الذاكرة مثل العقل فردية وليست جماعية لكنها أيضاً كاللغة إجتماعية لا فردانية للذاكرة مضمون إجتماعي ، وفي السياق الإجتماعي أو السياسي . الإجتماعي تتفرد الذاكرة الفردية ، ولكي يتجاوز مفهوم الذاكرة الجماعية ، مجرد التدليل على وجود سباق إجتماعي يجب أن تتوفر الجماعة » , Community Gemeinschaft . عندها تكون الذاكرة الإجتماعية ذاكرة الجماعة ، وليس مجرد تدليل على وجود سياق إجتماعي لأي ذاكرة . وأن نقول « ذاكرة الجماعة ، مثل أن نقول « عقل الجماعة » أو « شخصية الجماعة » أو « عقلية الجماعة ، معناد أن نستخدم استعارة لغوية . ولكن عندما تدخل الاستعارة اللغوية في تعريفات الظواهر الإجتماعية فإنها تساهم في صنعها ، وبخاصة إذا استنبطتها غالبية أعضاء الجماعة واستخدمتها في تعريفاتها وتسمياتها ومؤسساتها . ولكن ليس كل تخيل أيديولوجيا . أي أن التخيل يتم في واقع إجتماعي تاريخي محدد . ولكن حتى ضمن هذه الحدود قد يكون التخيل أيديولوجيا ، وقد يكون التخيل في نمط حياة يختلط فيه الواقع بالخيال إذ لم تفصل الحياة الإجتماعية فصلاً حاداً فيما بينهما بعد ، ولم ينفصل الفن عن الصناعة ، وما زالت الدنيا مسحورة لم تطرد منها الآلهة وبالتالي لم تنشأ الحاجة إلى الأيديولوجيا . الذاكرة الجماعية لدى الجماعة العضوية أو الإرثية ، كما في العائلة الممتدة والقرية المتماسكة والعشيرة والحمولة ، تتجاوز التذكر أو إستعادة الماضي ، إنها عالم الجماعة الحاضر الذي توزع من خلاله أدوار الأعضاء . إنه عالم العرف والعادة والتقليد وخطة الحياة المعدة سلفاً . الذاكرة التاريخية هنا ممارسة حاضرة وهي بذلك تحول دون الفرد والتذرر Atomization أي تمنعه من الإنفصال والإقتلاع من الرابطة الحميمة Intimnaecy . تحول بينه وبين التفرد أي تشكيل شخصيته الفردية ومكانته الفردية التي تشكل ذاكرته الفردية عنصراً أساسياً فيها . الرابطة الحميمة تحمي الإنسان من التذرر وتمنعه من التفرد الرابطة الحميمة لا تتجاوز التذرر بل تمنعه . وما يتجاوز التذرر هو نشوء الفرد الحر موضوع العلاقات الإجتماعية ومركزها . 46 فردية لا يكتب التاريخ ولا تنشأ الحاجة لكتابته ، لأن ما يميز التاريخ هو محاولة إعادة إنتاج ذاكرة جماعية تفتتت إلى ذاكرات فردية . الذاكرة بعد انفراط عقد الجماعة هي أيديولوجيا ، أي أنها تقوم بوظيفة أيديولوجية بغض النظر عن صحتها . إنها ذاكرة طائفية أو قومية أو حزبية . إنها تحاول تثبيت ذاتها كتاريخ مثالي للجماعة منذ بداية مفترضة . إنها إعادة صياغة للجماعة التي حلت الحداثة عقدها فذررتها أفراداً سواء كانت الحداثة وافدة أم أصيلة . والتاريخ هو الأداة الفكرية الرئيسة التي بعاد بواسطتها إنتاج الجماعة كمجتمع كوني لا يرتبط فيه الأفراد بعلاقة القرابة الحميمة ، وإنما بعلاقة تبادل من نوع ما . لكنه لا يخلق الذاكرة الجماعية في مثل هذه الحالة أيديولوجيا قومية تتوسطها إلى ذاكرة الأفراد مأثر الأبطال وتراجيديا الماضي ومعاناته . قد تشتق الطقوس من النصوص ، وقد توضع النصوص لتفسير الطقوس . والحاضر يكتب الماضي كأنه تاريخ مؤد إليه بالضرورة . وتصور الماضي تاريخاً يتجاوز كسر حركته الدائرية وتحويله إلى خط تصاعدي ليصبح الماضي مجرد تاريخ الحاضر ، قومي . فتاريخ القبائل العبرانية بصبح تاريخ اليهود مثلاً ، وتاريخ الأقليات اليهودية المتناثرة في دول العالم أجمع يصبح تاريخاً موحداً هو تاريخ الشعب اليهودي . التاريخ القومي يقصي التواريخ المتنوعة للجماعات التي زالت فهذه التواريخ يجدر أن تنسى . الذاكرة الجماعية التاريخية تفترض النسيان الجماعي الحروب الرعاة والقبائل ولتعاون أحد القبائل مع الغزاة الأجانب ضد القبائل الأخرى التي قد يكتب تاريخها في هذا السياق على أنه مؤد للجماعة المتخيلة الجديدة Imagined Community التي يساهم التاريخ في إعادة انتاجها . يكتب تاريخ الأمة وكأنها كانت قائمة كأمة . وتبدو الذاكرة القومية كأنها تفترض وجود الأمة ، ولكنها في الواقع تفترض هدفاً سياسياً هو توحيد الأمة وتحقيق سيادتها السياسية ، والذاكرة القومية تساهم في هذا التوحيد ، إنها تساهم في إيجاد الأمة بافتراضها هذا الوجود . والأمة رابطة معنوية يتطلب وجودها الذاكرة الجماعية والنسيان الجماعي والهدف السياسي . بعد أن تتحقق وتتحول الرابطة المعنوية الراغبة بتحقيق السيادة إلى مؤسسات تجسدها ، متميزة ومغتربة عن الأفراد ورغباتهم ، يأخذ محيط الذاكرة Milieux De Memoire بالإنحسار ، وتأخذ الحاجة إلى أماكن الذاكرة Lieux De Memoire بالتزايد النصب التذكاري مواقع المعارك من هزائم وانتصارات ، المتحف كبيت للذاكرة تتم فيها محاولة استعادة العلاقة مع الأمة ، من ممارسة طقسية بطبيعتها إلى طقس ممارس . لقد تشيأت الذاكرة في المكان ، وأصبح بعاد إنتاجها طقسياً . للتذكر . والمزارات وقبور الأولياء التي كانت قائمة في غير قرية من القرى ، وإنما كممارسة للقداسة والنظهر . أيضاً ، أمام بعض زوار نصب الجندي المجهول أو ضريح الزعيم الراحل . ولكن القداسة والتظهر في مزار الأولياء هي أيضاً ، إجابة على حاجة عملية ، وقد تمارس لتحقيق أمنية أو دفع شر أو مكروه لا فرق في هذه الزيارات لقبور الأولياء بين الفعل ومعناه . لكن الفرق بين الفعل ومعناه مائل وواضح للعيان عند زيارة المتحف ، أو نصب الجندي المجهول . الذاكرة واقعة حية فيما التاريخ محاولة لإنقاذها وذلك بتمثيل الماضي في الحاضر ، الذاكرة مقدسة ومطلقة فيما التاريخ علماني ونسبي . تتمسك الذاكرة بالأشياء المحسوسة والملموسة ، بالأماكن والصور والمواضيع ، أما التاريخ فيتذكر بالزمان وتدفقه بالعلاقة بين الأشياء . وعندما يثبت مواعيد وأماكن تتم فيها استعادة الذاكرة و استحضارها ، فما هذا إلا لإعترافه بتقلب الزمان ولإدراكه المرعب أن تدفقه ليس دائرياً ، وأن له المجاهاً هو الزوال الذي قد يجرف كل شيء . الذاكرة قائمة في ثبات المكان ، أما التاريخ فيحاول أن يثبت شيئاً ما في تقلب الزمان . وإذا ما أجملنا اليوم الذاكرة الفلسطينية في عملية التاريخ ، أم يوم النكبة ، أم التقسيم ؟ هل هي أوسلو ( ۱ ) أم أوسلو ( ۲ ) أم موعد دخول الشرطة الفلسطينية المدينة جنين ؟ وما هي الأمكنة التي ستثبت ؟ هل هي القرى المهدومة ، أم مدن الساحل التي غدت مدناً يهودية ، أم المساجد التي تحولت إلى بارات ومطاعم في بعض الحالات ، أم هي ضريح للجندي المجهول يقام في مدينة غزة ؟ وكيف يعاد إحياء الذاكرة في متاحف بأشياء ملموسة ، في هذه المرحلة ، أن تنتفض ضد التاريخ ، التاريخ نسبي ، ونسبيته تمكنه من أخذ موازين القوى بعين الإعتبار ، ومصالح النفوس الفاعلة في الحاضر ، في حين أن مطلق الذاكرة لا يسمح لها بذلك التاريخ يحاول أن ينسى ، أي أن ينتقي بشكل واع . ولكن النسيان نفي لها . وقد ترضى وتخفف من قبضتها على الذكريات إذا اعترف الآخرون بشرعيتها ، أي إذا تذكروها عندها يكون نفيها نفياً للنفي . وهذا غير صحيح ، فالمهزومون يكتبون أيضاً تاريخهم ولكن المشكلة هي في أن يكتب المهزومون تاريخهم قبل أن يعترف المنتصرون بذاكرتهم . عندها يتحول التاريخ إلى إعتذار عن الذاكرة ، من ناحية ثانية . وأن يفرض عليها استمرارية . ولكن عندما بات يكتب ضمن سياق تسوية لا تتضمن الذاكرة التاريخية ، تحول إلى منقلب عليها . فالذاكرة تتعارض مع حساباته البراغماتية الحاضرة ، وسياسته اليقظة تتعارض مع شاعريتها . لقد تلخصت الذاكرة الجماعية الفلسطينية التي أعيد إنتاجها بتاريخ التشرد والإقتلاع ثم الإحتلال من جديد . وتميزت هذه الذاكرة بأنها ذاكرة حنين Nostalgia إلى الوطن إلى العودة الى القرية ، وبدلاً من أن تشكل ذاكرة القرية عشرة أمام تشكيل الأمة التي تقوم على تفكيك الإنتماءات العضوية الصغيرة ، 48 هذه الإنتماءات وبين الأمة . ولأن القرية قد فقدت وسليت فإنها تحولت بواسطة الذاكرة ، إلى طريق انتماء الفلسطينيين إلى وطنهم ، بدل أن تكون حاجزاً يتوجب تجاوزه من أجل الانتماء إلى هذا الوطن ، ذلك لأن ما أزال القرية ليس حداثتنا وإنما حداثة الآخرين على حسابنا . لقد تعودنا اعتبار الجماعة العضوية والانتماء إليها عقبة أمام الانتماء المتجانس والموحد للوطن ، الذي يوحد الأفراد ولا ينافسه أحد على ولانهم ، ولا حتى العائلة . ولكن عندما تحول اقتلاع القرية ، واقتلاع العشيرة والحمولة من أرضها ، بدلاً من تذريرها أفراداً ، إلى سمة الحداثة الفارقة تحول الانتماء إلى القرية والحمولة والعشيرة وغيرها إلى جسر لتعميق الانتماء إلى فلسطين لدى الأفراد المذررين . عند ذلك غلب على الذاكرة الفلسطينية الجماعية طابع الفولكلور ، الذي يحاصر التاريخ بدلاً من أن يحاصره التاريخ . كما غلب على الأيديولوجيا الفلسطينية يمينية كانت أم يسارية التشديد على نزعة الأصالة القروية Anthenticity . القروية شيمة يعتز بها عند الفلسطينيين ، وغالباً ما يختلط التشديد على الانتماء بالتباهي بالتخلف . فإما الأصالة والفولكلور ، وقد كان بالإمكان الحفاظ على خطاب الأصالة مع الحفاظ على ذاكرة الاقتلاع في حالة واحدة هي الذهاب بالانتماء الوطني إلى نهايته ، الفلسطيني إلى انتماء عربي أوسع ، هو جزء من أمة عربية ، يعترض احتلال فلسطين طريقها نحو حق تقرير المصير وبناء وحدتها . في هذه الحالة فقط نشأت ذاكرة قومية غير فولكلورية تتعامل مع تاريخ فلسطين كتاريخ الحاضرة / المدينة المدمرة التي كانت تنمو كجزء من مشروع عربي متواصل . وقد قطع الاحتلال عام ١٩٤٨ طريق تطوره . لقد سلبنا الاحتلال المدينة القائمة والممكنة فيها وليس القرية فحسب . ومن دون هذا الإدراك لا يمكن فهم مجرى التطور الفلسطيني فيما بعد . ولكننا انثنينا تحتضن القرية التي سلبت ونسينا المدينة - نسينا أن تدمير المدينة الفلسطينية ، وإمكانيات قيامها وتطورها هي تدمير مشروعنا الوطني . هذا بحد ذاته رأي تاريخي دون شك بحاصر فيه التاريخ الذاكرة ، ولكنه يحاصرها من أجل تأطيرها في إطار أشمل ، وتعرف ، جميعاً ، تعقيدات هذا المشوار وعثراته . فبدلاً من انضمام الفلسطينيين إلى المدينة العربية ليواصل مشروع الحداثة العربية ضد الصهيونية الوافدة على العرب جميعاً ، تريفت المدينة العربية رافضة ، مع رفضها القومية العربية والحداثة والديمقراطية ، قبول الفلسطينيين أيضاً . ومثلما أعاد تربيف المدينة العربية ، العرب إلى قراهم الكبيرة ، عاد الفلسطينيون إلى قراهم أيضاً . ولكن العودة إلى القرية لم تكن عودة القرية بل عودة أيديولوجية تحول الفولكلور إلى أيديولوجيا ، أما الذاكرة المحلية ، ومنها الفلسطينية ، فقد أصبحت تحول الفولكلور إلى أصالة وفضيلة سياسية . وبعد أن تتحول الذاكرة الوطنية إلى فولكلور محلوي تصبح الذاكرة المحلية : بابلية وفنيقية وفرعونية وكنعانية في صراع وجودي مع العروبة ونزاع حدودي مع اسرائيل . لا تنمو ذاكرة القرية في مخيم اللاجئين كذاكرة تحدد أفعال البشر في حاضرهم ، وإن استحضرت في بعض عادات الزواج والأفراح . إنها بالأساس ذاكرة أيديولوجية . إنها أيديولوجيا قومية بأدوات محلوية وجهوية محرومة 49 من كونية الأيديولوجيا القومية . وكثيراً ما تختلط محاولات كتابة التاريخ الفلسطيني وتدوين الثقافة الفلسطينية ، بتدوين أحاديث الشيوخ وتوثيق أنواع المأكولات والأمثال الشعبية والرقصات الشعبية ، وغير ذلك مما كنا نعتقد أنه من اختصاص المستشرقين ، ومن ضمن محاولاتهم اختزال ثقافتنا إلى فولكلور . أي إذا لم تنتم إلى مداها الأوسع العربي ، مدى المدينة التي يتر تطورها ، إننا تختزل ثقافتنا إلى فولكلور ليس فقط لأن هذه الثقافة اقتلعت من أرضها ، وليس فقط لأننا تحاول التمسك بالجذور ، وهذا أمر مفهوم ، وإنما لأننا ارتددنا ورددنا عن الحاضرة / المدينة العربية . لقد مررنا هناك مرة . مثل الفرعونية ، والفينيقية ، والبابلية وغير ذلك . يتحول ماضي البلاد المسلوبة كله إلى تاريخ فلسطين . لقد كتب الصهاينة تاريخ هذه البلاد كأنه تاريخهم الحاضر وذلك بخطوتين أيديولوجيتين ، الأولى : في تحويل تاريخ البلاد إلى تاريخ اليهود والثانية : في تحويل تاريخ اليهود إلى تاريخ إسرائيل ، الذي بات يبدأ بإبراهيم وداوود وممالك القبائل العبرانية القديمة . يتحول اليهود جميعاً إلى إسرائيليين ، ويقفز التأريخ الصهيوني فوق تاريخ يهود المهجر ، إلا من حيث كونه تاريخ معاناة وملاحقة ، قفزة واحدة إلى التاريخ التوراتي ليصل هذا بالحاضر . أما ما بينهما في فلسطين فمنطقة حرام ، وثقب في حركة التاريخ هو تاريخ المسلمين والعرب . وإذا تحول علم الحفريات الصهيونية في فلسطين إلى وضع لبنة فوق البنة في استحضار تاريخ البلاد كتاريخ اليهود ، متجاهلاً من قبلهم ومن بعدهم ، فإن الفلسطينيين في مثل هذه الحالة ، أي حالة ارتدادهم عن تاريخ العرب ، ومن حروب غزة مع شمشون إلى حروب غزة مع شارون . وإذا كان الفلسطينيون قد تواجدوا في البلاد وفلحوها قبل بداية الهجرة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر ، وهذه حقيقة تاريخية ، وإذا كان اليبوسيون قد سبقوا اليهود 49 في ممارسة شعائرهم الدينية على ما يسمى بجبل الهيكل ، فما اليبوسيون إلا فلسطينيو تلك الأيام . والحقيقة أنه ليكون للفلسطينيين حق على فلسطين في القرن التاسع عشر ، ليس من الضروري أن يكونوا قد تشكلوا كأمة واحدة قبل ألفي عام . ثم يربط بين الحق على الأرض وبين وجود الأمة . كما أن تاريخ فلسطين هو تاريخ كل من مرّ فيها بما في ذلك أنبيا ، اسرائيل ، ولكن تاريخ فلسطين الفلسطيني يبدأ مع بداية تشكل الوعي القومي الفلسطيني . أي وعي وجود المجتمع الفلسطيني المتواصل والمستمر في أن عند ذلك توضع نقطة البداية ومنها الاستمرارية إلى الحاضر . ومصادرة واحتكار أنبياء إسرائيل إسرائيلياً مثل إقصائهم فلسطينياً تعبير أيديولوجي عن مصلحة حاضرة . والرد على الميثولوجيا الصهيونية وحفرياتها وعلى استعادة الأسماء العبرية القديمة للأماكن والقرى والمدن بميثولوجيا فلسطينية كنعانية هو مجرد اغتصاب للذاكرة لا يطال قلوب الناس وعقولهم إنهم فلسطينيون عرب مسلمون ومسيحيون يتمسكون 50 بل لأنهم يعيشون عليها ويتواصلون مع طبيعتها ومناخها . ولكنهم يشكلون ، اليوم ، شعباً تقع فلسطين في مركز ذاكرته التاريخية . يوم . كل الذاكرات الجماعية ذاكرات متخيلة ، ومثلما أن الأمة جماعة متخيلة خلافاً للجماعة الإرثية « الحقيقية » ( غير المتخيلة ) كذلك فإن التاريخ هو ذاكرة متخيلة . ولكن محاولة إيجاد ذاكرة جماعية لا هي « حقيقية » مثل العائلة ، قد يتفاعل عرب هذه البلاد مع صلاح الدين وجمال عبدالناصر ، ومع مصر والعراق ، ومع القدس وفلسطين ، ومع الأقصى وكنيسة القيامة ، ومع الأرض ومحراثها ، والجبل والساحل ولكنهم لا يتفاعلون مع كنعان لأنها كلها لا تمس مخيلتهم - كنعان هي تاريخ دون ذاكرة . إن تراوح الذاكرة الجماعية بين فولكلور القرية المفقودة وبين فرض ذاكرة لا يمكن تذكرها ، في مواجهة الميثولوجيا الصهيونية ، يترك المجال فسيحاً للتسوية السياسية على حساب ما يتذكره الناس على أنه ظلم وغين لحقا بهذا الشعب ، فلا تعارض بين الحنين للقرية كفولكلور وخطاب أصالة ، وبين اختزال فلسطين في قرى الضفة الغربية وقطاع غزة ، حيث بالإمكان ممارسة الدبكة الشعبية التي يبثها التلفزيون الفلسطيني القائم أكثر من ساعة كل كما أنه لا تعارض بين اعتبار الصراع التاريخي على أنه صراع بين ميثولوجيتين واحدة كنعانية والأخرى عبرانية ، وإذا افترضنا أن التسوية الراهنة للقضية الفلسطينية تنطلق من موازين القوى القائمة بين « حقين على الأرض نفسها . بحيث يحسم ميزان القوى بينهما ، فإن الصراع بين التاريخين يأخذ شكل الصراع بين ميثولوجيتين ، وفي حال قبولنا بالتسوية من هذا المنطلق ، أي من منطلق كونها ة بين حقين على أساس ميزان القوى القائم بينهما ، وليس على أساس من العدالة ، ولو النسبية ، يعيد بعض الحق لصاحب الحق ، فما علينا إلا أن نتساءل : لماذا لم تقبل منذ البداية ؟ لماذا لم تقبل قرار التقسيم عام ٢١٩٤٧ وحتى لماذا لم تقبل بوعد بلفور ذاته ؟ لم نرفض وعد بلفور وقرار التقسيم لأن هذه القرارات لا توصل إلى دولة فلسطينية ، فلم يفكر أحد في حينه بالدولة الفلسطينية ، بل لأننا رأينا فيها اعتداء واغتصاباً لأرض عربية هي بلاد الشام أو جنوب الشام أو فلسطين . ولم تكن بحاجة إلى أية ميثولوجيا كنعانية لتبرير هذا الرفض ، فقد كانت تطلقه أجراس القطعان وجواريش القمح و صقارات قطار الحداثة الذي بدأ ينطلق في فلسطين . ولكن عندما تكون التسوية نوعاً من قبول المهزوم بشروط المنتصر ، يظهر تاريخ المهزوم وكأنه تاريخ من الأخطاء ، ويبدأ صاحب الحق المهزوم بالاعتذار للمنتصر . وتتأزم الذاكرة الجماعية في محاولتها الجسر بين عنف الماضي الحاضر في الأذهان ، والذي لم يتمكن التاريخ من محاصرته وتأطيره في موازين القوى الراهنة وإخضاعه لها ، بين رفض الاعتراف بشرعية الاحتلال في الماضي وحاجة المهزوم إلى الشرعية من المنتصر في الحاضر . أو الانضمام إلى مدينة المنتصرين كهامش لها ، كمحمية من محمياتها ، لتصبح المدينة الإسرائيلية التي تقبل الفلسطينيين على 51 هوامشها وليس في داخلها ،