الإسلام دين عالمي يرسل رسالته إلى البشرية جمعاء، تلك الرسالة التي تأمر بالعدل وتنهى عن الظلم وترسي دعائم السلام في الأرض، وتدعو إلى التعايش الإيجابي بين البشر جميعاً في جو من الإخاء والنسيامح بين كل الناس صرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم فالجميع يحدرون من نفس واحدة، كما جاء في القرآن الكريم (يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وعالمنا اليوم في أشد الحاجة إلى التسامح الفعال والتعايش الإيجابي بين الناس أكثر من أي وقت مضى، نظراً لأن التقارب بين الثقافات والتفاعل بين الحضارات يزداد يوماً بعد يوم بفضل ثورة المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية التي أزالت الحواجز الزمانية والمكانية بين الأمم والشعوب، حتى أصبح الجميع يعيشون في قرية كونية كبيرة. والإسلام دين يسعى من خلال مبادئه وتعاليمه إلى تربية أتباعه على التسامح إزاء كل الأديان والثقافات. وقد جعل الله الناس جميعاً خلفاء في الأرض التي نعيش فوقها، وجعلهم شركاء في المسؤولية عنها، ومسؤولين من عمارتها مادياً ومعنوياً، كما يقول القرآن الكريم: "واسْتَعْمَرَكُمْ فيها" أي طلب كم عمارتها وصنع الحضارة فيها. ومن أجل ذلك ميز الله الإنسان بالعقل وسلّحه بالعلم حتى يكون قادراً على مهمته وتحمل مسؤولياته في هذه الحياة. ولا يكتفي الإسلام بتعليم أتباعه هذا التسامح الشامل بوصفه شرطاً من شروط السلام الضروري للمجتمع الإنساني، بل يطلب منهم أيضاً الالتزام بالسلوك العادل الذي لا يقبل بالآخر حبًُّا، بل يَـ خصوصياته الحضارية وخير وصف يُمكن أن تُطلقهُ على هذا التسامح أنّه تسامح إيجابيّ وليس تسامحًا حيادياً.