المشهد الأول يتوسط عدد من المباني، تنتشر فيه حاويات وبراميل الزبالة، في اليمين بعض القطع الالكترونية، و جيتار مسنود على الجدار. وفي العمق برميلا زبالة عليهما لوح خشبي على شاكلة مكتب عليه وحوله بعض الأوراق والكتب. في يسار الخشبة مرآة معلقة على الحائط وساعة جدارية تشير إلى السابعة إلا ربع. طعام. ويبحث في برميل آخر، يخرج الثالث محملاً بالكتب والمجلات يأخذها إلى عمق الخشبة ويتجه إلى برميل آخر. يكملون بحثهم فيعود الأول متفحصاً بعض الملابس أمام المرآة.الثاني يفترش الأرض يعاين أجهزته .يعود الأول إلى برميل يفتش فيه، يخرج كأساً طبعت عليه شفاه باللون الأحمر،يرفعه ويشمهالأول: إنه من النوع الغالي.يمسح الكأس بخرقة ويضعه جانباً،الأول: Made in France ، ماركة عالمية.يعيدها إلى البرميل، الثالث يبحث هو الآخر في أحد البراميلالثاني: (وهو مشغول مع أجهزته) يبدو أنهم لا يدركون معنى كلمة إصلاح.الثالث: (وهو يخرج حذاءً من البرميل، يرميه للأول) يصلح لك،يأخذ الأول الحذاء ويتفحصه،الأول: يناسبني تماماً، إنه جديد!الثالث: ربما تكون صرعته قد انتهت.الأول: أنا أحب الصرعات، ويخرج الثالث علبة دواء ودمية دب متسخة قليلاًالثالث: إنه ناعم (يشم الدب) وله رائحة أنثى. رائحة أنثى (يحتضنه) ربما تكون رائحة عطرها.الثالث: (يأخذ الدب من الأول) اتركه لي.الثاني: اكتئاب؟(بسخرية) وكيف عرفت يا دكتور؟الثالث: لا تسخر. إنه فعلاً دواء للاكتئاب. كان لي صديق يتعاطاه .الأول: وهل يصابون بالإكتئاب؟ إنه لنا وحدنا.الثالث: صدقت، من هذه البراميل ترى صورة عالمهم المخملي بكل تفاصيله.الثاني: (بفخر) أنا لا أرى فقط وأسمع أيضاً.الأول: ليس في الحي خلوة بين زوجين إلا وأنت ثالثهما.تخرج يدٌ من البرميل،الثاني: سيطول بحثه، إنه يتوقع المستحيل.الثالث: دعه، فبالأمل يحيا البشر.تخرج اليد من البرميل بإطار صورة مذهب،الأول: (يتفحص الإطار، يضعه أمامه كإطار لصورته) كيف تريان صورتي، ثمنه أغلى منك.الأول: (متهكماً) حتى لو اجتمعنا كلنا داخله، (يتفحصه) أي سعيد حظٍ وضعوا صورته داخله؟الثالث: كنا نعلق صورنا على الجدران بشريط لاصق.الأول: سأعلقه على الجدار.الثاني: دون صورة؟ ثم يلمون بعض الأغراض ويضعونها في أكياس بلاستيكية، ويركنونها جانباً،يتأنق أمام مرآته ويعود الثالث خلف طاولته يقرأالأول: (يدندن أغنية) لم يتبق سوى دقائق على موعد خروجها إلى الجامعة.الثاني: (يقفل غطاء راديو بفرح) يا لي من عبقري،الثالث: (ينتبه، ويوجه كلامه للثاني) حقاً!! ،الثاني: لأني سأبيعه واشتري بثمنه بطاريات للراديو الآخر.الثالث: (بإحباط يعود إلى وضعه السابق) لا فائدة ترجى منك، إما أغاني تافهة أو تنصت على الناس.الثاني: (بتهكم) أتريد أن تسمعنا أغانيك المضجرة؟! ،يمتعض الثالث ويستأنف القراءة،الثاني: (بسخرية) لو أني أعثر على كاميرا في الزبالة، لأصلحتها وصورتك.بفخر يعدل الأول هندامهالثاني: تصلح مذيع أخبار أنا ممثل ولا أصلح لغير التمثيل (يهدأ) طيب !! ، إنه ذات السؤال تكرره علينا كل يوم أكثر من مرة .الأول: بل لها.الأول: لا يهم،وأمسح شعرها الأسود الناعم.الثاني: (يقاطعه مصفقاً) أحسنت، أحسنت،الأول: (متبرماً) أووه، أنت تثير قرفي،الثالث: لو كان في أوربا مثلاً لأصبح مشهوراً،الثاني: أعني لو شغّل عقله قليلاً وعمل في التلفزيون كالآخرين،الأول: (بحدة) قلت مراراً، لا للتلفزيون. اشتغل في المسرح الذي نعرفه كلنا، ستحظى بالمال والشهرة، ولن تحتاج أن تقف كالمخبول تتأنق لفتاة لا تعرفها.الأول: يا صديقي، قبلت أنا أحيا على الهامش ، في هذه المزبلة ، وأنزلق إلى التهريج الذي يسمونه مسرحاً . أعيش بهذه القناعة، وكفى .تتناثر بعض الأوراق والبقايا من برميل زبالة، يلتفتون إليه، يخرج رأس الرابع وعلى وجهه الفرح ماذا وجدت؟ .يلتفون حوله بفضولالأول: هل وجدت الجريدة؟الرابع: (يهز رأسه سلباً)الثالث: ماذا وجدت ؟ ، هاتف ؟ ، قل لنا ماذا وجدت .الرابع: (يهز رأسه سلباً)الثاني: (يخطف الصندوق ) ما الذي بالداخل ؟ ويفتحه بفرح ) كعكة عيد ميلاديضع الأول الصندوق على برميل زبالة بعد أن وضع عليه لوحاً خشبياً. فيلتفون حول الصندوقالثالث: بل كعكة ذكرى زواج.الرابع: (يقرأ) سامي.الأول: (يقرأ ) فرح.الثاني: عيد زواج سعيد،الأول: إنهما يحتفلان بعيد زواجهما،الرابع: أية سعادة ؟!، تعني خلاف.الثالث: أذكر،الثاني: إنهما في خلاف دائم، يتشاجران على الدوام.الأول: أتعرفهما ؟الثالث: إنه يعرف كل أهل الحي.الثاني: إنه الدكتور سامي وزوجته فرح. ومن زوجته فرح ؟الثاني: طبيب النساء والولادة الذي يعيش في الطابق الثالث من المبنى الأول في الشارع، وزوجته مدرسة موسيقى في مدرسة ثانوية. وأعرف حتى ما يضمره أحدهما للآخر.الثالث: لا أسرار في هذا الحي.الثالث: من الخطأ التصنت على الناس. لا تدخلني في دوامة الصح والخطأ، تماماً كمتعتك أنت بالقراءة، فاشعر أني بين الناس ومنهم .الرابع: (بفضول وهو يشير لقالب الكعكة) ماذا عن صاحبنا؟ (يصمت برهة مسترجعاً أفكاره) تزوج فرح،الأول: كيف يتزوجها وهو لا يحبها ؟الثاني: لأنه كان يحب فتاة تركته و تزوجت آخر، ووجد أن زواجه بفرح قد ينسيه الفتاة .الثالث: طيب ! ،الأول: حقاً ؟!الثاني: نعم، وهي تزوجته لأنها مطلقة، ويحتفلان بذكرى زواجهما ؟! غريب. لكن دون جدوى .الأول: (يتنهد) للأغنياء همومهم أيضاً. يصرخ مفزوعاًالأول: (يصرخ) إنها السابعة!! ويتجه ناحية زاوية المبنى المطلة على الطريق، يرقب الفتاة، يضربه الرابع على يدهالرابع: لا تلمسها . ألن نأكلها ؟الرابع: الآن لا .الثالث: والمناسبة ؟الرابع: وأنا كذلك ،الرابع: لنفكر في مناسبة .الثالث: آه، اليونسكو .الثاني: وما شأننا نحن باليونسكو؟ اختارا مناسبة تخص الجميع .الثاني: صح، يدخل بعدها الخامس ، يراقب الأول الذي كان يطل على الخارجالخامس: (يربت على كتف الأول) ألا زلت تنتظرها ؟الأول: لا شأن لكالخامس: (بسخرية) سيطول انتظارك .الأول: (يواجه الخامس) ما الذي تعنيه ؟الأول: ولمَ غادرت مبكراً ؟ (يستدرك) ثم ،الخامس: رأيتها تستقل السيارة (يقلد صوت السيارة) وتمضي. ثم دعك من النساء، ولا تقع في حبائلهن.الأول: (بحزم) بل ألذ،الخامس: أنا لم أفهم شيئاً، من قدماي حتى قمة رأسي، أتيه في عالمها وأنسى كل شيء في هذا الوجود. إنها تحب غيرك .الأول: (ينفجر ضاحكاً) أنت ؟!، قتلتني رعباً .الخامس: (يطل برأسه من خلف البرميل، وبإصرار) نعم أناالثاني: سيبدأ الآن صراع العشاق.الثالث: بل صراع الديكة. لا وسامة، لا ثقافة، ولا وظيفة .الخامس: ومع هذا تحبني، لكن لا يعني كونها ابتسمت لك، أنها تحبك.الخامس: (للثالث) قل له ماذا يعني ؟ إنها تحبني .الأول: إنها تبتسم لك أيها المغفل،الخامس: (غاضباً) أنا بهلول ؟!، إنك تغار مني. ولا تحبك.الخامس: (يفتش في جيوبه ويخرج صورة،الأول: (يحاول الانقضاض على الخامس،الخامس: (يرفع الصورة في وجوه الجميع) هه!،الأول: (يستشيط غضباً) إنها هي، ولكنك وجدتها في الزبالة، صح ؟! يلاحقه من مكان إلى آخر على الخشبة) أيها اللعين، إنها فتاتي أنا.يتوقف الخامس خلف برميل، يتوقف الأول في مقابلهالرابع: لا تخف لن يكون هناك ضحايا.الأول: أعطني الصورة. الصورة لي .يدوران حول البرميل،الأول: بل لي أنا،الخامس: لن أعطيك إياها، إنها تحبني أناالأول يلحق بالخامس، يخطف الصورة منه،الأول: إنها هي، إنها لا تعرفك حتى، سأقتلك.الخامس: لا يهم، سأحصل على صورة أخرى منها، كلكم يعرف أني أحبها وأحلم بها.الأول: (غاضباً) أنت ماذا؟،الثالث: لكنها لا تحفل بوجودك يا عزيزي.الأول: يكفي أن أراها من بعيد . أكلمها وتكلمني. ووسيم، وحريٌ بها أن تحبني. لا تعلم بوجود كائن اسمه أنت. البشر طبقات.الأول: أنا لا أؤمن بهذا التصنيف. (يشير للخامس) أنت تراه أقل مستوىً منك.الثالث: أرأيت ؟الرابع: المجتمع فيه الأغنياء .الثالث: أتظن أن فتاة من حي أرستقراطي سيلفت انتباهها مشرد في مزبلة؟!.الرابع: (بحسرة) أين قلمي عنهم هؤلاء الارستقراطيون؟. لو تركت المثاليات لكنت نجماً تلفزيونياً.الثالث: (يحاول تهدئة الأول) المهم ألا نقتتل كالديكة لأجل التوافه،الخامس: (مستفهماً) نسيجاً ماذا ؟!الثالث: نسيج اجتماعي متآلف، تجمعنا حدود واحدة ومصير واحد، هل فهمتم أنتم؟!. أننا يجـــب أن نكون يداً واحدة، لا نتصارع،الخامس: فقط ؟!الرابع: المهم الآن، (للخامس) اذهب وترقب لنا مجئ شاحنة الزبالة .الخامس: كالبرق (يخرج ركضاً يجر خلفه قلادته ) سآتيكم بالخبر. كيف لها أن تحبه؟! ، لأتيتك بأخبارها بالتفصيل،الأول: وكيف لي أن أعرف اسمهاالرابع: (ممازحاً) اسأل غريمك ، ربما يعرفه .الأول: هذه آخرتها، ينسحب الثالث ناحية مكان قراءته، الثاني يعود إلى عمله، ينتبهون، يدخل الخامس راكضاً كلٌ إلى جهته يحملون أغراضهم معهم، قالب الكعكة، ويخلون المكان، صمت، يسمع صوت مكابح شاحنة من الخارج، يراقب المكان، يتركه متبرماً، ينتقل لآخر،