أن الاختلاف طبيعي وأن الكلمة الطيبة تصلح ما عجز عنه السيف، وأن التسامح فن القوة. الضيف في المجتمع الإماراتي يحتل مكانة عالية ويُستقبل بالحب، مع مقولة "البيت بيتك والزاد زادك" كسلوك يومي، والجار أيضاً قلب المجتمع، وتعكس الأقوال المأثورة مثل "الجار قبل الدار" قيمة التواصل. وعلى الساحل، عزز التعرض للتجار من مختلف أنحاء العالم فهم أن الاحترام والكرم يبنيان مجتمعاً قوياً. وفي قلب الدين الإسلامي، لم يكن الإسلام مجرد طقوس، بل منهج حياة يعلّم العفو والإحسان واحترام الإنسان، مما جعله جزءاً طبيعياً من الهوية الإماراتية. كما ساهمت الفنون والثقافة الشعبية، كالشعر النبطي الذي يشجع على العفو والتعاون، والرقصات الجماعية مثل العيالة والرزفة التي تعكس الانسجام، في ترسيخ قيم التسامح. والقيادة الإماراتية، ممثلة بالشيخ زايد رحمه الله والشيخ محمد بن زايد، جسدت هذه القيم في الواقع العملي، فأنشأت وزارة التسامح وبيت العائلة الإبراهيمية، ومبادرات تعليمية تعزز ثقافة التعايش. في المدارس والجامعات، يتعلم الأطفال والشباب التسامح كخبرة يومية من خلال التفاعل والأنشطة المتنوعة. وعلى المستوى العالمي، أصبحت الإمارات نموذجاً للتسامح، باحتضانها أكثر من مئتي جنسية تعيش بسلام، وتقديم الدعم الإنساني العالمي، وكونها مركزاً للحوار بين الثقافات والأديان. كل مجلس وقصيدة وابتسامة تحكي عن هذا التراث العميق الذي يصنع إنساناً إماراتياً يرى في التسامح أساساً لكل فعل، وركيزة لبناء مجتمع ينعم بالسلام والمحبة والتعاون، ليربط بين الماضي والحاضر والمستقبل. ختاماً، الموروث الإماراتي هو الأساس لهوية الدولة، وشكل الإطار الذي جمع بين الأصالة والانفتاح. لقد غرس في الأجيال معاني الرحمة والعفو والكرم والتسامح، وجعل من المجلس والأسرة والبيئة والمدارس أدوات متكاملة لترسيخ هذه القيم. تحول التسامح بفضل هذا الموروث إلى نهج وطني وسلوك مؤسسي تدعمه القيادة، مما جعل الإمارات نموذجاً عالمياً يحتذى به في التعايش السلمي. إنه نبض الحياة الذي يعلمنا كيف نحول اختلافاتنا إلى فرص للتفاهم والتعاون، ويمنحنا القدرة على بناء علاقات إنسانية راقية، وهو واجب وطني وإنساني للأجيال القادمة لزرع الأمل في مستقبل يسوده السلام والمحبة.