لم يكن ليدور بخلد أي منا أن تلك الرزمة المربعة التي تلقاها حسان الصغير من عم بعيد صباح يوم عيد ميلاده كانت تحتوي على قفص صغير في داخله عصفور حقيقي. وحتى قبل أن يمزق حسان ورق الرزمة المثقب كنا نسمع ونحن متحلقون حوله خفقات أجنحة تصطفق بتردد وزقزقات مكبوتة. إلا أننا لم نكن لتصدق بأن العصفور سيكون حقيقياً. فماذا يمكن أن يفعل طفل صغير بعصفور حقيقي؟وفي لحظات تمزقت الورقة الملونة ورمى حسان بنفسه فوق القفص وضمه بإحكام بين ذراعيه وصدره ثم هتف بصوت مستثار: - إنه حسون. ولم يكن قد تيسر لنا بعد أن نرى القفص والحسون بوضوح ذلك أن حسان كان مستثاراً وكان خداه قد توردا وأخذت عيناه تلتمعان فيما كان يدور في أرجاء الغرفة دون أن يعرف ماذا يتعين ولكنه بعد لحظات سمح لنا بأن نلقي نظرة على الطائر الحبيس فيما كان يحتفظ بحلقة القفص في كف محكمة الإغلاق. وفي ركنين متجاورين ثبت وعاء الحب ووعاء الماء، وكان سقف القفص قد جعل كالهرم وبدت أسياخ الحديد جديدة ومتقنة النصب. وفي قمة القفص تعلق الحسون المذعور بساقيه الرفيعتين فيما كان يرجف نافضاً رأسه بعنف، وطوال تلك اللحظات القصيرة لم يكف الحسون عن التوائب بين جدران القفص وقمته وفي كل مرة كان يحط بنفس العنف والضراوة، بسبب البقع الحمراء والسوداء التي نقشت رأسه، الصغير المتحفز وقبضتيه المشدودتين وعينيه البراقتين الغاضبتينيبدو أن عمك قد اشتراه أو اصطاده منذ أيام قليلة،وعدنا نتطلع إلى الحسون الصغير وهو يرتد من جدار حديد فيما تابع أخي الأكبر بنفس النغمة الهادئة: يحتاج الحسون إلى شهرين أو ثلاثة شهور كي يعتاد الحياة في بيته الجديد. وسوف يظل كذلك طوال ثلاثة شهور؟ولن يغني أبداً في هذه الشهور الثلاثة؟ لا، ولكن عينيه سوف تبقیان مفتوحتين لتراقبا كل شيء. ولذلك فقد غادر الغرفة دون أن يكمل الاستماع. أن حسان لن يتركني أتمتع بالنوم في تلك الليلة، وفي كل مرة كان حسان يكرر لأصدقائه ما سمعه من أخيه. فقد أعطاه من خياله شخصية وسلوك. إلا إنه بقي غير مقتنع تماماً بأن الطائر المذعور إنما يتعرف إلى بيته الجديد. وأكثر من مرة انتهز الفرصة ليعبر عن تلك الشكوك لي، ذلك أنه لم يكن يجرؤ على نقليطير فهل يعود إلى القفص؟ وحين قلت ذلك لأخي الأكبر انتهرني: إنه يتعرف إلى القفص فقط ليطيق العيش فيه فمن العبث أن نمضي بالقصة إلى أبعد مما ترتسم في رأسه الصغير، - انظر! لقد ترك كل ألعابه وكل حيوانات المطاط والصوف والقماش. مليون عصفور من القماش والبلاستيك أضحت الآن أقل من أن تعوض ذلك الحسون اللعين. لم يستطع أن يفهم كيف يمكن أن يسمي الحسون غير حسون. على الرغم من أنه أعطى الحسونمدى أبعد في هز الجناحين الصغيرين النضرين. وكان حسان سعيداً بذلك التغيير، وكانت سعادته أكبر حين قلت له بأن عليه نقل العصفور بنفسه من القفص القديم إلى الجديد، وشرحت له بأن عليه أن يحتوي الطائر الصغير بين كفيه دون أن يضغط كثيراً خوف أن يقتله ودون أن يرخي الراحتين كثيراً خوف أن يهرب. • معنى ذلك أنك ضغطت عليه كثيراً. تكون قد أرخيت راحتيك كثيراً. وصار يعتقد أن سعادة الحسون قد ازدادت في القفص الجديد الواسع. إلا إن أخي الأكبر الذي استمع بصبر إلى ذلك كله، ونحن على طاولة الغداء كان له رأي آخر قاله دون أن يرفع رأسه عن الطعام. خسرت شهراً على الحسون الآن أن يبدأ من جديد بالتعرف إلى بيته الجديد، ومن طرف عيني شاهدت حسان ينظر حواليه بأسى، ثم حاول أن يستأنف الأكل إلا إنه عاد فوضع الملعقة إلى جانب الصحن وأخذ ينظر إلي. فقد يروقه البيت الجديد فيتعرف إليه بأسرع مماوها أنت ذا تشتري له قفصاً جديداً بعد شهر. وقبل أن يكمل زحزح حسان كرسيه واستدار عائداً إلى غرفته دون أن ينبس بكلمة. أوقفته وأمسكت به من ذراعيه فطأطأ رأسه ملصقاً ذقنه بصدره ورغم ذلك فقداستطعت أن أرى رموشه مبتلة بالدموع التي حاول طوال الغداء أن يبقيها في رأسه. وقبل أن ينفجر قربت فمي من إذنه وسألته هامساً:وتبعته بعد لحظة فرايته جائياً إلى جانب الحسون المنتفض من جدار إلى جدار وحين التفت إلي بدا لي أنه قد حضر ما يريد قوله، فرماه بوجهي بصوت راجف حاد:منذ ثلاثة شهور لم يكف عن الطيران. وخيل إلي بأن الجناحين الغضين لن يستطيعا حمل الطير الصغير شهوراً ثلاثة أخرى. وكنت على وشك أن أقترح على حسان أن يفتح باب القفص ويخلي الطائر، إلا إنتي عدت فسكت منتظراً منه أن يصل إلى ذلك دون مساعدتي. ولكن شيئاً غريباً حصل في اللحظة التالية. وقف الحسون فجأة ممسكاً بقبضتيه الدقيقتين القصبة الرفيعة محدقاً إلينا بعينين حادتي الغضب لاهثاً لهاتاً قصيراً متتابعاً دافعاً صدره الأبيض، وطوال اللحظات التالية لم يتحرك وواصل التحديق إلينا. وقد كنت أتوقع بالضبط كل الذي سيحدث: وقف حسّان جدلاً وقد احمر وجهه ثم أنشأ ينظرإلي بعينيه الواسعتين، فابتسمت فيما امتلأ وجهه بضحكة نادرة. وكالسهم انطلق إلى غرفة الطعام وسمعت صراخه يختلط بخفقاتلقد وقف. كف حشون عن الطيران.ومن جديد سمعت صوت خطواته تتابع عائدة، وشهدته يندفع عبر الباب ويركع إلى جانب القفص صافقاً كفيه فوق فخذيه مخضوضاً بالفرح. وفي اللحظة التالية وصل أخي الكبير فوقف وراءه هنيهة دون أي اهتمام ثم انحنى فجأة متكتاً بكفيه علىركبتيه وحدق إلى الحسون الواقف بهدوء فوق القصبة. فيما مضى حسان يكرر بلا توقفألا ترى؟ لقد كف حشون عن الطيران.