ثالثاً - أسباب الحكم: يشرح القاضي في تسبيب الحكم الحقيقة التي اقتنع بها ودليلها، وهو ضمانة أساسية لاحترام أحكام القضاء. يجب أن تكون الأحكام مبنية على أسبابها لتُحترم، وهو من أصعب مهام القضاة؛ لأنه الوسيلة لإقناع الآخرين. يتحقق من خلال أسباب الحكم ما يلي: اطلاع القاضي على وقائع الخصومة ومستنداتها وطلبات ودفوع الخصوم؛ استخلاص الوقائع الصحيحة المثبتة قانونياً؛ مراعاة أدلة الإثبات حسب قوتها القانونية؛ عدم إغفال دفاع جوهري قد يغير وجه الحكم؛ والتكييف القانوني الصحيح للوقائع الثابتة. يهتم قانون أصول المحاكمات بشروط إصدار الأحكام وتسبيبها، وجزاء خلوها من الأسباب أو تناقضها أو قصورها. في الأحكام الفرعية المتعلقة بسير الدعوى أو إثباتها أو اختصاص المحكمة، يكفي ذكر الوقائع والأسباب المتعلقة بالنزاع الفرعي. إذا عدلت المحكمة عن إجراءات الإثبات، يجب إثبات سبب العدول. حكم المحكمة بجوز الاثبات بطريقة معينة قضاء قطعي يلزم تسبيبه ويخضع لرقابة محكمة النقض. في الدفع بعدم قبول الدعوى لسبق الفصل، توضح المحكمة الموضوع والسبب والاطراف في الدعويين. يجب على المحكمة إثبات طلب إقامة بينة معاكسة ورد عليه. لا يؤثر خطأ أو تحريف في واقعة لا يؤثر في نتيجة الحكم، أما إذا امتد الخطأ إلى قضية الحكم، فهو باطل. يكفي ذكر مضمون أقوال الشهود والمستندات. لا تعتمد المحكمة توزيع مسؤولية تقديرها من محكمة أخرى دون خبرة فنية، خاصةً إذا كانت محكمة جزائية لم يطالب المدعي فيها بحقوق شخصية. يجوز للمحكمة المحال إليها اعتماد نتائج الإثبات من المحكمة المحال منها إذا كانت صحيحة. لا تثريب على المحكمة لإغفال دفاع غير جوهري أو مستند غير هام لا يؤثر في النتيجة، ولا يلزم الرد على جميع أسباب الطعن مفصلًا، يكفي ما يفيد الاطلاع عليها والرد عليها قانونيًا. تجوز الإحالة في تقدير الوقائع أو التسبيب على وجه العموم على أسباب الحكم المطعون فيه بشرط تعريف محكمة الطعن بالقرار المحال عليه وتأييد الحكم المطعون فيه. قضاة الاستئناف غير ملزمين بإيراد أسباب خاصة لتأييد الحكم، بشرط ذكر أخذهم الأسباب وتبنيهم رأي قاضي الدرجة الأولى. يجوز لمحكمتي النقض والاستئناف الاستناد إلى أسباب محكمة الدرجة الأولى مع ذكر ذلك صراحةً. يتوجب على محكمة الاستئناف الرد على الدفوع المثارة أمامها بالإضافة لما أُثير أمام الدرجة الأولى، وليس لها العطف على تسبيب محكمة الدرجة الأولى دون تبنيه صراحةً. إذا ألغت محكمة الاستئناف حكم الدرجة الأولى كلياً أو جزئياً، يجب عليها الرد على أسباب الحكم الملغى أو بيان ما يؤيده من أسباب بالإضافة لأسباب الإلغاء أو التعديل. لا يجوز للمحكمة الاستناد إلى أدلة من قضية أخرى. إذا صدر الحكم بأكثرية أعضاء الهيئة، يجب على الأكثرية مناقشة نقاط العضو المخالف والرد عليها، وإلا شكل ذلك إخلالاً في إصدار الأحكام وتسبيبها، ويكون القرار عرضة للنقض. لا يكفي القول بالرد على مخالفة المستشار في حيثيات القرار. القاضي ليس ملزماً بذكر مواد القانون، يكفي أن يكون الحكم مؤسساً على أسباب تستقيم معه. لكن، اقتصار الحكم على رد أدلة المطعون ضده دون التعرض لبينة الطاعن، يجعل الحكم مستوجبًا للنقض. يجب أن يكون منطوق الحكم مبنيًا على أسبابه برباط منطقي. رابعاً – جزاء قصور التسبيب: يعد الحكم غير مسبب وباطل إذا كان خالياً من الأسباب أو إذا افتقر إلى أسباب واقعية ناقصة، أو غير جدية، أو مبهمة، أو غامضة، أو مجملة، أو مضطربة، أو متناقضة، أو إذا أغفلت المحكمة الرد على دفاع جوهري أو مستند هام، أو لم تدون طريق ثبوت الوقائع. يُعد الحكم مسببًا وغير مشوب بعيب شكلي يبطله إذا اشتمل على الأسباب التي بني عليها، ولو كانت هذه الأسباب لا ترتكز على أساس قانوني سليم. الحكم قابل للطعن إذا بني على مخالفة للقانون. لا يُعد غير مسبب أو باطلاً إذا كانت الأسباب الواقعية الصحيحة سليمة والنتيجة تتمشى مع نصوص القانون، حتى لو لم يذكر القاعدة القانونية المطبقة. خامساً – منطوق الحكم: هو النتيجة أو القضاء الذي توصلت إليه المحكمة، والقسم الرئيسي منه الذي يقبل التنفيذ. الحجية تكون للقضاء الوارد في منطوقه. الطعن يكون في المنطوق، إلا إذا كانت الأسباب مكملة له (الأسباب الجوهرية). إذا تناقضت أجزاء المنطوق، لا يعد الحكم خالياً من الأسباب، لكن هذا سبب للطعن إذا جعل الحكم مستحيلاً. أهمية التفريق بين الحكم الباطل والحكم المشوب بخطأ في تطبيق القانون؛ فالمادة 250 أصول محاكمات مدنية تجيز للنيابة العامة الطعن بالنقض بالأحكام المبرمة مخالفة للقانون أو خطأ في تطبيقه أو تأويله، وليس لمجرد صدورها باطلة أو مبنية على إجراءات باطلة. الحكم الذي يخالف قواعد الاختصاص مشوب بخطأ في تطبيق القانون، لكنه لا يعد باطلاً. يكون الحكم باطلاً قابلاً للإلغاء إذا بني على إجراء باطل، بشرط: أن يكون في الدعوى إجراء باطل بني عليه الحكم؛ أن يكون الخصم صاحب المصلحة في التمسك بالبطلان قد لم يسقط حقه فيه؛ ألا تكون المحكمة قد قضت بصحّة الإجراء بحكم فرعي صحيح؛ أن يبني الحكم على الإجراء الباطل ذاته؛ أن يكون الطاعن هو الخصم الذي مسه الإجراء الباطل (إلا إذا كان البطلان متعلقًا بالنظام العام)؛ أن يتمسك الطاعن بالبطلان قبل تعرضه للموضوع (إلا إذا كان البطلان من النظام العام). سادساً – الحكم الباطل والحكم المعدوم: الحكم المعدوم يفقد صفة الحكم بسبب عيب جوهري يصيب كيانه، أما الباطل فالعيب لم يمتد إلى انعقاده، فأثر في صحته فقط. الانعدام أشد من البطلان. الحكم الباطل موجود ومرتّب آثاره القانونية حتى يحكم ببطلانه. الحكم المعدوم: صدوره من غير قاضٍ أو من زالت عنه ولاية القضاء، أو من قاضي جاء تعيينه باطلاً، أو صدر قرار بالحجر عليه. الحكم الصادر من قاضيين في محكمة من ثلاثة قضاة باطل، والصادر من أربعة قضاة باطل وليس معدوماً. الحكم الصادر في قضية لم تُمثل فيها النيابة العامة باطل، والصادر عن قاضي غير صالح للنظر بالدعوى باطل وليس معدوماً (في بعض اجتهادات محكمة النقض). الحكم الصادر من جهة غير مختصة معدوماً. الحكم الصادر عن محكمة غير مختصة نوعيًا أو محليًا يتمتع بحجيته، ويجوز الطعن فيه. الحكم الصادر على شخص توفي أو فقد أهليته قبل رفع الدعوى معدوماً. الحكم الصادر على ورثة مدعي توفي قبل انعقاد الخصومة معدوماً إذا لم يتدخلوا. الحكم الصادر على مدعى عليه بعد وفاة المدعي باطل. الحكم الصادر على من توفي بعد رفع الدعوى باطل. الحكم الصادر على من لم يبلغ بصحيفة الدعوة أو تم إعلانه بإجراء معدوم معدوماً. الحكم الصادر في قضية تخلف فيها الخصوم عن الحضور، إذا كان واجباً على المحكمة شطب الدعوى، فهو مبني على إجراء باطل وليس معدوماً. صدور الحكم في دعوى رفعت على غير ذي صفة لا يفقده أركانه الأساسية. سابعاً – أهمية التمييز بين الحكم الباطل والحكم المعدوم: ١- إبرام الحكم يغطي كل عيب أو خطأ في تطبيق القانون أو تأويله ما دام العيب لا يرقى لدرجة الانعدام، والحكم الباطل يبقى قائماً ومرتّب آثاره القانونية حتى يحكم ببطلانه. أما الحكم المعدوم فلا وجود له ولا يرتب أي اثر قانوني. ٢- بطلان الحكم يزول بالرد عليه، أما الحكم المعدوم فلا تزول حالته بالرد عليه. ٣- إذا كان التبليغ باطلاً والحكم باطلاً على هذا الأساس، وقبلت محكمة الاستئناف شكلاً، فإن عليها الفصل في موضوع الدعوى. ثامناً – المحكمة المختصة بطلب انعدام الحكم: لا تنفذ المحكمة ولايتها بصدور حكم معدوم عنها، بل بصدور حكم صحيح أو باطل على الأقل. الدعوى بطلب انعدام حكم ترفع أمام ذات المحكمة التي أصدرته. إذا كانت محكمة الاستئناف هي التي أصدرت الحكم المعدوم، ومحكمة النقض لم تحكم بالدعوى كمحكمة موضوع، فإن محكمة الاستئناف هي صاحبة الاختصاص. سلامة التنظيم القضائي تتطلب أن تفصل في الدعوى بانعدام الحكم المحكمة التي أصدرته. إذا صدر الحكم من الدرجة الأولى، وطعن فيه بالاستئناف وبحثت محكمة الاستئناف وأصدرت قرارها بالقبول شكلاً ورفضه موضوعاً، فهي المختصة في النظر بطلب الانعدام. إذا رفض الطعن شكلاً، فإن المحكمة المختصة هي التي أصدرت الحكم بالموضوع. يعاد النظر في الموضوع إن شاء ذلك صاحب المصلحة، وتستكمل الإجراءات من آخر إجراء صحيح، أو تعاد الخصومة من جديد. لا أثر للإجراءات المتخذة قبل انعقاد الخصومة. قواعد الطعن في الأحكام لا تسري في أحوال الانعدام. يجوز رفع دعوى مبتدأة بطلب انعدام الحكم، أو التمسك به كدفع. أما طلب بطلان الحكم، فلا بد من ولوج طريق الطعن. للخصوم الخيار في حالات الانعدام: الطعن بالحكم المعدوم، أو التقدم إلى المحكمة التي أصدرته لتقرير انعدامه. إذا صدر حكم معدوم عن محكمة الدرجة الأولى قابل للاستئناف، فإن محكمة الاستئناف تحكم بانعدام القرار المستأنف، وتقضي بموضوع الدعوى. دعوى الانعدام طريق من طرق الطعن غير العادية، والحكم الصادر فيها يكون مبرماً. ميعاد إيداع نسخة الحكم الأصلية: تحفظ مسودة الحكم في ملف القضية، ولا تعطى صور منها للخصوم. يجب تسجيل الحكم في غضون أربع وعشرين ساعة من يوم النطق به في القضايا المستعجلة، وثلاثة أيام في القضايا الصلحية، وسبعة أيام في القضايا الأخرى. لا يضاف ميعاد المسافة، ولا يترتب بطلان على عدم مراعاة هذه المواعيد. الصور الرسمية للأحكام: تختم صورة الحكم بخاتم المحكمة ويوقع عليها الرئيس والكاتب. يكفي توقيع رئيس المحكمة وكاتب الجلسة، وخلوها من خاتم المحكمة لا يؤدي إلى بطلانها. يجوز أن يوقعها رئيس المحكمة غير الذي نطق بالحكم. نسخة الحكم الأصلية حجة بما اشتملت عليه من بيانات، ولا يمكن إنكارها إلا بادعاء بالتزوير. إذا فقدت نسخة الحكم الأصلية، جاز تحرير غيرها، كما يجوز الاعتماد على صورتها.