يقول أحدهم عن أبيه: دائما ما ينتقدني ويتهمني بالسلبية، إلى أن جاء يوم ووجدت وظيفة، اليوم الذي طالما انتظرته للحصول على وظيفة مرموقة في إحدى الشركات الكبرى. وفعلًا، استيقظت في الصباح الباكر ولبست أجمل الثياب وتعطرت وهممت بالخروج، فإذا بيدٍ تربت على كتفي عند الباب، وناولني بعض النقود، وقال لي: أريدك أن تكون إيجابيًا واثقًا من نفسك ولا تهتز أمام أي سؤال، تقبلت النصيحة على مضضٍ وابتسمت وأنا أتأفف من داخلي، خرجت من البيت مسرعًا، وما إن وصلت ودخلت من بوابة الشركة حتى تعجبت كل العجب، فلم يكن هناك حرّاس عند الباب ولاحظت أن مقبض الباب قد خرج من مكانه وأصبح عرضة للكسر فتذكرت نصيحة أبى لي عند خروجي من المنزل بأن أكون إيجابيًا. ، على الفور رددت مقبض الباب إلى مكانه وأحكمته جيدًا، ثم مررت بحديقة الشركة فوجدت الممرات غارقة بالمياه ، فتذكرت تعنيف أبى لي على هدر المياه، فقمت بسحب خرطوم المياه من الحوض الممتلئ ووضعته فى حوض آخر مع تقليل ضخ الصنبور حتى لا يمتلئ بسرعة إلى حين عودة البستانى، ثم دخلت مبنى الشركة متتبعًا اللوحات. وخلال صعودي الدرج لاحظت الكم الهائل من مصابيح الإنارة المضاءة ونحن فى وضح النهار، فقمت لا إراديًا بإطفائها خوفًا من صراخ أبى الذي كان يصدح في أذني أينما ذهبت، إلى أن وصلت إلى الدور العلوي، ففوجئت بالعدد الكبير من المتقدمين لهذه الوظيفة، قمت بتسجيل اسمي في قائمة المتقدمين. وجلست انتظر دورى وأنا أتمعن فى وجوه الحاضرين ، الكل يتباهى بشهاداته ومكانته، ورغم ذلك لاحظت أن كل من يدخل المقابلة لا يلبث إلا أن يخرج فى أقل من دقيقة، فقلت فى نفسى: إن كان هؤلاء بأناقتهم وشهاداتهم قد رُفضوا فهل سأقبل أنا؟!، وبالفعل، انتفضت من مكاني وقبل الخروج نادى الموظف على اسمى، فقلت أمرى إلى الله ودخلت غرفة المقابلة وجلست على الكرسى فى مقابل ثلاثة أشخاص نظروا إلىَّ وابتسموا ابتسامة عريضة، فذهلت وظننت أنهم يسخرون منى، وهنا تذكرت نصيحة أبى لى بألا أهتز وأن أكون واثقا من نفسى، فأجبتهم بكل ثقة: سوف أتسلم الوظيفة حين أجتاز الاختبار بنجاح إن شاء الله، فقال آخر: لقد نجحت فى الامتحان وانتهى الأمر. فقلت: ولكنّ أحدًا منكم لم يسألنى سؤالًا واحدًا!. فقال الثالث: نحن ندرك جيدًا أنه من خلال طرح الأسئلة فقط لن نستطيع تقييم مهارات أىٍّ من المتقدمين، لذا قررنا أن يكون تقييمنا للشخص عمليًا، فصممنا مجموعة اختبارات عملية تكشف لنا سلوك المتقدم ومدى الإيجابية التى يتمتع بها ومدى حرصه على مقدرات الشركة، فكنت أنت الشخص الوحيد الذى سعى لإصلاح كل عيب تعمدنا وضعه فى طريق كل متقدم. وفجأةً، اختفت من أمامى كل الوجوه ولم أعد أرى إلا صورة أبى، ذلك الباب الكبير الذى ظاهره القسوة ولكن باطنه الرحمة والحب والطمأنينة، وبالفعل، وعند باب الدار، لقد وصلت متأخرًا، لماذا لم أرَ أبى من قبل بوضوح؟! كيف عميت عيناى عنه. عن النصيحة بلا استشارة؟!. كنت أنت البارَّ بنا ولم تنل البر منا، غبت يا أبى وغاب عنى العقل الرشيد والركن الشديد والسند المتين والناصح الأمين، لكنى أعدك يا أبى حين أنجب من صلبى أبناءً سأحكى لهم عنك حتى لا يكرروا أخطائى،