كَانَتْ تَعِيشُ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ، وزهرة . وَلَمْ يَكُنْ بِالقُربِ مِنْ بَيْتِ الْأَسْرَةِ جيران كثِيرُونَ، فكانَتِ الأسْرَةُ تَقْضِي . كَانَتْ وَرْدَةُ تُعِدُّ الشاي فَوْقَ المَوْقِدِ، بَيْنَمَا تَقُومُ الأَمُ بِإِعْدَادِ فَطِيرَةٍ مِنَ الدَّقِيقِ وَعَسَلِ النَّحْلِ ، المطبخ المَفْتُوحَةِ، شَبَحُ ضَنِيلٌ. صَاحَتْ وَرْدَةُ : « إِنَّهُ قَزَمٌ ضَعِيلٌ مُضْحِكُ الشَّكْلِ، لَهُ لِحْيَةً بَيْضَاءُ، طويلة » . وَسَادَ الصَّمْتُ لَحْظَةً ، ثمَّ قَطَعَتْهُ زَهْرةً قائلةً : « لَقَدِ الْتَقَتْ عَيْنَايَ بِعَيْنَيْهِ، فَلَمْ أَطْمَئِنَّ لِنَظَرَاتِهِ ! . وَتَطَلَّعَتِ الأم في دَهْشَةٍ إِلَى زَهْرَةَ، جَذَبَتْهُ إِلَيْنَا رَائِحَةُ الطَّعَامِ ». وهُنا أَسْرَعَتْ وَرْدَةً تَقُولُ : « هَيَّا نُنَادِيهِ، يَصِحُ أَنْ نَتْرُكَهُ جَائِعًا». التَفَتَتْ زَهْرَةُ إلى أُخْتِها، لَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَتَجَسَّسُ عَلَيْنَا ، وَإِلَّا لَمَا اخْتَفَى بِسُرْعَةٍ عِنْدَمَا الْتَفَتَنا إِلَيْهِ، شِرِّيرَةٍ. أَجابَتْ زَهْرَةُ : أَتَمَنَّى أَنْ يَبْتَعِدَ هَذَا القَزَمُ عَنْ بَيْتِنا». وَلَمْ تَقُلْ وَرْدَةُ ولا الأمَّ شَيْئًا، تَقْرأْ لَهُمَا حِكَايَةٌ مُمْتِعَةٌ مِنْ كِتَابٍ كَبِيرٍ، فِي حِينِ أَخَذَتْ زَهْرَةٌ فِي تَطْرِيزِ ثَوْبٍ جميل . وفجأةً، تَوَقَّفَتِ الأمْ عَنِ القِرَاءَةِ، وَرَفَعَتْ عَيْنَيْهَا عَنِ الكِتابِ، لِتَعْرِفا سَبَبَ تَوَقُفِهَا عَنِ القِراءَةِ. في أثناء وُجُودِكُما فِي الغَابَةِ تتنزهان . . فَقَالَتْ وَرْدَةُ فِي قَلَقٍ : « مَاذَا سَمِعْتِ يا أُمِّي ؟». فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الأَمِيرَ الَّذِي يَحْكُمُ هَذِهِ البِلادَ، أَخُوهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، فَلَمْ يَعْثُرْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ!». الَّتِي دَارَتْ كَثِيرًا حَوْلَ ذَلِكَ الأَمِيرِ. فَصَاحَتْ : لَقَدْ سَمِعْنَا كَثِيرًا عَنْ شَجَاعَةِ أَمِيرِنا ماذَا حَدَثَ لَهُ يا تُرى ؟ ». قَالَتِ الأم : لا أَحَدَ يَدْرِي . وَيَقُولُونَ إِنَّهُ ، الحُزْنَ يُخَيِّمُ عَلَى قَصْرِهِ الكَبِيرِ . ثُمَّ قَالَتِ الأم : « يَقُولُونَ إِنَّ وُحُوشَ الغَابَةِ قَتَلَتْهُ . صاحت وردة : مُسْتَحِيلٌ ، إِنَّنِي أَخْرُجُ مَعَ زَهْرَةَ لِلنُّزْهَةِ فِي العَابَةِ مُنْذُ ولم يَحْدُتْ أَنْ أَصابَنا مَكْرُوهُ». وقالت زهرة : يُمكنُ أَنْ أَتَوَقَعَ الشَّرَّ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ ، لَكِنَّنِي لَا أَتَوَقَّعُهُ أَبَدًا مِنْ حيوانات الغابة. لقد اعتادَتْ كُلُّ الحَيواناتِ أَنْ تَقْتَرِبَ مِنَّا، وأنتَأْكُلَ مِنْ أَيْدِينا . لا . لَيْسَ في الغابة أَيُّ خَطَرٍ». فِي مُسَاعَدَةِ كُلِّ مَنْ يَطْلُبُ المُساعدة ، وكانتْ كُلُّ مِنْهُما تَقُولُ لِلأَخْرَى : ستثبت الحَوادِثُ أَنَّنِي عَلَى حَقِّ». سوف كان الثلج يتساقط خارج البَيْتِ فِي رقائق ناعمة، وأفراد الأسْرَةِ يَجْلِسُونَ فِي سَعادَة داخل بَيْتِهِمُ الدَّافِي، عِنْدَما سَمِعُوا فَجْأَةً طَرَقاتٍ شَدِيدَةً على الباب . قَالَتِ الأم : « افْتَجِي البَابَ بِسُرْعَةٍ يا وَرْدَةُ، لَعَلَّهُ مُسافِرُ غَرِيبٌ ضَلَّ طَرِيقَهُ ، أَسْرَعَتْ وَرْدَةً، وَفَتحت الباب، وَتَطَلَعَتْ إِلَى الخَارِج ، لكنْ لَمْ يَكُنْ هناكَ مُسَافِرٌ غَرِيبٌ، وَتَرَاجَعَتْ وَرْدَةً ارتاعَ الجَمِيعُ لِرُؤيَةِ الدُّبُ، فَانْدَفَعَتْ وَرْدَةً فِي فَزَعِ نَحْوَ أُمَّهَا، وَاخْتَبَاتْ زَهْرَةُ خَلْفَ مَقْعَدٍ كَبِيرٍ، الحَمَامَةُ مُضْطَرِبَةً فِي أَرْجَاءِ الغُرْفَةِ. وَوقَفَ الدُّبُّ فِي مَدْخَل الباب، وقَالَ بِصَوْتِ هَادِي : لا تَخَافُوا وَدَعُونِي أَدْخُلُ. البرودة، أريدُ أَنْ احْتَمِي مِنَ البَرْدِ». قالت الأم : «ادْخُلْ أيُّها الدَّبُّ اللَّطِيفُ ، وَارْقُدْ بِجِوارِ نَارِ المَوْقِدِ . لَكِنْ خُذْ حَذَرَكَ حَتَّى لا تَحْتَرِقَ فَرْوَتُكَ الكَثِيفَةُ » . ثُمَّ قَالَتْ لابنتيها : « يَا وَرْدَةُ . زهرة . . لا دَاعِيَ الخَوْفِ . هَذا دُبُّ لَطِيفٌ، لَنْ يُؤْذِي أَحَدًا. يا دخل الدب ، وتَمَدَّدَ بِجِوارِ المِدْفَاةِ، وَتَرَكَ حَرَارَةَ النَّارِ تُجَفِّفُ شَعْرَهُ، وَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الرَّاحَةِ والاطمئنان ، وَطَارَتِ الحَمَامَةُ حَوْلَهُ فِي هُدُوءٍ ، عِنْدَئدٍ تَشَجَعَتْ وَرْدَةً فَتَقَدَّمَتْ بِحَذَرٍ نَحْوَالدب، وتَناوَلَتْ فُرْشَاةً، وَأَخَذَتْ فِي تَسْوِيَةِ فِرَاءِ الدُّبِّ ، عِنْدَئِدٍ تَقَدَّمَتْ زَهْرَةُ وَعَاوَنَتْ أَخْتَها، وَأَحَسَّتْ وَرْدَةُ أَنَّ الدُّبَّ أَصْبَحَ صَدِيقًا لَهَا، قَالَ الدُّب : «أَنَا لَا أَعْرِفُ أَي لُعْبَةٍ ! » إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَلْعَبُ ! فَابْتَسَمَتِ الأم وقالَتْ : «إِنَّهُ يَتَظَاهَرُ بِذَلِكَ فَقَطْ». ۱۲ وَصَاحَتْ زَهْرَةٌ ضَاحِكَةٌ : وتركَبُ فَوْقَهُ » . وَاعْتَلَتِ الْأَخْتَانِ ظهر الدب، وصاحَتْ وَرْدَةُ : «هيا يَا دُبُّ ». فَأَخَذَ يَسِيرُ بِهِمَا فِي أَرْجَاءِ الغُرْفَةِ، وَقَدِ ارْتَفَعَتْ ضَحِكَاتُهُما المَرِحَةُ الصَّافِيَةُ . وَأَخَذَتِ الفَتَاتَانِ تَلْعَبَانِ مَعَ الدُّبِّ وَتَمْرَحَانِ ، وَإِذَا زَمْجَرَ مُدَاعِبًا، تَنْطَلِقانِ في ضَحِكَ مُجَلْجِلٍ ، وتَتَدَخْرَجَانِ مَعَهُ فَوْقَ البساط . وَحَانَ مَوْعِدُ النَّومِ ، فَقَالَتِ الأم للدب : « أَيُّهَا الدَّبُّ الطَّيِّبُ، لِكَيْ لا تَتَعَرَّضَ لِلْبَرْدِ وَالمَطَرِ فِي الخَارِج ». وَفِي فَجْرِ اليَوْمِ التَّالِي ، اسْتَيْقَظَ الدَّبُّ نَشِيطًا سَعِيدًا، فَفَتَحَتْ لَهُ زَهْرَةُ الباب، في حين أَخَذَتْ وَرْدةً تُمَشْطُ لَهُ شَعْرَ فَرْوَتِهِ. قَالَتْ لَهُ الأم : «أَهْلًا وَسَهْلًا بِكَ فِي أَي وَقْتِ». وَوَدَعَ الدُّبُّ الوَدُودُ أَفْرَادَ الأَسْرَةِ، وَاخْتَفَى بَيْنَ أَشْجَارِ الغَابَةِ، وَفِي مَسَاءِ نَفْسٍ اليَوْمِ ، عَادَ إِلَى بَيْتِ أَصْدِقَائِهِ . وَاعْتَادَ الدُّبُّ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى البَيْتِ الصَّغِيرِ مَسَاءَ كُلِّ يَوْمٍ ، عِنْدَ حُلُول الظلام . وَلَمْ يَكُنْ بَابُ البَيْتِ يُغْلَقُ أَبَدًا في المساء قبل أَنْ يَصِلَ الدُّبُّ الأَسْوَدُوتتابعت زيارَاتُ الدُّبِّ اللَّيْلِيَّةُ، إِلَى أَنْ بَدَا فَضْلُ الرَّبِيعِ ، وَأَعَادَتْ أَوْرَاقُ الأَشْجَارِ الجَدِيدَةُ إِلَى الغَابَةِ لَوْنَها الأخضر، عِنْدَئِذٍ قَالَ الدُّبُّ بأسف : ه يا أعزائي . لَقَدْ حَانَ الآن وقْتُ رَحِيلِي ، يَجِبُ أَنْ أَتَغَيَّبَ فَتْرَةً، سالَتْ وَرْدَةُ فِي قَلَقٍ : «إِلَى أَيْنَ تَتْرُكْنَا أَيُّهَا الدُّبُّ العَزِيزُ ؟». لَقَدْ سَبَقَ لِهَذَا الرَّجُلِ أَنِ اسْتَولَى عَلَى جُزْءٍ كَبِيرٍ من ثروتِي، أَمَّا فِي الرَّبِيعِ والصَّيْفِ، وَعِنْدَما فَتَحَتْ وَرْدَةُ البَابَ لِكَيْ يَخْرُجَ صَدِيقُهُنَّ الدَّبُّ اشْتَبَكَتْ خُصْلَةٌ مِنْ شَعْرِهِ فِي البَابِ، فَظَهَرَ جِلْدُ الدَّبِّ فِي مَوْضِعِ الشَّعْرِ الْمَنزُوعِ لامعًا بَرَاقًا مِثْلَ الذَّهَبِ . ووقَفَتِ الفَتاتَانِ عِنْدَ بَابِ البَيْتِ تُلَوِّحَانِ مَوَدَّعَتَانِ لِصَدِيقِهِمَا، وَوَرْدَةُ تَقُولُ لِزَهْرَةَ فِي أَسف : « كَيْفَ سَنَقْضِي مَسَاءَ كُلِّ يَوْمٍ ، بِغَيْرِ أَنْ يَكُونَ صَدِيقُنا الدب بيننا ؟! . وَابْتَعَدَ الدُّبُّ، وَسَرْعَانَ مَا اخْتَفَى بَيْنَ الأَشْجَارِ. بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ ، أَرْسَلَتِ الأم ابنتيها إِلَى الغَابَةِ، وبجوارِهِ شَيْءٌ يَظْهَرُ ويَخْتَفِي مِنْ بَيْنِ الحشائش . وتأملَتْ زَهْرَةُ المَنْظَرَ، ثُمَّ قَالَتْ : لَعَلَّهُ حَيَوانٌ مَرْبُوطٌ إِلَى جِذْعِ الشَّجَرَةِ، اقْتَرَبَتِ البنتانِ ، فَصَاحَتْ زَهْرَةُ : «إِنَّهُ القَزَمُ العَجُوزُ الَّذِي شَاهَدْنَاهُ مِنْ نَافِذَةِ بَيْتِنَا . كَانَ قَصِيرًا، وَلِحْيَةً بَيْضَاءُ، صَاحَتْ وَرْدَةً : لَقَدِ انْحَشَرَ طَرَفُ لِحْيَتِهِ الطَّوِيلَةِ دَاخِلَ شَكٍّ فِي جِذْعِ الشجرة». وكَانَ القَزَمُ يَنْطُ فَوْقَ الجِذْعِ مَرَّةً، وبِجوَارِ الجِذْعِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَتْ وَرْدَةُ : المِسْكِينُ لَا يَسْتَطِيعُ إِنْقَاذَ نَفْسِهِ». صاحَ القَزَمُ فِى ضِيقٍ : لِمَاذَا تَقِفَانِ هَكَذَا كَالتِّمَاثِيلِ تُحَمْلِقانِ فِي ؟! اقْتَرِبا لِمُسَاعَدَتِي » . سألتْ زَهْرَةُ : « مَاذَا حَدَثَ لَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ القَصِيرُ ؟ ) صاح القَزَمُ فِي غَضَبٍ : كُنْتُ أَشُقُّ هَذَا الشَّقِّ، وَأَمْسَكَ الجِذْعُ بها في قُوَّةٍ. تَوَقَّفِي عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ الَّتِي لا تُفِيدُ، وَسَاعِدِيني ». وَتَضَايَقَتْ زَهْرَةُ مِنْ شَرَاسَةِ الرَّجُلِ وفَظَاظَتِهِ، لَكِنْ وَرْدَةَ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ ، وفَحَصَتْ جِذْعَ الشَّجَرَةِ عَنْ قُرْبٍ. وَأَثَارَ دَهْشَتَهَا ضَحَامَةُ الجِذْعِ ، فَلَمْ تَكُنْ تَتَصَوَّرُ أَنَّ لَدَى القَزَمِ الضَّئِيلَ تِلْكَ القُوَّةَ الهَائِلَةَ الَّتِي مَكَّنَتَهُ مِنْ شَقِّ الجذع . وَبِرَغْمِ ضِيقٍ زَهْرَةَ مِنَ الرَّجُلِ ، فَقَدْ أَمْسَكَتْ مَعَ وَرْدَةَ وَتَأَوَّهُ الرَّجُلُ القَصِيرُ ، وأَخَذَ يَصِيحُ : آه يا لِحْيَتِى . إنَّها لَنْ تَخْرُجَ. عِنْدَئِذٍ قَالَتْ وَرْدَةُ : « سَأَعُودُ جَرْيًا إِلَى المَنْزِلِ ، وَاسْتَدْعِي مَنْ يُساعِدُكَ. لَكِنَّ القَزَمَ صَاحَ سَاخِطًا : «أَيَّتُهَا الغَبِيَّةُ . الا يَخْطُرُ عَلَى بَالِكِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِي وَالعَوْدَة إِلَى الْمَنْزِلِ ؟! » قَالَتْ زَهْرَةُ : «إِنَّ مَعِى أدواتُ التَّطْرِيزِ » . صَاحَ القَزَمُ : « مَاذَا سَتَصْنَعِينَ فِي لِحْيَتِي بأدوات التطريز ؟ قَالَتْ زَهْرَةٌ : كُنْ صَبُورًا». وَمِنْ بَيْنِ أدواتها ، وَأَسْرَعَتْ وقَصَّتْ بِهِ لِحْيَةً القَوْمِ ، فَخَلَّصَتْهَا مِنَ الشَّقِّ الَّذِي دَخَلَتْ فِيهِ. وَصَاحَتْ وَرْدَةً فِي حَمَاسِ : هَا قَدْ أَصْبَحْتَ حُبًّا». يا لحظى السَّيِّ الَّذِي أَوْقَعَنِي بَيْنَ أَيْدِيكُمَا . كَيْفَ أَقْدَمْتُمَا عَلَى قَصْ جُزْءٍ مِنْ لِحْيَتِي التي أعْتَزُّ بِها أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيا ؟!. لَقَدْ كَانَ طُولُهَا مِثْلَ طُولِي ، وَقَدْ ضَاعَ الآن رُبْعُها ! » . انتابَتِ الفَتَاتَانِ دَهْشَةٌ بالِغَةٌ، إِلَى شُعُور بالأسف، فَإِذَا بِهِ يَبْحَثُ بَيْنَ جُذُوعِ الأَشْجَارِ، إِلَى أَنْ عَثَرَ عَلَى كِيسَ كَبِيرٍ مِنَ الجِلْدِ، ومِنْ فُتِحَةِ الكيس ، ظَهَرَتْ مِئات مِنْ قطع الذَّهَبِالصفراء اللامِعَةِ، وَأَسْرَعَ الرَّجُلُ يُخْفِي الذَّهَبَ، ثُمَّ تَاهَبَ الرَّجُلُ لِيَحْمِلَ الْكِيسَ فَوْقَ ظَهْرِهِ، وَكَانَ وَاصْحًا أَنَّهُ اعْتَادَ القِيامَ بمِثْلِ هَذَا العَمَل فِي سُهُولَةٍ ويُسْرٍ، لَكنَّهُ عِنْدَمَا حَاوَلَ هَذِهِ الْمَرَّةَ حَمْلَ الكيس كما اعتاد، أفلَتَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَنَظَرَ القَزَمُ إلى الكيس في دَهْشَةٍ وغَضَبٍ، ثُمَّ عَادَ فَانْحَنَى عَلَى الْأَرْضِ وَأَمْسَكَ بالكيس ، وَبَذَلَ جُهْدًا كَبِيرًا حَتَّى وَضَعَهُ فَوْقَ ظَهْرِهِ، فَانْحَنَى تَحْتَ ثِقَلِهِ انحناء شَدِيدًا . وَابْتَعَدَ في بَطْءٍ بِسَبَبٍ ثِقَلَ حَمْلِهِ، وَنَحْنُ لا تنتَظِرُ شُكْرًا عَلَى مُسَاعَدَةِ الْآخَرِينَ». ويَبْدُو أَنَّ القَزَمَ سَمِعَهُما ، وَعَادَ يَصِيحُ : « اذْهَبَا فَوْرًا مِنْ هُنَا مُنْذُهُ قَلِيلٍ أَثَرْتُمَا غَضَبِى بِقَطْعِ لِحْيَنِي الَّتِي أَحْرِصُ عَلَى أَنْ تظلُّ طَوِيلَةٌ جَمِيلةً ، وَالآنَ تُثِيرانِ غَيْظِي بِانْتِقادِ سُلُوكِي ! . يا لحيتي البيضاء الطويلة». وَعِنْدَما رَجَعَتْ وَرْدَةً وَزَهْرَةُ إِلَى البَيْتِ، أَخْبَرَنَا أُمَّهُمَا بِمَا حَدَثَ، فَتَطلَعَتْ إِلَيْهِمَا الأم مُبْتَسِمَةٍ، لا تَتَردَّدَانِ في صُنْعِ الخَيْرِ وَمُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ، شَاهَدَتَا شَيْئًا كَأَنَّهُ جَرَادَةٌ ضَخْمَةٌ تَتَواثَبُ عَلَى الشَّاطِئِ، فَإِذَا بِهِمَا تَجِدَانِ القَزَمِ الَّذِي سَبَقَ أَنْ أَنْقَذَنَا لِحْيَتَهُ مِنْ شَقِّ الشَّجَرَةِ، يَقِفُ عَلَى ضَفَّةِ النَّهْرِ، يَصْطادُ السَّمَكَ بِقَصَبَةِ صَيْدِ السَّمَكِ. سأَلْتُهُ وَرْدَة، إلَى المَاءِ وَأَنْتَ تَرْتَدِى مَلَابِسَكَ ؟! . ثُمَّ أشار إلى المَاءِ بِحَرَكاتٍ غَرِيبَةٍ وَقَالَ : «الا تُشَاهِدَانِ هَذِهِ السَّمَكَةَ الضَّخْمَةَ الَّتِي أَمْسَكَ بِهَا خَيْطُ الصَّيْدِ ؟ إِنَّهَا تُحَاوِلُ سَحْيِي إِلى النَّهْرِ ! ». وأَخَذَ الرَّجُلُ يَجْذِبُ الخيط إلى الشاطئ. وعلَى غَفْلَةٍ مِنْهُ، الْتَفَّ الخَيْطُ حَوْلَ شَعْرِ لِحْيَتِهِ الطَّوِيل . وفجأة، القَوْمُ يَصْرُخُ وَيُوَلُّولُ : «آه . سَأَغْرَقُ». وشَاهَدَتِ الأختانِ السَّمَكَةَ الكَبِيرَة تَتَواثَبُ فِي المَاءِ عِنْدَ طَرَفِ الخَيْطِ، ولا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَلِّصَ لِحْيَتَهُ مِنَ الخَيْطِ الَّذِي الْتَفَّ حَوْلَها ، وَكُلَّمَا ابْتَعَدَتِ السَّمكَةُ عَنِ الشَّاطِئِ، سَحَبَتِ القَزَمَ فَيَزْدادُ اقْتِرَابًا مِنَ المَاءِ. أَسْرِعَتْ وَرْدَةُ فَأَمَسْكَتْ بِذِراع الرَّجُلِ ، فِي حِينِ اسْتَخْدَمَتْ زَهْرَةُ أَصَابِعَها بِمَهَارَةٍ تُحاوِلُ فَكَ خَيْطِ الصَّيْدِ مِنْ لِحْيَتِهِ، بِرَغْمَ ضِيقِها الشَّدِيدِ مِنْ سُلُوكِ القَزَمِ غَيْرِ المُهَذَّبِ. لكِنَّ اللَّحْيَةَ والخَيْطَ كَانَا مُتَشَابِكَيْنِ تَمامًا. مِنَ الخَيْطِ، الماء». وَصَاحَتْ وَرْدَةُ، وَلَمْ تُجِبْ زَهْرَهُ، وَقَصَّتْ جُزْءَ اللَّحْيَةِ الَّذِي اشْتَبَكَ مَعَ خَيْطِ الصَّيْدِ، وَعِندما تَخَلَّصَ القَزَمُ مِنْ خَيْطِ الصَّيْدِ، فِي حِينِ غَاصَتِ السَّمَكَةُ مَعَ الخَيْطِ في أَعْمَاقِ النَّهْرِ. وَقَامَ القَزَمُ من سَقْطَتِهِ ، فَصَاحَتْ وَرْدَةُ فِي سَعَادَةٍ وَهِي تُصَفِّقُ فِي مَرَح : ولَقَدْ أَنْقَذْنَاهُ. أسْرِعَ القَزَمُ يَتَحَسَّسُ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ صَوَّبَ بَصَرَهُ إِلَى الْمِقْصُ الَّذِي كَانَ لا يَزَالُ فِي يَدِ زَهْرَةَ. وَمَعَ أَنَّهُ عَرَفَ جَيْدًا أَنَّ مَا فَعَلَتْهُ بِلِحْيَتِهِ كَانَ لِإِنْقَاذِ حَيَاتِهِ، فَقَدِ انْتَابَهُ غَضَبٌ شَدِيدٌ، وَصَاحَ فِي زَهْرَةَ : هَلْ يَدْخُلُ ضِمْنَ الأخلاق الحميدَةِ، أَنْ تُشَوِّهِي وَجْهَ إِنْسَانٍ عَلَى هَذَا النَّحْوِ؟ لَقَدْ قَصَصْتِ لحْيَتي العزيزة الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ. وَعِنْدَ هَذِهِ العِبَارَةِ، سَكَتَ القَزَمُ فَجْأَةً عَنِ الكلام ، وَعادَ يَصِيحُ فِي حُزْنٍ وغَضَبٍ : كيف أَسْتَطِيعُ أَنْ أَظْهَرَ أمام أهلى وَاصْدِقَائِي بِهَذَا الشَّكْلِ الْمُضْحِكِ ؟! ». وتبادلت الأختانِ نَظَراتِ الدَّهْشَةَ لِهَذَا التَّصَرُّفِ الغَرِيبِ مِنَ القَرَمِ الشرس ، فِي حين أَسْرِعَ القَزَمُ يُزِيحُ النباتات الَّتِي عَلَى الشَّاطِئ، ويُخْرِجُ مِنْ بَيْنِها كيسًا كَبِيرًا. وَتَدَفَقَتْ مِنْهُ حَبَّاتٌ مِنَ اللُّؤْلُةِ الثَّمِينِ الغَالِي . وَيُعِيدُهُ إِلى الكيس، ثُمَّ أَخَذَ يُحاوِلُ رَفْعَ الكِيس لِيَضَعَهُ فَوْقَ ظَهْرِهِ وَلَا حَظَتْ وَرْدَةُ أَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ رَفَعَهُ بِالسُّهُولَةِ الَّتِي سَبَقَ أَنْ حَمَلَ بِهَا كِيسَ الذَّهَبِ، كَأَنَّمَا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ هَذِهِ المَرَّةَ، لِذلِكَ فَإِنَّهُ أَخَذَ يَجْذِبُهُ عَلَى الْأَرْضِ خَلْفَهُ، إِلَى أَن اختَفَى وَرَاءَ صَخْرَةٍ عَالِيَةٍ . وَعِنْدَ عَودَةِ الأَخْتَيْنِ إِلَى المَنْزِلِ ، وَأَحَسَّتْ أَنَّهُمَا تَتَأَلْمَانِ بِسَبَبٍ جُحُودِ ذَلِكَ الرَّجُلِ القَصِيرِ، فَطَوَّقَتْهُما بِذِرَاعَيْهَا، في حُبُّ وَحَنانٍ وَهِيَ تَقُولُ : ( لَقَدْ أَنقَذْتُمَا حَيَاتَهُ . وَأَنَا وَائِقَةً أَنَّكُمَا لَنْ تَتَرَدَّدَا في إِنْقاذِ حَيَاتِهِ مَرَّةً وَمَرَّاتٍ أُخْرَى، مَهمَا فَعَلَ أَوْ قَالَ . وَقَدْ وَافَقَتْهَا وَرْدَةُ عَلَى مَا قَالَتْ ، في اليوم التالي، وَخِلالَ الطَّرِيقِ ، لَاحَظَتِ الأَخْتَانِ أَنَّ هُناكَ نَسْرًا كَبِيرًا يُحَلِّقُ فِي الهَوَاءِ، وَيَدُورُ بِبُطْءٍ فَوقَهما . كَانَ الطَّائِرُ الهَائِلُ يَهْبِطُ إِلَى أَسْفَلَ، ثُمَّ يَعُودُ إلى الارتفاع . وَتَأَمَّلَتْ وَرْدَةُ الطَّائِرَ في دَهْشَةٍ ، ثُمَّ قَالَتْ : « إِنِّي أَعْجَبُ . لِمَاذَا يَطِيرُ هَذَا النَّسْرُ الضَّخْمُ ، اندفعت الأخْتَانِ نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ ، فَشَاهَدَنَا، وَهُمَا فِي غَايَةِ الفَزَعِ ، ذلِكَ الطَّائِرَ الهَائِلَ، وقَدِ انْقَضَّ عَلَى القَوْمِ نَفْسِهِ. كَانَ القَزَمُ يُحَاوِلُ أَنْ يَحْتَمِي بِصَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ، لِيُخْرِجَهُ مِنْ تَحْتِ الصَّخْرَةِ الَّتِي احْتَمَى بِهَا ، والقَزَمُ يَصْرُحُ ويَسْتَغِيثُ. وَأَخِيرًا نَجَحَ الطَّائِرُ في جَذْبِ الرَّجُلِ بَعِيدًا عَنِ الصَّخْرَةِ، وَكَادَ يُوشِكُ أن يَحْمِلَهُ وَيَطِيرُ بِهِ عَالِيًا، إِلَّا أَنَّ الأَخْتَيْنِ رَقِيقَتَي القَلْبِ أَسْرَعَنَا، وَتَعَلَّقَنَا بالرجل القصير، بالقرمِ، وفجأةً تَذَكَّرَتْ زَهْرَةُ المِقَصَّ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ جَيْبِهَا، فَسَقَطَ القَزَمُ مَعَ البِنْتَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ ، أَكْثَرَ مِنْ رُبع طولها ، ومَا إِنْ أَفَاقَ القَزَمُ مِنَ الرُّعْبِ الَّذِي كَانَ قَدْ تَمَلَّكَهُ، غَيْرَ مُهْتَمَّ بِمَلابِسِهِ الْمُمَزَّقَةِ الَّتِي فَقَدَتْ كُلَّ نظامها، وَامْتَلَا غَضَبًا، أَنْتُمَا تَقْصِدَانِ قَصَّ كُلِّ لِحْيَتِى ! كَانَ طُولُهَا مِثْلَ طُولِي وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا الآن إِلَّا رُبْعُها أَنْتُمَا مُؤْذِيَتَانِ شَرِّيرَتانِ » . الَّتِي تَحَوَّلَتْ إِلَى خِرَقٍ بَالِيَةٍ لا نَفْعَ فِيهَا ، لَكِنَّهُ لا يَغْضَبُ إِلَّا بِسَبَبٍ لِحْيَتِهِ ! ) قَالَتْ وَرْدَةُ : «لابدَّ أَنَّ هُنَاكَ سِرًّا لَا نَعْرِفُهُ، وترك القَزَمُ الفَتاتَيْنِ، كَانَ يُخْرِجُ مَا بِهَا مَنْ ماس وأحجارٍ ثَمِينَةٍ، عِنْدَمَا فَاجَأَهُ النَّسْرُ. انْدَفَعَ بِسُرْعَةٍ يَجْمَعُ كَنْزَهُ، تَعذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وأدارَ ظَهْرَهُ لِلأَخْتَيْنِ. فلم تتوقع أيتهما أَنْ تَسْمَعَ مِنْهُ كَلِمَةً طَيِّبَةً، لَكِنَّ وَرْدَةَ هَمَسَتْ لِاخْتِها : كلما قابلنا هَذَا الرَّجُلَ ، أَجِدُ قُوَّتَهُ تَضْعُفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَنْ سَابِقَتِها » . ويرَغْمِ صَوْتِهَا الخَافِتِ، فَقَدْ سَمِعَها القَزَمُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمَا، وَقَدْ تَحَوَّلَ لوْنُ وَجْهِهِ إِلَى الأَحْمَرِ القُرْمزِى بِسَبَبِ شِدَّةِ الغَضَبِ. مُتَّهِمَا الفَتَاتَيْنِ بِكُلِّ سُوءٍ كثرة حَشَراتِ النَّحْلِ الَّتِي كَانَتْ تَرُوحُ وَتَجيءُ فِي طريقهما، فَقَالَتْ وَردة : «لا شَكٍّ أنَّ زُهُورَ شَجَرَة فَاكِهَةٍ قَدْ تفتحت بالقرب مِنْ هُنَا عِنْدَئِذٍ أَشَارَتْ زَهْرَةُ إِلَى مِئَاتٍ مِنَ النَّحْلِ قَدْ تَكَدَّسَ بَعْضُهُ فَوقَ بعض ، وفي أثناء عودتهما بعد شراء الإبر والخيط، فوجئنا بالنحل قد أحاط بالقزم ، والقزم يصيحُ كالمَجْنُونِ : « سَيَقْتُلَنِي هَذَا النَّحِلُ . الكسول، نحل لا عَسَل عنده، ويُريد قتلى !! » وفهمتِ الأَخْتَانِ أَنَّ القَزم حَاوَل أَخْذَ بَعْضَ العَسَلَ مِنْ خَلِيَّةِ النَّحلِ الجَدِيدَةِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَنَّ النَّحْل لمْ يَبْدَأَ مِنْ بَعْدُ فِي صُنْعِ أَقْرَاصِ الشَّمْعِ الخَاصَّةِ بمسكنه الجديد، فانقض عليه النحل يَلْدَعَهُ، مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ. وقبل أن تُفكّر الأختان في وسيلة لإنقاذ الرَّجُل، يكفيني ما فعلتماه حتى الآن بِلِحْيَتِي، أيتها الشريرتان ! ) حَدَثَ شَيْءٌ مُفَاجِي، لقَدْ سَمِعَ الجَمِيعُ صَوْتَ زَثِيرٍ مُخِيفٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ الأَشْجَارِ المُجَاوِرَةِ دُبُّ أَسْوَدُ كَبِيرٌ، تَقَدَّمَ نَحْوَهُم بِسُرْعَة. وَقَفَزَ صَارِفًا فِي رُعْبٍ شَدِيدٍ وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِهِ الَّذِي كَانَ أَحْمَرَ مِنَ الغَضَبِ إِلَى اللَّوْنِ الأَبْيَضُ الشَّاحِبِ بِسَبَبِ الخُوْفِ وقَبْلَ أَنْ يَجِدَ القَزَمُ وقتًا لِلْهُرُوبِ، ورَفَعَ كَفَّهُ الضَّخْمَ، ذَا المَخالِبِ الْقَاتِلَةِ، فَوْقَ رَأْسِهِ. وفي صَوْتٍ مُضْطَرِبٍ، رَكَعَ القَزَمُ أَمَامَ الدَّبِّ، اصْفَحْ عَنِّى . سَاعِيدُ إِلَيْكَ كُلَّ أَمْوَالِكَ،