الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (100%)

شكّل الأمر الإلهي بالقراءة فاتحة عهد جديد، يُصبح فيه الكتاب منطلق تغيير، ويكتسب فعل القراءة بموجبه سمة التعدد، لتصبح قراءات تثري المنظومة الاجتماعية والسياسية والحضارية بصفة عامة. وحين ألغى الإسلام وساطة الكهنة والمصالح بين الرب وعباده، فإنه أزاح ستارا كثيفا من الغموض والسرية التي أرهقت الإنسانية، وأطلق عنان المسلم ليجوب بعقله التواق أرجاء الكتاب المسطور والكون المنظور. لفعل القراءة إذن سمة الثورية التي تهز العقل الراكد، وترفع عن البصر غشاوة السجود لحجارة منحوتة. لذا نصت جملة من الأحاديث النبوية على فضائل “القراءة” وآدابها، سواء ما تعلق بالكتاب الأول، أو بما سينتج عنه لاحقا من كتب ومكتبات غيّرت مسار أمة بأكملها. وحول هذه القيمة المعنوية تفاوتت الهمم في الولاء للكتب والتعلق بها، وشهد التاريخ نماذج حية أفردت للقراءة حيزا واسعا من وجودها، وعبّرت عن ذاك الشغف بكل ما وسعها من قول وفعل، وموقف جدير بالتبني أو الرفض! لعلاقة المسلم بالكتاب صور ومداخل شتى، جرى تناولها بشكل متفرق في كتب ودراسات عديدة؛ رغم وجود خيط ناظم يكشف عن شغف المسلمين بالكلمة المكتوبة، منذ أن أثمرت الفتوحات عن اتصال إيجابي بالثقافات القديمة. وتولد عن تلك العلاقة سلوكيات وممارسات، تراوحت بين الولع بالكتب، وإرساء ميثاق أخلاقي لتداولها بين الأفراد ضمن ما اصطلح عليه ب”آداب الإعارة”، ثم إدماج هذا الشغف في بنية الوقف الإسلامي خدمة للمعرفة، لا تتسع هذه الأسطر لكل حكايات الولع بالكتب، فقلما خلت ترجمة فقيه أو أديب أو عالِم مسلم من تجليات السعي خلف مخطوطة أو مصنف، غير أن ما يستوقفنا هنا هي أشكال التعبير عن ذاك الولع، والحرص على الكتب إلى حد البخل بها أو إتلافها. ذاع اسم الجاحظ كأيقونة عربية في عالم الكتب لأن ولعه لم يكن ترفا معرفيا أو اجتماعيا. فعلاقته بالكتاب حالت حتى دون مواجهته لأعباء الحياة رغم فقره. وأكسبته ميلا للتحرر من تقاليد المجتمع، ليشق سبيله للمعرفة بعيدا عن الأطر الجاهزة. حكى عنه أبو هفان الشاعر قائلا: لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر. ولما صار اقتناء الكتب الفاخرة عنوانا للرفاهية، حرص الجاحظ على أن توجهه بصيرة القارئ الفذ ليسعى خلف النفيس من العلوم والآداب والحكمة. فإذا عُرضت عليه حتى الأوراق المقطعة التي لا يرى غيره فيها فائدة، ولكنكم جهال لا تعرفون النفيس من الخسيس! حتى موته كان تعبيرا عن الولع بالكتب، فمن عادته أنه يضع المجلدات كالحائط من حوله ثم يجلس ليقرأ. ولما أصيب بالفالج وعجز عن الحركة وقع عليه مجلد فمات. ولطالما كانت علاقة السلطة بالكتاب مقتصرة في الغالب على إنشاء المكتبات، ورعاية العلماء وتشجيع الحركة الثقافية، إلا أن سيرة الخليفة الحَكَم المستنصر بالأندلس تضعنا أمام حالة فريدة من عشق الكتب، والانصراف إلى العلم رغم ما تقتضيه الخلافة من أعباء. شارك الحكم في علوم عصره قارئا وعالما ومثقفا. فأتقن العلوم الإسلامية حتى أن بعض الشيوخ سمعوا منه الحديث النبوي. وأنشأ بناء خاصا للكتب يعده المؤرخون أعظم مكتبة إسلامية في العصور الوسطى، إذ جمع فيها ما يقرب من نصف مليون مجلد. وكان له مراسلون يطلعونه على جديد الكتب فيبعث بالمال الوفير لشراء النسخة الأولى ليكون أول من قرأها. ومن أمثلة ذلك أنه أرسل ألف دينار لأبي الفرج الأصفهاني كي يرسل له النسخة الأولى من كتابه “الأغاني ” ففعل. إلى هنا يشترك الحَكم مع خلفاء آخرين في لقب الحاكم المتنور، الذي يعلي من شأن الثقافة كدعامة للنهضة في بلده، ويكتفي بالتشجيع وتوفير البنى والاعتمادات اللازمة. بحيث صرف وقته لقراءة الكتب والتعليق على حواشيها، والاستدراك على مؤلفيها. يقول الدكتور حسين مؤنس في كتابه ( معالم تاريخ المغرب والأندلس) :” وقد عثرنا بالفعل على كتب عليها خط الحَكم وملاحظاته، وكان العلماء بعده يعتبرون هذه الملاحظات أصولا تعتمد. ولم يقتصر على علوم العرب بل عنى بكل العلوم، وتحت إشرافه ترجم قاسم بن أصبغ البياني وحفص بن ألبر كتاب التاريخ لهيروشيوش من اللاتينية، وترجموا له كتاب ديسقورديوس في الطب من اليونانية. وكان يرسل الناس إلى شتى البلاد ويطلب إليهم أن يكتبوا دراسات عما زاروه من الأقطار ويحتفظ بهذه الدراسات في مكتبه.” وبسبب هذا الولع تعرض للنقد لأنه أتاح لضعاف النفوس أن يعبثوا بأمور الحكم، وللأعداء أن يدشنوا سلسلة من الغارات على أطراف الدولة. أصبحت سوق الكتاب رائجة في المجتمع الإسلامي، وأدى التسابق لاقتناء النادر منها إلى بروز صيادي المخطوطات والمسودات النفيسة. وطُرحت إشكالية التوفيق بين كراهية كتمان العلم وحبس الكتب من جهة، والحذر الواجب من ضياعها أو تسلط غير السفهاء عليها من جهة أخرى. وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض النماذج التي ترد ضمن الولع بالكتب لا تنتمي بالضرورة إلى مصاف القراء، إذ كان شراء الكتب والسعي للحصول عليها في بعض الأحيان تقوية للمركز الاجتماعي، وتأكيد الانتساب إلى النخبة المثقفة لا غير! كان بذل الكتب وإعارتها سُنة محمودة بين طلبة العلم، وسَرت بين الناس مواعظ ونصائح تحذر من حبس الكتب. ومما يروى عن الزهري أنه قال: إياكم وغلول الحديث، قيل: وما غلول الحديث؟ قال: حبس الكتب. وكتب الإمام الشافعي رحمه الله لمحمد بن الحسن رضي الله عنهما يقول: العلم ينهى أهلَه أن يمنعوه أهلَه. وينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك ويجزيه خيرا ولو بالدعاء. لبعض الكتب والمسودات التي دُونت بخط المؤلف، جعلتها عرضة للضياع وعدم الالتزام بردها لأصحابها. فأفرز النقاش الدائر بين طلبة العلم ومحبي الكتب وأرباب المكتبات الخاصة ثلاث وجهات نظر، كان لها الفضل في نشأة وإغناء ما اصطلح عليه ب”آداب الإعارة”: فريق أول آثر إعارة الكتب وعدم رد أي طالب يطلبها حتى وإن كانت نفيسة، وحرصا على نشر العلم. ويؤيد هؤلاء توجيه لسفيان الثوري رحمه الله مفاده: من بخل بعلمه ابتلي بثلاث: إما أن ينساه ولا يحفظه، وفريق ثان قَيّد الإعارة بشروط، حرصا على استرجاع الكتب؛ كإعطاء ضمان أو رهن، أو الحصول فقط على نسخة عوض المخطوطة الأصلية. أما الفريق الثالث ففضل عدم الإعارة مطلقا، أو لأن الراغبين فيها ليسوا من طلبة العلم ولا يُؤمن جانبهم. واشتهر من هذا الصنف رجل يقال له: إبراهيم بن الفرس، وكان بحوزته مصنفات وكتب نادرة لابن حجر العسقلاني، ولم يكن يسمح بإعارتها حتى ورد عنه قوله: إذا عاينتُ الموت ألقيتها في البحر. بالمقابل لجأ بعضهم إلى الحيلة لاقتناء الكتب بثمن بخس وعدم رد المستعار منها. فكان الإمام النحوي ابن الخشاب إذا استعار كتابا ثم طولب به يقول: دخل بين الكتب فلا أقدر عليه. وإذا حضر سوق الكتب وصادف كتابا ثمينا، غافَلَ صاحبه وقطع منه ورقة ليأخذه بثمن بخس. فجمع بذلك عددا لا يوصف من الكتب أوقفها على أهل العلم قبيل وفاته. على هامش الجدل حول الإعارة نَمت ألوان من التعبير الأدبي التي يحث قسط منها على إعارة الكتب محبة للعلم، ويُحذر القسط الآخر من ذلك محبة أيضا للعلم. وبين هذه وتلك يستشف المرء تعلقا فريدا بالكلمة المكتوبة، وسعيا للارتواء بكل ألوان المعرفة الإنسانية. وهو الأمر الذي لفت انتباه ويل ديورانت في مؤلفه الشهير (قصة الحضارة) حين قال: ” ولم يبلغ الشغف باقتناء الكتب في بلد آخر من بلاد العالم، اللهم إلا في بلاد الصين في عهد منج هوانج، ما بلغه في بلاد الإسلام في القرون الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر.” و حرصا على فريضة نشر العلم وتقاسم المعرفة ولو بعد مفارقة الحياة، تفتقت الأذهان عن فكرة الوقف التي تعد بحق معلما حضاريا، وثمرة للرقي الفكري والحس الإنساني الذي تمتعت به أمة الكتب والمكتبات. يُحصي المؤرخون والمهتمون بالوقف الإسلامي عشرات المكتبات ودور العلم، وآلاف المجلدات والمخطوطات التي أسهمت في توفير المعرفة للطلاب. فكان المرء يجمع ويبحث ويكون مكتبة، ويدفع أموالا طائلة لقاء كتب نفيسة، ثم يوقف حصيلة شغفه برمتها لتكون نافذة ثقافية للجميع. فأنشئت مكتبات في الجوامع والمستشفيات والزوايا، وتنافس ذوو السلطة والجاه في تخليد ذكراهم بإحداث المكتبات الوقفية في كل أرجاء البلاد، ووقف الكتب على مدارس ومساجد مع توفير دخل مادي ثابت للتكفل بمصاريفها. وبلغت من الضخامة والانتشار حد انصراف الناس عن شراء الكتب، حتى أنا أبا حيان النحوي كان إذا رأى من يشتري كتابا يقول له: ” الله يرزقك عقلا تعيش به، أنا أي كتاب أردته استعرته من خزانة الأوقاف.” ولعل أسوأ ما لقيته مبادرة الوقف هو تعرض نفائسها للبيع والسرقة والإهمال، خاصة في أزمنة الركود الثقافي، مما جعل مكتبات ومتاحف الغرب شاهدا على المجد الذي أضعناه! إن وسائل الجذب التي تعرضها المؤسسات الثقافية في أرجاء العالم الإسلامي لتشجيع القراءة واقتناء الكتب، إضافة إلى المسابقات والمبادرات الرسمية والتطوعية، هي في النهاية جهد محمود لاستعادة الإنسان الفاعل والمنفعل مع قضايا أمته والعالم بأسره. إلا أن رفع الكتب إلى مقام الأولوية والشرط الحيوي هو الحجر الأنسب الذي سُيحدث دوائر في البركة الراكدة، ولن يتحقق الأمر إلا إذا كان لمحبي القراءة وعشاق الكتب حضور فاعل يستضيء بتجارب السلف، فما نبتَ مما لا أصل له.

النص الأصلي

شكّل الأمر الإلهي بالقراءة فاتحة عهد جديد، يُصبح فيه الكتاب منطلق تغيير، ويكتسب فعل القراءة بموجبه سمة التعدد، لتصبح قراءات تثري المنظومة الاجتماعية والسياسية والحضارية بصفة عامة. وحين ألغى الإسلام وساطة الكهنة والمصالح بين الرب وعباده، فإنه أزاح ستارا كثيفا من الغموض والسرية التي أرهقت الإنسانية، وأطلق عنان المسلم ليجوب بعقله التواق أرجاء الكتاب المسطور والكون المنظور. لفعل القراءة إذن سمة الثورية التي تهز العقل الراكد، وترفع عن البصر غشاوة السجود لحجارة منحوتة. لذا نصت جملة من الأحاديث النبوية على فضائل “القراءة” وآدابها، سواء ما تعلق بالكتاب الأول، أو بما سينتج عنه لاحقا من كتب ومكتبات غيّرت مسار أمة بأكملها. وحول هذه القيمة المعنوية تفاوتت الهمم في الولاء للكتب والتعلق بها، وشهد التاريخ نماذج حية أفردت للقراءة حيزا واسعا من وجودها، وعبّرت عن ذاك الشغف بكل ما وسعها من قول وفعل، وموقف جدير بالتبني أو الرفض! لعلاقة المسلم بالكتاب صور ومداخل شتى، جرى تناولها بشكل متفرق في كتب ودراسات عديدة؛ رغم وجود خيط ناظم يكشف عن شغف المسلمين بالكلمة المكتوبة، منذ أن أثمرت الفتوحات عن اتصال إيجابي بالثقافات القديمة. وتولد عن تلك العلاقة سلوكيات وممارسات، تراوحت بين الولع بالكتب، وإرساء ميثاق أخلاقي لتداولها بين الأفراد ضمن ما اصطلح عليه ب”آداب الإعارة”، ثم إدماج هذا الشغف في بنية الوقف الإسلامي خدمة للمعرفة، لا تتسع هذه الأسطر لكل حكايات الولع بالكتب، فقلما خلت ترجمة فقيه أو أديب أو عالِم مسلم من تجليات السعي خلف مخطوطة أو مصنف، غير أن ما يستوقفنا هنا هي أشكال التعبير عن ذاك الولع، والحرص على الكتب إلى حد البخل بها أو إتلافها. ذاع اسم الجاحظ كأيقونة عربية في عالم الكتب لأن ولعه لم يكن ترفا معرفيا أو اجتماعيا. فعلاقته بالكتاب حالت حتى دون مواجهته لأعباء الحياة رغم فقره. وأكسبته ميلا للتحرر من تقاليد المجتمع، ليشق سبيله للمعرفة بعيدا عن الأطر الجاهزة. حكى عنه أبو هفان الشاعر قائلا: لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر. ولما صار اقتناء الكتب الفاخرة عنوانا للرفاهية، حرص الجاحظ على أن توجهه بصيرة القارئ الفذ ليسعى خلف النفيس من العلوم والآداب والحكمة. فإذا عُرضت عليه حتى الأوراق المقطعة التي لا يرى غيره فيها فائدة، ولكنكم جهال لا تعرفون النفيس من الخسيس! حتى موته كان تعبيرا عن الولع بالكتب، فمن عادته أنه يضع المجلدات كالحائط من حوله ثم يجلس ليقرأ. ولما أصيب بالفالج وعجز عن الحركة وقع عليه مجلد فمات. ولطالما كانت علاقة السلطة بالكتاب مقتصرة في الغالب على إنشاء المكتبات، ورعاية العلماء وتشجيع الحركة الثقافية، إلا أن سيرة الخليفة الحَكَم المستنصر بالأندلس تضعنا أمام حالة فريدة من عشق الكتب، والانصراف إلى العلم رغم ما تقتضيه الخلافة من أعباء. شارك الحكم في علوم عصره قارئا وعالما ومثقفا. فأتقن العلوم الإسلامية حتى أن بعض الشيوخ سمعوا منه الحديث النبوي. وأنشأ بناء خاصا للكتب يعده المؤرخون أعظم مكتبة إسلامية في العصور الوسطى، إذ جمع فيها ما يقرب من نصف مليون مجلد. وكان له مراسلون يطلعونه على جديد الكتب فيبعث بالمال الوفير لشراء النسخة الأولى ليكون أول من قرأها. ومن أمثلة ذلك أنه أرسل ألف دينار لأبي الفرج الأصفهاني كي يرسل له النسخة الأولى من كتابه “الأغاني ” ففعل. إلى هنا يشترك الحَكم مع خلفاء آخرين في لقب الحاكم المتنور، الذي يعلي من شأن الثقافة كدعامة للنهضة في بلده، ويكتفي بالتشجيع وتوفير البنى والاعتمادات اللازمة. بحيث صرف وقته لقراءة الكتب والتعليق على حواشيها، والاستدراك على مؤلفيها. يقول الدكتور حسين مؤنس في كتابه ( معالم تاريخ المغرب والأندلس) :” وقد عثرنا بالفعل على كتب عليها خط الحَكم وملاحظاته، وكان العلماء بعده يعتبرون هذه الملاحظات أصولا تعتمد. ولم يقتصر على علوم العرب بل عنى بكل العلوم، وتحت إشرافه ترجم قاسم بن أصبغ البياني وحفص بن ألبر كتاب التاريخ لهيروشيوش من اللاتينية، وترجموا له كتاب ديسقورديوس في الطب من اليونانية. وكان يرسل الناس إلى شتى البلاد ويطلب إليهم أن يكتبوا دراسات عما زاروه من الأقطار ويحتفظ بهذه الدراسات في مكتبه.” وبسبب هذا الولع تعرض للنقد لأنه أتاح لضعاف النفوس أن يعبثوا بأمور الحكم، وللأعداء أن يدشنوا سلسلة من الغارات على أطراف الدولة. أصبحت سوق الكتاب رائجة في المجتمع الإسلامي، وأدى التسابق لاقتناء النادر منها إلى بروز صيادي المخطوطات والمسودات النفيسة. وطُرحت إشكالية التوفيق بين كراهية كتمان العلم وحبس الكتب من جهة، والحذر الواجب من ضياعها أو تسلط غير السفهاء عليها من جهة أخرى. وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض النماذج التي ترد ضمن الولع بالكتب لا تنتمي بالضرورة إلى مصاف القراء، إذ كان شراء الكتب والسعي للحصول عليها في بعض الأحيان تقوية للمركز الاجتماعي، وتأكيد الانتساب إلى النخبة المثقفة لا غير! كان بذل الكتب وإعارتها سُنة محمودة بين طلبة العلم، وسَرت بين الناس مواعظ ونصائح تحذر من حبس الكتب. ومما يروى عن الزهري أنه قال: إياكم وغلول الحديث، قيل: وما غلول الحديث؟ قال: حبس الكتب. وكتب الإمام الشافعي رحمه الله لمحمد بن الحسن رضي الله عنهما يقول: العلم ينهى أهلَه أن يمنعوه أهلَه. وينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك ويجزيه خيرا ولو بالدعاء. لبعض الكتب والمسودات التي دُونت بخط المؤلف، جعلتها عرضة للضياع وعدم الالتزام بردها لأصحابها. فأفرز النقاش الدائر بين طلبة العلم ومحبي الكتب وأرباب المكتبات الخاصة ثلاث وجهات نظر، كان لها الفضل في نشأة وإغناء ما اصطلح عليه ب”آداب الإعارة”: فريق أول آثر إعارة الكتب وعدم رد أي طالب يطلبها حتى وإن كانت نفيسة، وحرصا على نشر العلم. ويؤيد هؤلاء توجيه لسفيان الثوري رحمه الله مفاده: من بخل بعلمه ابتلي بثلاث: إما أن ينساه ولا يحفظه، وفريق ثان قَيّد الإعارة بشروط، حرصا على استرجاع الكتب؛ كإعطاء ضمان أو رهن، أو الحصول فقط على نسخة عوض المخطوطة الأصلية. أما الفريق الثالث ففضل عدم الإعارة مطلقا، أو لأن الراغبين فيها ليسوا من طلبة العلم ولا يُؤمن جانبهم. واشتهر من هذا الصنف رجل يقال له: إبراهيم بن الفرس، وكان بحوزته مصنفات وكتب نادرة لابن حجر العسقلاني، ولم يكن يسمح بإعارتها حتى ورد عنه قوله: إذا عاينتُ الموت ألقيتها في البحر. بالمقابل لجأ بعضهم إلى الحيلة لاقتناء الكتب بثمن بخس وعدم رد المستعار منها. فكان الإمام النحوي ابن الخشاب إذا استعار كتابا ثم طولب به يقول: دخل بين الكتب فلا أقدر عليه. وإذا حضر سوق الكتب وصادف كتابا ثمينا، غافَلَ صاحبه وقطع منه ورقة ليأخذه بثمن بخس. فجمع بذلك عددا لا يوصف من الكتب أوقفها على أهل العلم قبيل وفاته. على هامش الجدل حول الإعارة نَمت ألوان من التعبير الأدبي التي يحث قسط منها على إعارة الكتب محبة للعلم، ويُحذر القسط الآخر من ذلك محبة أيضا للعلم. وبين هذه وتلك يستشف المرء تعلقا فريدا بالكلمة المكتوبة، وسعيا للارتواء بكل ألوان المعرفة الإنسانية. وهو الأمر الذي لفت انتباه ويل ديورانت في مؤلفه الشهير (قصة الحضارة) حين قال: ” ولم يبلغ الشغف باقتناء الكتب في بلد آخر من بلاد العالم، اللهم إلا في بلاد الصين في عهد منج هوانج، ما بلغه في بلاد الإسلام في القرون الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر.” و حرصا على فريضة نشر العلم وتقاسم المعرفة ولو بعد مفارقة الحياة، تفتقت الأذهان عن فكرة الوقف التي تعد بحق معلما حضاريا، وثمرة للرقي الفكري والحس الإنساني الذي تمتعت به أمة الكتب والمكتبات. يُحصي المؤرخون والمهتمون بالوقف الإسلامي عشرات المكتبات ودور العلم، وآلاف المجلدات والمخطوطات التي أسهمت في توفير المعرفة للطلاب. فكان المرء يجمع ويبحث ويكون مكتبة، ويدفع أموالا طائلة لقاء كتب نفيسة، ثم يوقف حصيلة شغفه برمتها لتكون نافذة ثقافية للجميع. فأنشئت مكتبات في الجوامع والمستشفيات والزوايا، وتنافس ذوو السلطة والجاه في تخليد ذكراهم بإحداث المكتبات الوقفية في كل أرجاء البلاد، ووقف الكتب على مدارس ومساجد مع توفير دخل مادي ثابت للتكفل بمصاريفها. وبلغت من الضخامة والانتشار حد انصراف الناس عن شراء الكتب، حتى أنا أبا حيان النحوي كان إذا رأى من يشتري كتابا يقول له: ” الله يرزقك عقلا تعيش به، أنا أي كتاب أردته استعرته من خزانة الأوقاف.” ولعل أسوأ ما لقيته مبادرة الوقف هو تعرض نفائسها للبيع والسرقة والإهمال، خاصة في أزمنة الركود الثقافي، مما جعل مكتبات ومتاحف الغرب شاهدا على المجد الذي أضعناه! إن وسائل الجذب التي تعرضها المؤسسات الثقافية في أرجاء العالم الإسلامي لتشجيع القراءة واقتناء الكتب، إضافة إلى المسابقات والمبادرات الرسمية والتطوعية، هي في النهاية جهد محمود لاستعادة الإنسان الفاعل والمنفعل مع قضايا أمته والعالم بأسره. إلا أن رفع الكتب إلى مقام الأولوية والشرط الحيوي هو الحجر الأنسب الذي سُيحدث دوائر في البركة الراكدة، ولن يتحقق الأمر إلا إذا كان لمحبي القراءة وعشاق الكتب حضور فاعل يستضيء بتجارب السلف، فما نبتَ مما لا أصل له.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

מבין כל הנושאים...

מבין כל הנושאים והתכנים המעניינים שעברנו בקורס, הדבר הכי משמעותי שלקחתי איתי והחלטתי להמשיך איתו הלא...

أحْفَظُ وصف الل...

أحْفَظُ وصف اللَّه سبحانه وتعالى نفسه بصفات الكمال وأمر بتعظيمه، فهو الذي خلق الإنسان والحيوان، وخص ...

في نهاية هذا ال...

في نهاية هذا البحث القانوني المعمق حول العقود الإدارية والخلافات المرتبطة بها، نستنتج أن النظام القا...

المبرر: يمكن له...

المبرر: يمكن لهذا التوصية أن تساعد مايكروسوفت في الاستجابة للتطورات التكنولوجية والتغيرات في بيئة ال...

يا بني : عشت سن...

يا بني : عشت سنين مع أبي وأنا أسمعه يكرر : كم أكره التدخين، التدخين حرام، انظر هذا المدخن كيف يحرق ا...

أولا أثر القصد ...

أولا أثر القصد الجنائي (الركن المعنوي)، بحيث يتجلى مبدأ التناسب بشكل صارخ عند المقارنة بين المساس ال...

بحثت وزيرة الخا...

بحثت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين الدكتورة أفراح الزوبة، اليوم الخميس، مع أعضاء المجموعة البرلماني...

وثّق مركز تعز ا...

وثّق مركز تعز الحقوقي (THRC) ارتكاب مليشيا الحوثي 1444 انتهاكاً بحق المدنيين والأعيان المدنية في محا...

### السؤال الثا...

### السؤال الثاني: **"تتطلب إدارة الجلسات السيكودرامية لذوي الاحتياجات الخاصة فهماً عميقاً لكيفية ت...

تولى الأدميرال ...

تولى الأدميرال دوبريه قيادة أسطول بحري مكون من 600 سفينة في تولون، ثم توجه نحو مدينة الجزائر العاصمة...

Kvinnesyn: Kvin...

Kvinnesyn: Kvinnen blir framstilt som naiv og lett å lede, men samtidig som nysgjerrig og viljesterk...

مقدمة شكّل المر...

مقدمة شكّل المرفق العام منذ نشأة الدولة الحديثة الأداة الرئيسية لتحقيق المصلحة العامة وإشباع الحاجات...

أخبار التقنية