ويعجبني قوله : إذا أنت لم تعـشـق ولم تدر ما الهوى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا ثم تعرض الرواية مجموعة أخرى من الأبيات إلى أن يقول لها كثير : قد والله أجاد فما استقبحت من قولى ؟ قالت : قولك : وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسى وأظهرن منى هيبة لا تجهما يحاذرن منى غيرة قد عرفنها قديما فلا يضحكن إلا تبسم وقولك : وددت وبيت الله أنك بكرة هجان وأنى مُصْعَب ثم نهرُبُ کلانا به عُر فمن يرنا يقل على حسنها جرباء تعدى وأجرب نكون لذى مال كثير مُغفل فلا هو يرعانا ولانحن نطلب إذا ما وردنا منهلا صاح أهله علينا فما تنفك نؤذى ونُضرْبُ (1), ولاهى دعابة تتفكه بها ، ولكنها لغة الشعر التي بها تحدثت وعرضت موقفها بين أبيات تحفظها لشاعرها كثير ، وهى تريد أن تنهض بالمفاضلة بين هذه وتلك ، فتعرض ماذكرته من أبيات في تلك الرواية بما يكشف عن هذا الحس النقدى الذي ينضوى على ذوق وفهم ووعى لما حفظته عزة ، بقدر ماستظل شاهدا يؤكد تلك المقولة حول الذوق الأدبي للمرأة العربية فيما تستنشده وتتلقاه من الشعر . وهو ما يزداد وضوحا في الحديث عن الإبداع والحوار الشعرى لدى الشاعرات العربيات ( الإبداع والحوار الشعرى ۲ وتأتى هذه المرحلة تتويجا للحديث حول المرأة العربية وحركة الشعر من حولها ، وتنطلق مبدعة فيه ، أو إعداداً وصنعة ، أو ماكان من اتخاذهن له وسيلة للحوار ، وإظهار القدرة على الإبداع والتذوق معا . فهى ظاهرة - إذن - تستحق التأمل والتوقف ، ونبدأ الحوار حولها بما عرضه السيوطى « نزهة الجلساء ( من أن حفصة بنت الركونى كانت شاعرة جميلة مشهورة بالحسب والمال ، - فالشاعرة تتلقى هذه الصور جملة وتفصيلا ، وتنشد على أساس منها حوارها الشعري الذي تتبدى فيه علامات ذكائها ووعيها حين تجعل الروض بمثابة الحاسد الذي يحمل الغل والحقد عليها ، ومن ثم راحت تفسر سر تصفيق النهر بعيدا عن ارتياحه بقربهما ، لتضيف إلى المشاهد الكونية التي رسمها الشاعر نجوم الليل الذي دعا له ، بعيدا عن الإعداد البطيء ، أو الأناة المتعمدة أو الصنعة المتأنية فيقرب من باب الارتجال والقول على البديهة ، فهو تعبير تلقائي عن ذوق الشاعرة فيما هي بصدد نظمه وتصويره في أبياتها . وتتكرر صيغ الحوار الشعرى فى عالم المرأة حتى تمثل ظاهرة كثيرة الشيوع في إبداعها ، وكثيرة هى الروايات التي جمعها صاحب كتاب ( مصارع العشاق ، حول هذه الضروب من الحوار الشعرى فيما رصده من قصص المحبين الذين هم أولى الناس بتبادل رسائل الهوى واللجوء إلى الشعر أساساً لتلك الرسائل ، فهذه فتاة من بني أسد يحال دون زواجها من محبوبها الذي لقيها يوما ليقول لها : لعمري ياسعدى لطال تأيمى ومعصيتي شيخي فيك كليهما وتركي ذا الحيين لم أبغ منهما سواك ولم يربع هواى عليهما فتجيبه فتاته : حبيبي لا تعجل لتفهم حجتى کفانی مابنى من بلاء ومن جهد ومن عبرات تعتريني وزفرة تكاد لها نفسى تسيل من الوجد غلبت على نفسى جهارا ولم أطق خلافا على أهلى بهزل ولاجـد ولن يمنعوني أن أموت برغمهم غدا جوف هذا الغار في جدث وحدى فلا تنس أن تأتى هناك فتلتمس مکانی فتسلو ما تحملت من جهدى ويستكمل صاحب الكتاب روايته حول مصرع العاشقين على طريقته فيما صنفه في كتابه من هذا الجانب (1) (۱) والمرأة موضوع غزله شاعرة أيضا ، لنا إذن أن ننتظر هذا الضرب المتميز من ضروب الإبداع الشعرى الذى ينهض على أساس عفوى تلقائي تغلب عليه البديهة. غلبة الصدق فى تصوير التجربة والتعبير عنها من الواقع الشعرى ( الحى ) للمرأة الشاعرة ، فلاشك أن ماتنظم من أبيات في معرض هذا الحوار يظل كشفا عن كم من الصدق الوجداني والتلقائية في تصوير الموقف كجزء متميز في مرحلة الإبداع الشعرى . وصورة أخرى نرى فيها المرأة الشاعرة تندفع بنفس التلقائية لتخاطب زوجها شعرا على نحو ماحدث من ليلى الأخيلية وهى تحكى للحجاج عن زوجها ثوبة الذي أكثرت من ريائياتها فيه ، ناهيك عن لوحات فنية كثيرة ترسمها روايات العشاق من اللجوء إلى هذه الألوان من الحوار ، بما يكشف عن إيقاع النفس الحزينة حتى أن الشاعر وهو ينتظر موته يروح يبكى بكاء يمنعه من الكلام. وينشد زوجته ، سوف أبكيك ماحييت بشـجـو ومرات أقولها وبندبه (۱) وهنا لا تتوقف لغة الحوار بين انعكاسات القلق على نفس الشاعر وهو يعاني سكرات الموت ، وكأني به يعكس آخر صور الصدق فى تجاربه الحياتية قبل انتقاله إلى العالم الآخر ، فإذا بالرجل يهدأ بالا ، فلم تلبث بعده حتى خطبت من كل جانب فقالت مجيبة لخطابها : سأحفظ غسانا على بعد داره وأرعاه حتى نلتــقـــى يوم نحشر وإني لفى شغل عن الناس كلهم فكفوا فما مثلى بمن سأبكي عليه ماحييت بعبرة تجول على الخدين منى وتحدرُ مات يغدر ثم تطول تفاصيل الرواية بما لا يفيدنا رصده هنا إذ يبقى لنا من أهميتها مايدل على رصد التجربة فى صورتيها المتباعدتين بين استعانة المرأة بشعرها على استرضاء زوجها ، ومن جانبها حذرا ، بحكم خبرته بعالم المرأة ، ثم هى توظف شعرها فى هذا الحوار الجماعي العام الذى ترد به على خطابها ، مؤكدة لهم استمرارية عهدها مع زوجها بعد موته ، ففى كلا الموقفين بدا الحوار الشعرى المتنوع أساسا عكست فيه المرأة موقفها إزاء زوجها قبل موته ثم بعد الموت . وتتكرر ألوان مفصلة هذه الصيغ الحوارية فى كثير من روايات الكتاب على نحو ما تكشفه لغة الحوار بين من (۱) الأغاني ۲۰۱/۳ (۲) حبيش ومحبوبته منذ تغزله فى جمالها إلى ما أجابته به من شعر ، وماكان من تأخر حوارها معه حتى يتحول إلى رثاء له بعد موته ، وهى حينئذ تستجمع طاقتها لصياغة حوارية متميزة تندرج في باب الرثائيات النسائية ،