تأخَّر ظهور الفلسفة في المغرب عنها في المشرق حول قرنَين من الزمان، ذلك أن السريان في الشرق نقلوا الفلسفة اليونانية إلى السريانية فبقيت محفوظةً في مدن الشام، حتى إذا خضع الشام للإسلام واستقرَّت الدولة الأُموية، لم يجد العرب جهدًا في نقل الفلسفة، وهو العمل الذي نهض به السريان بتشجيع الخلفاء والأمراء. وبدأت هذه الحركة بالأمير خالد بن يزيد الأُموي، وقويت في عهد المنصور العباسي، واشتدَّت في عصر المأمون. وكما بدأت حركة النقل بالعلوم ثم الفلسفة في المشرق، كذلك مرَّت حركة طلب العلم ثم الفلسفة في المغرب؛ فقد كانت الأندلس كما يقول صاعد صاحب طبقات الأمم: «خالية من العلم، لم يشتهر عند أهلها أحد بالاعتناء به … ولم تزل كذلك عاطلةً من الحكمة إلى أن افتتحها المسلمون سنة اثنتين وتسعين، فتمادت على ذلك أيضًا، لا يُعنى أهلها بشيء من العلوم إلَّا بعلوم الشريعة وعلم اللغة، إلى أن توطَّد الملك لبني أمية فتحرَّك ذوو الهمم منهم لطلب العلوم وتنبَّهوا لإشارة الحقائق. » ثم يُضيف أنه منذ وسط المائة الثالثة تحرَّك أفراد في طلب العلوم، ولم يزالوا يظهرون ظهورًا غير شائع إلى قريب وسط المائة الرابعة. وكان بعضهم من أهل الأندلس ذهبوا إلى المشرق لطلب العلم وبخاصة الطب، ثم عادوا للاشتغال بهذه الصناعة. وفي بعض الأحيان الأخرى كان علماء من الشرق يفدون إلى الأندلس والمغرب ويستوطنون بها، مثل أحمد الحراني الذي وفد في زمان الأمير محمد بن عبد الرحمن، وكانت عنده مجرَّباتٌ حِسان بالطب، فاشتُهر بقرطبة وحاز الذكر فيها. وتحرَّك قوم آخرون لطلب علم الحساب والفلك لحاجة الناس إليهما في العمران. يقول صاعد: «فممن اشتُهر من العلماء ما بين وسطَي هاتَين المائتَين — أي المائة الثالثة والرابعة — فاعتنى بعلم الحساب والنجوم، أبو عبيدة مسلم بن أحمد ابن أبي عبيدة البلنسي المعروف بصاحب القبلة. وكان عالمًا بحركات الكواكب وأحكامها، وكان مع ذلك صاحب فقه وحديث … تُوفي سنة ٢٩٥ﻫ. وظلَّت الحال على هذا المنوال طوال القرنَين الثاني والثالث، حتى كان القرن الرابع، فاشتدَّ الطلب على الكتب الفلسفية إلى جانب الكتب العلمية، بفضل الحكم الثاني (٣٥٠–٣٦٦ﻫ) الذي جلب كتب الفلسفة، وغرائب ما صُنِّف بالمشرق؛ فقد كانت الكتب التي تُؤلَّف في فارس والشام تُعرف بالأندلس قبل أن تُعرف في المشرق. وممَّا يُروى في ذلك أن الحكم أرسل ألف دينار من الذهب إلى أبي الفرج الأصفهاني ليقتني منه أول نسخة من كتاب الأغاني. وقد قُرِئَ هذا الكتاب بالفعل في الأندلس قبل أن يُقرأ في العراق. وكان يبعث في شراء الكتب رجالًا من التجار، وجمع في قصره الحُذَّاق في صناعة النسخ، والمهَرة في الضبط، والإجادة في التجليد، فأوعى من ذلك كله، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده. وبذلك أصبحت الأندلس منذ أواسط القرن الرابع ممهدة لظهور الفلسفة القائمة على الطب من جهة، وعلى الرياضيات من حساب وهندسة وفلك من جهة أخرى. فمن الذين مهَّدوا لظهور الفلسفة عن طريق علم الهندسة والنجوم أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي من أهل قرطبة. عاش في زمان الحكم، وكان إمام الرياضيين بالأندلس في وقته، وأعلم من كان قبله بعلم الأفلاك وحركات النجوم. وكانت له عناية بأرصاد الكواكب، وشغفٌ بتفهُّم كتب بطليموس المعروف بالمجسطي، كما كان عالمًا بالكيمياء. ومن تلاميذه الكرماني الذي رحل إلى المشرق وجلب معه رسائل إخوان الصفا. وقد لمع بالأندلس بيت اشتُهر بالطب، أبًا عن جد، هو بيت ابن زهر، أولهم أبو مروان عبد الملك بن زهر، رحل إلى المشرق ودخل القيروان ومصر وتطبَّب هناك زمنًا، ثم رجع إلى الأندلس. ثم ابنه أبو العلاء وكان في دولة المرابطين، وله علاجات مختارة، وكان شديد الاعتداد بنفسه وعلمه إلى درجة أنه ذم قانون ابن سينا واطَّرحه ولم يُدخله خزانة كتبه. ويبدو أن ابن زهر هذا كانت له يد في مصرع ابن باجة كما سنذكر فيما بعد. ثم ابنه أبو مروان ابن أبي العلاء بن زهر، الذي دخل في زمانه المهدي بن تومرت الأندلس ومعه عبد المؤمن الذي أصبح يُعرف بأمير المؤمنين. وكان أبو مروان معاصرًا لأبي الوليد بن رشد، ألَّف الأول في الطب كتاب التيسير في الأمور الجزئية،