لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (50%)
إن عالم الاتصال ينفجر تحت ضغط تعددية العقلانية المحلية، 1- عن هذه الترجمة :
الهدف من هذا العمل في المقام الأول هو تقديم الكتاب المعنون ب"تاريخ نظريات الاتصال" وهو كتاب من تأليف كل من أرمان وميشال ماتلار الأستاذان بجامعة باريس الثامنة، غير أن تقديمنا سيخرج عن التقليد السائد في عرض الكتب، تؤرق الباحثين الشباب. وفي هذا السياق فإن ما قامت به المنظمة العربية للترجمة والتي يشرف عليها أكاديمي وعالم إجتماع محدث في حقله وهو الباحث التونسي الطاهر لبيب، وجدنا النص الأصلي-الفرنسي-للكتاب منغلقا على التاريخ الأوروبي، جاءت النسخة العربية من نفس هذا الكتاب لتغير فتضيف الجديد لقراءتنا الفرنسية للأثر ولنسق الكتابة التاريخية الخطية للمؤلفين. قرأنا الكتاب المنقول وقد خرج من أسر اللغة الفرنسية فبدت لنا كل تلك النظريات والأفكار وهي معربة قريبة منا كباحث عربي يهتم بعلوم الإعلام والإتصال. إذا ما أراد أي باحث أن يستفيد من كل ذلك الكم الهائل من المعلومات والنظريات التي يطفح بها كتاب أرمون وميشال ماتلار. ولعل هذا هو دور الترجمة وهو إخراج النص المنغلق على لغته وتحويله إلى لغة أخرى لتحيا به من جديد وهو ما يعنى نقله إلى ثقافة أخرى وخاصة عندما يتعلق الأمر بتخصص متعدد الإنشغالات الفكرية، وهنا علينا أن نرد لأصحاب الترجمة حقهم العلمي والأكاديمي، وهو أن ترجمة هذا الكتاب إن كان لها أن ترى النور فالأولى بها هما الأستاذان نصر الدين لعياضي والصادق رابح أستاذا الاتصال بكل من جامعتي الجزائر والإمارات العربية المتحدة. ففي كل ما تقذف به المكتبة العربية من أدبيات لها صلة بعلوم الإعلام والاتصال-على قلتها-تتربع إنتاجات الأكاديميين الجزائرين على سلم الإسهامات النوعية ذات الخلفية المعرفية. وتتميز جهودهم برغبة جامحة وأصيلة في تبيئة علوم الإعلام والإتصال قل نظيرها في المنطقة العربية رغم الحضور الكمي التواضع لها. ويستهدف هؤلاء الجامعيين من أهل الجزائر ضربين من الفعل الأكاديمي : الأول يتمثل في الترجمة ونقل أهم إتجاهات البحوث والدراسات الإعلامية في الغرب بشقيه الإنجلوسكسوني والأوروبي، والثاني يظهر لنا في محاولات لقراءة تراثية لعلوم الإعلام والإتصال في الثقافة العربية الإسلامية. فقد كان نصر الدين لعياضي من بين المبشرين بترجمة عدد من الدراسات الفرنسية الناشئة في علوم الإعلام والإتصال مثل أرمان ماتلار ودانيال بونيو وبيار بورديو، في كتابه "وسائل الاتصال الجماهيري والمجتمع" . من جهة أخرى كان لعبد الرحمان عزي وهو خريج الجامعات الأمريكية الفضل في إستهداف الموروث الإتصالي العربي الإسلامي من خلال قراءات سوسولوجية لعبد الرحمان ابن خلدون ومالك بن النبي ، هذا بالإضافة إلى كتاب عمر مهيبيل "إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة". وإذا ما أردنا فسح مجال أكثر لفرضيتنا لقلنا أنه منذ بداية التسعينات من القرن الماضي إمتدت تيارات التأصيل الفكري والتاريخي النظري في أدبيات الإتصال والإعلام في المنطقة العربية، ويمكن –والمجال لا يسمح-التوقف عند كل من تجربة صالح أبو أصبع وعصام سليمان موسي وكلاهما من الأردن : الأول كتب عن إبن خلدون أيضا والثاني خصنا بكتاب عن "العرب وثورة الاتصال" الأولى أي الكتابة، واجتهادات راسم الجمال من مصر عن الإعلام والاتصال في العالم العربي.
نعود إلى الجزائر وبشكل مقتضب وبالتحديد إلى جامعة الجزائز التي إشتغل بها المترجمان والتي تكاد تكون الجامعة الوحيدة في الوطن العربي التي لا يوجد بها قسم أو كلية للإعلام والإتصال بشكل منفرد. في جامعة الجزائر تعتبر علوم الإعلام والإتصال ملحقة بكلية العلوم السياسية ولازال قسم الإعلام يترعرع في ظل تخصصات وعلوم ضاربة في القدم وفي الصرامة الأكاديمية، في بقية الدول العربية ومنذ بداية التسعينات إتجهت كل أقسام الإعلام والاتصال إلى الاستقلالية الأكاديمية وهو إعلان على ميلاد قطيعة إبستمولوجية بين نظريات الإتصال والنظريات السياسية والإجتماعية وغدت تلك الكليات والأقسام عبارة عن مجموعة معلقة من المختبرات في فنون الملتميديا والإخراج والتصوير، فركنت الخلفية الأكاديمية بعيدا لصالح مرجعية تسييرية براغماتية تتستر وراء ثورة المعلومات والإتصال والعولمة وإحتياجات السوق وغيرها من الشعارات التي لا يستقيم لها حال عندما نغوص في ماهية العملية الإتصالية وصلاتها بالمجتمع والسياسة والاقتصاد وخاصة في الحالة العربية.
وهو ما لم يقطع صلة هؤلاء بالتقاطعات الكبرى لعلوم الإعلام والإتصال من علوم إجتماعية وسياسية ونفسية وإقتصادية . في بقية الأقطار العربية تحيل القطيعة بين حقول المعرفة الكبرى وعلوم الإعلام والإتصال إلى قطيعة معرفية ونسف لمجمل المرجعيات التي على أساسها ظهرت ولازالت علوم الإعلام والإتصال والتي تعتبر وبشهادة الجميع أنها تخصص متعدد ومتداخل لا يمكن عزله عن محيطه السوسيولوجي والسياسي. ينزع إلى التأصيل ويبحث عن اعتراف أكاديمي ومعرفي. 2- العمق التأليفي :
نأتي إلى الكتاب والذي يمكن وصفه بالكتاب التأليفي فهو خلاصة لأهم الاتجاهات الفكرية والمعرفية التي على هديها أخذت علوم الإعلام والإتصال في الغرب صورتها الحالية وهي إحدى ركائز قوة الكتاب. ونعرف في مجال البحث العلمي الأكاديمي قيمة وعناء المغامرة التأليفية ومزاياها. ميزة الكتاب الثانية هو أنه جاء عبارة عن ذهاب وإياب بين المدرسة الإنجلوسكسونية ذات الأصول الأوروبية والمدرسة الأوروبية الصرفة. فنحن نعرف أن الحرب العالمية الثانية دفعت بخيرة النخب والباحثين الألمان والمجاورين لألمانيا وخاصة منهم اليهود إلى الهجرة لأمريكا والتفاعل مع إتجاهات جديدة هناك ليتركوا بصمات النزعة الأوروبية التجريدية والذهنية في مواجهة نزعة براغماتية إجرائية أمريكية في معالجة البحوث الإجتماعية. وهو ما يدفعنا إلى ضرورة التأكيد على وجود حالة من التداخل والغليان الفكري بين أغلب الاتجاهات البحثية في هذا التخصص وأن حدود التبان تبدو ضئيلة في أكثر من موضوع. يحتوى الكتاب المترجم على سبعة فصول ومقدمة للمترجمين ومقدمة للمؤلفين وثبت للمصطلحات وترجمتها من اللغة العربية إلى الفرنسية هذا بالإضافة إلى قائمة ببليوغرافية غنية لكل باحث معنى بتاريخ وإمبستيمولوجيا نظريات الاتصال. وتميزها بالشمولية، ويبدو أن السبب المباشر من وراء هذه المغامرة في الترجمة يعود بالأساس إلى "إمكانية أن تشكل نظريات الإتصال المدخل الصحيح لمناقشة الثقافة العربية، لعل هذا هو أحد أسباب انشغالنا بعرض وتقديم مفردات هذا الكتاب كمساهمة في التعريف به، لأنه كتاب يتجاوز الاتصالي لنقد المعرفي الكامن فيه. إذ يعتبر علما/ملتقى للكثير من التخصصات العلمية Interdisciplinary)) . ويقدم المؤلفان الهدف من مشروع هذا الكتاب "فهو يسعى إلى تعريف القارئ بالتعددية والإنشطارات/التوزع التي يعرفها هذا الحقل المعرفي، بين البيولوجي والإجتماعي، بين الطبيعة والثقافة، بين الدراسات الشاملة والمحدودة، بين القرية والكرة الأرضية، بين الفاعل الإجتماعي والنسق الإجتماعي، بين الفرد والمجتمع، "
3- النظام الاجتماعي :
الإتصالات الإذاعية، ، هذا بالإضافة إلى مفهوم التطور الذي أعتبر من المفاهيم المحورية المؤسسة لتحليل أنظمة الإتصالات. ومن بين مميزات هذا النظام تبلور فكرة "سيكلوجيا الحشود" أو بالتعبير التجاري الحديث "الجمهور" والتي تزامن ظهورها مع النقاشات الواسعة حول الطبيعة السياسية للرأي العام الذي تم تحريره من الإكراهات التي كانت مفروضة على حرياته، ولا سيما حرية التجمع.
ارتبط الاتصال في الولايات المتحدة منذ العقد الأول من القرن العشرين بمشروع بناء علوم اجتماعية مؤسسة على قواعد إمبيريقية، حيث مثلت "مدرسة شيكاغو" نقطة الانطلاق الأولى لهذا المشروع والذي تعتمد في قراءتها على المدينة بوصفها "صورة طيفية للمجتمع". أما سنوات الأربعينات، اشتهر باسم "بحوث وسائل الاتصال"، وهو ينزع في قراءته للظواهر التي يدرسها إلى التحليل الوظيفي، معتمدا في مقاربته البحثية على الدراسات الكيفية التي رأى أنها أفضل الأدوات المنهجية في الاستجابة لما يطرحه القائمون على وسائل الإعلام. التي تهتم بدراسة التفاعلات الاجتماعية التي أسست لظهور سوسيولوجيا فرعية مهتمة بالتجليات الذاتية للفاعل الاجتماعي. ويمكن في هذا السياق التوقف عند أعمال عالم الرياضيات والمنطق تشرلز بيرس مؤسس البراغماتية والسيميائية كمنهجية استجلاء مفاهيمي في وضع أسس نظرية العلامات أو السيميائية. في مقاربة تاريخية يذهب الباحثان إلى أن ظهور المفاهيم الأولى لتيار بحوث وسائل الاتصال الجماهيري يعود إلى سنة 1927، وقد عرفت تقنيات الاتصال في هذه الفترة مثل التلفون والسينما والإذاعة قفزات كبرى لم تعرفها من قبل. فلقد توصل لاسوال سنة 1948 إلى تزويد السوسيولوجيا الوظيفية لوسائل الإعلام بإطار مفاهيمي، "تحليل وسائل الإعلام أو الحوامل"، 5- نظرية المعلومات
منذ نهاية الأربعينات، على شرعيتها النهائية باعتبارها رمزا يمكن إخضاعه للتكميم (من كمية)، بالنسبة له تكمن في إعادة إنتاج رسالة ما بطريقة دقيقة أو تقريبية من نقطة ما مختارة إلى نقطة أخرى. ومفسر الشيفرة (Decoder) أو المتلقي، وأخيرا الوجهة (destination)، فإذا ما أردنا تخفيف التكلفة إلى حدودها الدنيا، في "المعلومة". وبالرغم من أنه دعا بكل قوة إلى تخليق هذا النموذج الأعلى لـ"مجتمع المعلومات"، إلا أنه حذر في نفس الوقت من مخاطر الانحرافات التي قد يحملها. كالنزوع للطبيعة على تدمير ما هو منظم وتسريع ظاهرة التخريب البيولوجي والفوضى الاجتماعية، حيث أن كل منهما يمثل الوجه السلبي للآخر". ورياضيات وسوسيولوجيا وعلم النفس، بدأ تاريخ هذه المجموعة والتي عرفت باسم "المجمع الخفي" أو مدرسة "بالو ألتو" نسبة إلى مدينة صغيرة في إحدى الضواحي الجنوبية لسان فرنسيسكو في سنة 1942 بمشاركة غوفمان Goffman وواتزلويك Watzlawick. لقد تركت الجماعة النموذج الخطي للاتصال لشانون، وتبنت النموذج الدائري الارتدادي الذي اقترحه وينر، الأيديولوجيا والسلطة
درست السوسيولوجيا الوظيفية وسائل الإعلام بوصفها أدوات جديدة للديمقراطية الجديدة، وآلية مركزية في تنظيم المجتمع. وصاغت في هذا السياق نظرية تعطى الأولوية لمسألة إعادة إنتاج القيم المجتمعية للنظام، رافضة أن تأخذ بمسلمة أن التجديدات التقنية ستؤدى، حتما إلى تدعيم الديمقراطية. وبعد عشرين سنة ولدت الحركة البنيوية في فرنسا، استحدث أدورنو وهوركهايم، في منتصف الأربعينات مصطلح "الصناعات الثقافية" إذ قدما دراسة نقدية للإنتاج الصناعي للمواد الثقافية باعتبارها ظاهرة شاملة تهدف إلى تحويل الإنتاج الثقافي إلى سلع. فالمنتجات الثقافية من مجلات وأفلام وبرامج إذاعية تحيل على نفس العقلانية التقنية، ونفس الصيغ التنظيمية والتخطيط الإداري المتبع في الإنتاج الصناعي للسيارات أو المشاريع الحضرية : "لقد تم الإعداد لكل شيء مسبقا، ليجد كل فرد ما يناسبه، بحيث لا يستطيع أحد الفكاك". فالصناعة الثقافية توصل بضائعها المتماثلة إلى أي مكان، بكل تأكيد بصمة الصناعة الثقافية : إنتاج غزير-تماثل معياري-تقسيم عمل. بل مردها إلى وظيفة التكنولوجيا في الاقتصاد الحالي ، "إن العقلانية التقنية، إن العقلانية التقنية هي "الخاصية القسرية" للمجتمع المغترب عن ذاته. إن الصناعة الثقافية هي علامة واضحة على إفلاس الثقافة أي سقوطها في السلعنة (التسليع). فالصناعة الثقافية هي العلامة الفاصلة على تراجع الدور الفلسفي/الوجودي للثقافة. إن العمل الذي بدأته "مدرسة فرنكفورت" على المستوى الفلسفي ثم السوسيولوجي، وإن كان أقل شأنا من المستوى الأول (نظرية الثقافة الجماهيرية والدراسات حول الشخصية التسلطية)، فقد أكمله هابرماس في مؤلفه "الفضاء العمومي"، وذلك بالتركز على استعادة وبناء الإطار التاريخي الذي شهد تراجع هذا الفضاء، يسمح بالمناقشات العامة المؤسسة على الاعتراف الجماعي بفضائل العقل وقوته وخصوبة التبادل القائم على الحجة بين الأفراد،
النص الأصلي
"لم يعد هناك تاريخ، ولا واقع، ولا حقيقة، إن عالم الاتصال ينفجر تحت ضغط تعددية العقلانية المحلية، والعرقية والدينية. وإن تحرر هذا التنوع يمكن أن يكون"فرصة الوسيلة الجديدة في أن نكون "أخيرا" بشرا". ص : 200.
1- عن هذه الترجمة :
الهدف من هذا العمل في المقام الأول هو تقديم الكتاب المعنون ب"تاريخ نظريات الاتصال" وهو كتاب من تأليف كل من أرمان وميشال ماتلار الأستاذان بجامعة باريس الثامنة، وقام بنقله إلى اللغة العربية كل من نصر الدين لعياضي والصادق رابح ونشرته سنة 2006 "المنظمة العربية للترجمة". غير أن تقديمنا سيخرج عن التقليد السائد في عرض الكتب، ذلك إننا نطمح من وراء هذه المناسبة وبشكل موجز بيان دوافع الترجمة وإنعكاساتها على مستقبل وواقع الدراسات الإعلامية والاتصالية في الوطن العربي والتي تعيش حالة من غياب الهوية، تؤرق الباحثين الشباب. وفي هذا السياق فإن ما قامت به المنظمة العربية للترجمة والتي يشرف عليها أكاديمي وعالم إجتماع محدث في حقله وهو الباحث التونسي الطاهر لبيب، يدفعنا إلى مدى تنبه القائمون على هذه الدار من أن الترجمات العربية في مجال علوم الإعلام تعانى من ندرة، تساهم في ضعف حضور هذا التخصص في الأكاديميا العربية وفي الشأن الثقافي.
قرأنا كتاب ميشال وأرمان ماتلار في نسخته الفرنسية ، فالكتاب يوفر مادة علمية ثرية وعرضا موجزا للمناهج والمقاربات الفكرية التي إعترضت علوم الإعلام والإتصال منذ بداية النهضة الأوروبية وصولا إلى عصر ما بعد الحداثة. وجدنا النص الأصلي-الفرنسي-للكتاب منغلقا على التاريخ الأوروبي، وزادت اللغة في الشعور باليائس بأن علوم والإعلام والإتصال هي علوم غربية وليدة فلسفات ومناهج في المعرفة تعود إلى عقدة المركزية الأوروبية، وتضائل عندنا أمل العثور على كتاب غربي في هذه القيمة يشير أو يلمح من قريب أو من بعيد إلى وجود شعوب أخرى تتواصل وتجتهد بما أتيح لها من جهد وتراث في البحث والكتابة في نظريات الاتصال. جاءت النسخة العربية من نفس هذا الكتاب لتغير فتضيف الجديد لقراءتنا الفرنسية للأثر ولنسق الكتابة التاريخية الخطية للمؤلفين. قرأنا الكتاب المنقول وقد خرج من أسر اللغة الفرنسية فبدت لنا كل تلك النظريات والأفكار وهي معربة قريبة منا كباحث عربي يهتم بعلوم الإعلام والإتصال.
فما كان تاريخا غربيا لنظريات الاتصال تحول عبر الترجمة وحضور اللغة العربية إلى نص ينطق لغتنا وهو ما يمكننا من فرضية تبيئته هذه العلوم، إذا ما أراد أي باحث أن يستفيد من كل ذلك الكم الهائل من المعلومات والنظريات التي يطفح بها كتاب أرمون وميشال ماتلار. ولعل هذا هو دور الترجمة وهو إخراج النص المنغلق على لغته وتحويله إلى لغة أخرى لتحيا به من جديد وهو ما يعنى نقله إلى ثقافة أخرى وخاصة عندما يتعلق الأمر بتخصص متعدد الإنشغالات الفكرية، متجدد التقنيات فقير الإرث في الدرس الأكاديمي العربي كعلوم الإعلام والاتصال. يوجد فرق بين أن يقرأ أي باحث كتبا باللغة الإنجليزية أو الفرنسية ويستشهد ببعض أفكارها أو فقراتها، في دراسة أو كتاب من إعداده، وأن نجد ترجمة لأثر متكامل البنية والمرجعية الفكرية. وهو ما يحيلنا إلى ضرورة التفريق بين الترجمات الذاتية ذات المنفعة الحينية (كتاب مقرر) والترجمات المؤسسة على خلفية وحاجة بحثية إستراتيجية وهو توجه قليل الحضور في أغلب ما له صلة بالفكر العربي المعاصر. وهنا علينا أن نرد لأصحاب الترجمة حقهم العلمي والأكاديمي، وهو أن ترجمة هذا الكتاب إن كان لها أن ترى النور فالأولى بها هما الأستاذان نصر الدين لعياضي والصادق رابح أستاذا الاتصال بكل من جامعتي الجزائر والإمارات العربية المتحدة.
ففي كل ما تقذف به المكتبة العربية من أدبيات لها صلة بعلوم الإعلام والاتصال-على قلتها-تتربع إنتاجات الأكاديميين الجزائرين على سلم الإسهامات النوعية ذات الخلفية المعرفية. وتتميز جهودهم برغبة جامحة وأصيلة في تبيئة علوم الإعلام والإتصال قل نظيرها في المنطقة العربية رغم الحضور الكمي التواضع لها. ويستهدف هؤلاء الجامعيين من أهل الجزائر ضربين من الفعل الأكاديمي : الأول يتمثل في الترجمة ونقل أهم إتجاهات البحوث والدراسات الإعلامية في الغرب بشقيه الإنجلوسكسوني والأوروبي، والثاني يظهر لنا في محاولات لقراءة تراثية لعلوم الإعلام والإتصال في الثقافة العربية الإسلامية. فقد كان نصر الدين لعياضي من بين المبشرين بترجمة عدد من الدراسات الفرنسية الناشئة في علوم الإعلام والإتصال مثل أرمان ماتلار ودانيال بونيو وبيار بورديو، في كتابه "وسائل الاتصال الجماهيري والمجتمع" . من جهة أخرى كان لعبد الرحمان عزي وهو خريج الجامعات الأمريكية الفضل في إستهداف الموروث الإتصالي العربي الإسلامي من خلال قراءات سوسولوجية لعبد الرحمان ابن خلدون ومالك بن النبي ، هذا بالإضافة إلى كتاب عمر مهيبيل "إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة". وإذا ما أردنا فسح مجال أكثر لفرضيتنا لقلنا أنه منذ بداية التسعينات من القرن الماضي إمتدت تيارات التأصيل الفكري والتاريخي النظري في أدبيات الإتصال والإعلام في المنطقة العربية، ويمكن –والمجال لا يسمح-التوقف عند كل من تجربة صالح أبو أصبع وعصام سليمان موسي وكلاهما من الأردن : الأول كتب عن إبن خلدون أيضا والثاني خصنا بكتاب عن "العرب وثورة الاتصال" الأولى أي الكتابة، واجتهادات راسم الجمال من مصر عن الإعلام والاتصال في العالم العربي.
نعود إلى الجزائر وبشكل مقتضب وبالتحديد إلى جامعة الجزائز التي إشتغل بها المترجمان والتي تكاد تكون الجامعة الوحيدة في الوطن العربي التي لا يوجد بها قسم أو كلية للإعلام والإتصال بشكل منفرد. في جامعة الجزائر تعتبر علوم الإعلام والإتصال ملحقة بكلية العلوم السياسية ولازال قسم الإعلام يترعرع في ظل تخصصات وعلوم ضاربة في القدم وفي الصرامة الأكاديمية، كما أن الفضاء البحثي الذي تنمو فيه بحوث الإعلام والاتصال في جامعة الجزائر هو "المجلة الجزائرية للبحوث السياسية والإعلامية". في بقية الدول العربية ومنذ بداية التسعينات إتجهت كل أقسام الإعلام والاتصال إلى الاستقلالية الأكاديمية وهو إعلان على ميلاد قطيعة إبستمولوجية بين نظريات الإتصال والنظريات السياسية والإجتماعية وغدت تلك الكليات والأقسام عبارة عن مجموعة معلقة من المختبرات في فنون الملتميديا والإخراج والتصوير، فهي توشك أن تتحول إلى مراكز لتكوين الفنيين، فركنت الخلفية الأكاديمية بعيدا لصالح مرجعية تسييرية براغماتية تتستر وراء ثورة المعلومات والإتصال والعولمة وإحتياجات السوق وغيرها من الشعارات التي لا يستقيم لها حال عندما نغوص في ماهية العملية الإتصالية وصلاتها بالمجتمع والسياسة والاقتصاد وخاصة في الحالة العربية.
من هذا المنشأ ظهر نصر الدين لعياضي خريج الجامعة الفرنسية والصادق رابح وعبد الرحمان عزي وقبلهم إبراهيم الإبراهيمي ومعهم جيل كامل من الباحثين الشباب، وهو ما لم يقطع صلة هؤلاء بالتقاطعات الكبرى لعلوم الإعلام والإتصال من علوم إجتماعية وسياسية ونفسية وإقتصادية . في بقية الأقطار العربية تحيل القطيعة بين حقول المعرفة الكبرى وعلوم الإعلام والإتصال إلى قطيعة معرفية ونسف لمجمل المرجعيات التي على أساسها ظهرت ولازالت علوم الإعلام والإتصال والتي تعتبر وبشهادة الجميع أنها تخصص متعدد ومتداخل لا يمكن عزله عن محيطه السوسيولوجي والسياسي. أردنا في هذه المقدمة وقبل العودة إلى محاور وفصول الكتاب بيان أن هذا المؤلف المترجم وفي هذه الفترة أي 2006 له أكثر من دلالة فهو مؤشر على وجود حراك داخلي لعلوم الإعلام والاتصال في المنطقة العربية، ينزع إلى التأصيل ويبحث عن اعتراف أكاديمي ومعرفي.
2- العمق التأليفي :
نأتي إلى الكتاب والذي يمكن وصفه بالكتاب التأليفي فهو خلاصة لأهم الاتجاهات الفكرية والمعرفية التي على هديها أخذت علوم الإعلام والإتصال في الغرب صورتها الحالية وهي إحدى ركائز قوة الكتاب. ونعرف في مجال البحث العلمي الأكاديمي قيمة وعناء المغامرة التأليفية ومزاياها. ميزة الكتاب الثانية هو أنه جاء عبارة عن ذهاب وإياب بين المدرسة الإنجلوسكسونية ذات الأصول الأوروبية والمدرسة الأوروبية الصرفة. فنحن نعرف أن الحرب العالمية الثانية دفعت بخيرة النخب والباحثين الألمان والمجاورين لألمانيا وخاصة منهم اليهود إلى الهجرة لأمريكا والتفاعل مع إتجاهات جديدة هناك ليتركوا بصمات النزعة الأوروبية التجريدية والذهنية في مواجهة نزعة براغماتية إجرائية أمريكية في معالجة البحوث الإجتماعية. وهو ما يدفعنا إلى ضرورة التأكيد على وجود حالة من التداخل والغليان الفكري بين أغلب الاتجاهات البحثية في هذا التخصص وأن حدود التبان تبدو ضئيلة في أكثر من موضوع.
يحتوى الكتاب المترجم على سبعة فصول ومقدمة للمترجمين ومقدمة للمؤلفين وثبت للمصطلحات وترجمتها من اللغة العربية إلى الفرنسية هذا بالإضافة إلى قائمة ببليوغرافية غنية لكل باحث معنى بتاريخ وإمبستيمولوجيا نظريات الاتصال. في مقدمة الترجمة وضعا المترجمان وبإيجاز أكاديمي الإطار الذي تتنزل فيه هذه الترجمة والمكانة الأكاديمية والعلمية التي يتمتع بها أرمان متلار طيلة مسيرته البحثية والتي لا يمكن عزل نتائجها عن تحولات المشهد الإعلامي والاتصالي في دول الجنوب وبصفة خاصة في منطقة المغرب العربي. فقد عرفت كتابات أرمان متلار العديدة ذيوعا كبيرا وترجمت إلى لغات عدة مع بعض الإستثناءات العربية. فبالإضافة إلى عوامل عدة دفعت بالمترجمين إلى إختيار هذا المؤلف للترجمة، فهما يقدمان عاملا آخر يتمثل في ابتعاد كتابات ماتلار عن التجميع والتقرير، وتميزها بالشمولية، والتحليل النقدي "فمتلار لا يقف منددا بهذا التيار أو ذاك" . ويبدو أن السبب المباشر من وراء هذه المغامرة في الترجمة يعود بالأساس إلى "إمكانية أن تشكل نظريات الإتصال المدخل الصحيح لمناقشة الثقافة العربية، لأنها تسلح كل دارس بأدوات لإعادة النظر في ما يعتبر مسلمات، وتوجيه نظره إلى المسكوت عنه، وغير المفكر فيه، في زمن المطلق العربي الذي يأسر كل مسائلة" . لعل هذا هو أحد أسباب انشغالنا بعرض وتقديم مفردات هذا الكتاب كمساهمة في التعريف به، لأنه كتاب يتجاوز الاتصالي لنقد المعرفي الكامن فيه.
أما مقدمة المؤلفان فجاءت أكثر إيجازا وتمحورت حول الإشكالية القديمة المتجددة شرقا وغربا والتي أشرنا إليها، ألا وهي مفهوم الإتصال وعلميته. يقر المؤلفان بأن مفهوم الاتصال هو إحالة على دلالات عدة، وأن تعدد التقنية جعل من الإتصال قيمة محورية لمجتمعاتنا ونحن في بداية الأفية الثالثة. كما يقران أيضا بقاعدة ثانية تتمثل في أن علوم الإتصال هي من العلوم القليلة التي تتكثف وتتقاطع فيها مجموعة من العلوم، إذ يعتبر علما/ملتقى للكثير من التخصصات العلمية Interdisciplinary)) . ويقدم المؤلفان الهدف من مشروع هذا الكتاب "فهو يسعى إلى تعريف القارئ بالتعددية والإنشطارات/التوزع التي يعرفها هذا الحقل المعرفي، الذي يتموقع، تاريخيا، بين الشبكات المادية وغير المادية، بين البيولوجي والإجتماعي، بين الطبيعة والثقافة، بين الدراسات الشاملة والمحدودة، بين القرية والكرة الأرضية، بين الفاعل الإجتماعي والنسق الإجتماعي، بين الفرد والمجتمع، بين حرية الإختيار والحتميات الاجتماعية."
3- النظام الاجتماعي :
جاء عنوان الفصل الأول من كتاب أرمان وميشال متلار "تاريخ نظريات الاتصال" يحمل عنوان "النظام الاجتماعي" وهو عنوان به أكثر من دلالة فكرية، فقد دأبت المقاربات المهتمة بالتأريخ لنظريات الإتصال إلى إعتماد الخلفية التقنية في تتبع تبلور هذا الضرب من المعرفة وخاصة في الأدبيات الإنجلوسكسونية . فقد شهد القرن التاسع عشر ظهور الأنظمة التقنية الأساسية للاتصال، وتكريس مبدأ التبادل الحر، إذ يعتبر القرن الذي احتضن ميلاد رؤى وأفكارا تأسيسية ترى في الاتصال عامل اندماج وتواصل للمجتمعات الإنسانية. فقد تضمن مفهوم الاتصال، في نهاية القرن، فكرة إدارة التنوع الإنساني، بعد أن تمركز، في البداية، في مسألة الشبكات الفيزيائية (المادية)، وغدا أساسا لأيديولوجيا التقدم. وقد تم إستيحاء التصورات الأولى لـ"علم الاتصال" من الفكر الذي يرى في المجتمع كيانا عضويا، أو مجموعة أعضاء تؤدي وظائف متكاملة محددة بدقة. ويعتبر المؤلفان في هذا الفصل أن اكتشاف التبادلات والتمدد الاقتصادي القائم على قاعدتي "تقسيم العمل" وفكرة "الشبكة" والتكامل العضوي وتحديدا فكرة "المخيال الشبكي" (الهاتف، الإتصالات الإذاعية، الكابل التحتمائي...)، هذا بالإضافة إلى مفهوم التطور الذي أعتبر من المفاهيم المحورية المؤسسة لتحليل أنظمة الإتصالات. وفي سياق آخر تبدو إدارة التعدد القائمة على خلفية الإحصاء الأخلاقي والإنسان المتوسط من المحاور المستجدة في النظام الاجتماعي الجديد كما بشرت به الفلسفة الغربية في القرن التاسع عشر. ومن بين مميزات هذا النظام تبلور فكرة "سيكلوجيا الحشود" أو بالتعبير التجاري الحديث "الجمهور" والتي تزامن ظهورها مع النقاشات الواسعة حول الطبيعة السياسية للرأي العام الذي تم تحريره من الإكراهات التي كانت مفروضة على حرياته، ولا سيما حرية التجمع. فقد نجحت هذه العبارة|المفهوم وأسند لها مضمونها المعرفي كل من السوسيولوجي الإيطالي سيبيو سيغل والطبيب الفرنسي المختص بالأمراض النفسية غوستاف لوبان وقد تبنى كل منهما الرؤية القائلة بإمكانية التحكم التوجيهي التضليلي في المجتمع.
4- التصورات الإمبيريقية للعالم الجديد
ارتبط الاتصال في الولايات المتحدة منذ العقد الأول من القرن العشرين بمشروع بناء علوم اجتماعية مؤسسة على قواعد إمبيريقية، حيث مثلت "مدرسة شيكاغو" نقطة الانطلاق الأولى لهذا المشروع والذي تعتمد في قراءتها على المدينة بوصفها "صورة طيفية للمجتمع". فمقاربتها الميكروسويولوجية لدور أساليب الاتصال في تنظيم الجماعات البشرية تتناغم مع فكرها حول دور الأدوات العلمية المعرفية في الوصول إلى حلول للإختلالات الاجتماعية الكبرى . وقد سادت أطروحات هذه المدرسة إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. أما سنوات الأربعينات، فقد عرفت ظهور تيار جديد، اشتهر باسم "بحوث وسائل الاتصال"، وهو ينزع في قراءته للظواهر التي يدرسها إلى التحليل الوظيفي، معتمدا في مقاربته البحثية على الدراسات الكيفية التي رأى أنها أفضل الأدوات المنهجية في الاستجابة لما يطرحه القائمون على وسائل الإعلام. ويعالج الفصل الثاني "التصورات الإمبيريقية للعالم الجديد" المنهجية الإثنوغرافية (الدراسات الشاملة للأحياء، الملاحظة بالمشاركة...) التي تهتم بدراسة التفاعلات الاجتماعية التي أسست لظهور سوسيولوجيا فرعية مهتمة بالتجليات الذاتية للفاعل الاجتماعي. وقد تأثرت، في طرح هذا التوجه بالفلسفة البراغماتية/الذرائعية الأمريكية. ويمكن في هذا السياق التوقف عند أعمال عالم الرياضيات والمنطق تشرلز بيرس مؤسس البراغماتية والسيميائية كمنهجية استجلاء مفاهيمي في وضع أسس نظرية العلامات أو السيميائية.
في مقاربة تاريخية يذهب الباحثان إلى أن ظهور المفاهيم الأولى لتيار بحوث وسائل الاتصال الجماهيري يعود إلى سنة 1927، ويعتبر كتاب هارولد لاسوال (1902-1978) "تقنيات الدعاية خلال الحرب العالمية" من المؤلفات الأولى التي قدمت قراءة لحرب 1914-1918 الموصوفة بالحرب الشاملة. فقد أظهرت الحرب أن وسائل الاتصال قد غدت أدوات ضرورية في إدارة الرأي العام من طرف الحكومات، سواء تعلق الأمر بالرأي الموجود في الدول الحليفة أو في الدول المناوئة. وقد عرفت تقنيات الاتصال في هذه الفترة مثل التلفون والسينما والإذاعة قفزات كبرى لم تعرفها من قبل. واعتبر لاسوال أن الدعاية تتناغم مع الديمقراطية، فهي تمثل الوسيلة الوحيدة في خلق الانتماء والولاء لدى الجماهير إضافة على كونها تمثل أكثر اقتصادية من العنف، والفساد والتقنيات الأخرى من هذا النوع، وقد أصبح يطلق على هذا الأسلوب في الاتصال في بعض أدبيات السياسة الأمريكية اليوم ب"القوة الناعمة" (Soft power).
من ؟ ماذا يقول ؟ من خلال أية قناة ؟ لمن ؟ وبأي أثر ؟ إنها كما يقول المؤلفان الصياغة التي خلقت شهرة لاسوال، التي تبدو لأول وهلة خالية من الغموض. فلقد توصل لاسوال سنة 1948 إلى تزويد السوسيولوجيا الوظيفية لوسائل الإعلام بإطار مفاهيمي، بعد أن ظلت لسنوات عديدة لا تتجاوز مجموعة من دراسات الحالة. وعند ترجمتها إلى أقسام بحثية يمكن استخراج الفروع التالية : "تحليل التحكم والرقابة"، "تحليل المحتوى"، "تحليل وسائل الإعلام أو الحوامل"، دراسة الجمهور" ، و"دراسة التأثيرات".
5- نظرية المعلومات
ضمن سياقات ديناميكية تميزت بالحرص على نقل النماذج العلمية الخاصة بالعلوم الدقيقة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، لعبت نظرية المعلومات، منذ نهاية الأربعينات، دورا مركزيا في هذا التوجه . فقد حصلت فكرة "المعلومات" اعتمادا على الآلات الاتصالية التي أفرزتها الحرب، على شرعيتها النهائية باعتبارها رمزا يمكن إخضاعه للتكميم (من كمية)، وقد مكنها هذا التموضع الجديد من أن تصبح أداة ربط أساسية تضمن تبادلا مفاهيميا حرا بين التخصصات.
وفي سياق عرض دلالة المعلومات والنسق في محاولة لأرخنة نظريات الاتصال وتحديدا عند الحديث عن "النموذج الشكلي" نشر الأمريكي كلود إيلوود شانون سنة 1948 دراسة تفصيلية بعنوان "النظرية الرياضية للاتصال"، وذلك في إطار منشورات بحوث مختبرات "بال سيستم Ball System" أحد فروع مؤسسة الإتصالات الأمريكية المعروفة باسم "أ-ت-تTelephone ATT: Americain telegraph". في السنة اللاحقة تحولت هذه الدراسة إلى كتاب طبعته جامعة إيلنوا، متضمنا تعليقات وشروحات وارن ويفر منسق البحوث حول الحاسبات الآلية الكبيرة خلال الحرب العالمية الثانية.
واقترح شانون بنية "نظام عام للاتصال"، إذ كتب مشيرا إلى أن مشكلة الاتصال، بالنسبة له تكمن في إعادة إنتاج رسالة ما بطريقة دقيقة أو تقريبية من نقطة ما مختارة إلى نقطة أخرى. ففي هذه البنية الخطية، حيث تحدد الأقطاب مصدرا ونهاية، يرتكز الاتصال على المكونات الآتية : المصدر (Source) أي المعلومة الذي يقوم ببث الرسالة (الحديث الهاتفي)، المشفر (Encoder) أو المرسل الذي يقم بتحويل الرسالة (Message) إلى إشارات قابلة للإرسال (يقوم الهاتف بتحويل الصوت إلى ذبذبات كهربائية)، والقناة (Channel)، وهي الوسيلة المستخدمة في نقل الإشارات (الكابل الهاتفي)، ومفسر الشيفرة (Decoder) أو المتلقي، الذي يقوم بإعادة بناء الرسالة بالاعتماد على الإشارات، وأخيرا الوجهة (destination)، وهي الشخص أو الشيء الذي تنقل إليه الرسالة. إن هدف شانون من هذا النموذج هو رسم الإطار الرياضي الذي يمكننا من حساب تكلفة رسالة ما، أو اتصال ما بين وحدات هذا النظام في سياق اضطرابات عشوائية غير مرغوب فيها أطلق عليها تسمية " التشويش" ويحيل التشويش كما يرى شانون على كل ما يمكن أن يمنع التوافق أو التناغم بين القطبين. فإذا ما أردنا تخفيف التكلفة إلى حدودها الدنيا، وجب علينا نقل الإشارات المناسبة بأقل التكاليف.
أما فيما يتعلق بالمرجعية السيبرنيطيقية فقد نشر نوربرت وينر أستاذ شانون كتابه "السيبرنيطيقا أو التحكم والاتصال عند الحيوان والآلة" وقد ضمنه رؤية لمسألة التنظيم داخل المجتمع المستقبلي القائمة على مادة أولية جديدة ستظهر قريبا وتتمثل حسب رأيه، في "المعلومة". وبالرغم من أنه دعا بكل قوة إلى تخليق هذا النموذج الأعلى لـ"مجتمع المعلومات"، هذه "الطوباوية الجديدة"، إلا أنه حذر في نفس الوقت من مخاطر الانحرافات التي قد يحملها. فالتدهور، كالنزوع للطبيعة على تدمير ما هو منظم وتسريع ظاهرة التخريب البيولوجي والفوضى الاجتماعية، يمثل الخطر الأعظم الذي يجب تحاشيه وقد كتب وينر بهذا الخصوص "إن مجموع المعلومات في نظام ما هو مقياس درجة تنظيمه، والتدهور هو مقياس درجة فوضويته، حيث أن كل منهما يمثل الوجه السلبي للآخر".
ظهرت خلال الأربعينات من القرن الماضي جماعة من الباحثين الأمريكيين من مشارب أكاديمية مختلفة بينهم أنثروبولوجيين (علماء أناسة) وعلماء ألسنية، ورياضيات وسوسيولوجيا وعلم النفس، وقد اتخذت نهجا معاكسا للنظرية الرياضية لشانون التي بدأت في الطريق إلى فرض نفسها كمرجعية مركزية. بدأ تاريخ هذه المجموعة والتي عرفت باسم "المجمع الخفي" أو مدرسة "بالو ألتو" نسبة إلى مدينة صغيرة في إحدى الضواحي الجنوبية لسان فرنسيسكو في سنة 1942 بمشاركة غوفمان Goffman وواتزلويك Watzlawick. لقد تركت الجماعة النموذج الخطي للاتصال لشانون، وتبنت النموذج الدائري الارتدادي الذي اقترحه وينر، إذ اعتبرت أنها أولى بالنظرية الرياضية، وأن الاتصال يجب أن يكون حقل دراسات العلوم الاجتماعية بناء على نموذج خاص بها.
6- الصناعة الثقافية، الأيديولوجيا والسلطة
درست السوسيولوجيا الوظيفية وسائل الإعلام بوصفها أدوات جديدة للديمقراطية الجديدة، وآلية مركزية في تنظيم المجتمع. وصاغت في هذا السياق نظرية تعطى الأولوية لمسألة إعادة إنتاج القيم المجتمعية للنظام، أي الأوضاع الاجتماعية القائمة. في المقابل فإن المدارس الفكرية النقدية سعت إلى مساءلة نتائج تطور وسائل الإنتاج والبث الثقافي هذه، رافضة أن تأخذ بمسلمة أن التجديدات التقنية ستؤدى، حتما إلى تدعيم الديمقراطية. إن الرؤية التي روج لها التحليل الوظيفي والتي ترى في وسائل الاتصال ميكانيزمات تنظيمية ضبطية تعرضت بدورها لقراءات نقدية باعتبار أن وسائل الاتصال أصبحت تشكل مصدرا للعنف الرمزي والقهر والتضليل والتسلط والسيطرة. منذ الأربعينات أبدى فلاسفة مدرسة فرنكفورت الذين يستوحون رؤيتهم من فلسفة متجددة وفي قطيعة مع الفلسفة الماركسية التقليدية، قلقهم على مستقبل الثقافة وهم في منفاهم بالولايات المتحدة. وبعد عشرين سنة ولدت الحركة البنيوية في فرنسا، معارضة المنهج الإمبريقي بإعادة اكتشاف الأيديولوجيا. أما في بريطانيا فقد استحدثت جماعة برمنغام (Birmingaham) خلال الستينات محور الدراسات الثقافية (Cultural Studies).
استحدث أدورنو وهوركهايم، في منتصف الأربعينات مصطلح "الصناعات الثقافية" إذ قدما دراسة نقدية للإنتاج الصناعي للمواد الثقافية باعتبارها ظاهرة شاملة تهدف إلى تحويل الإنتاج الثقافي إلى سلع. فالمنتجات الثقافية من مجلات وأفلام وبرامج إذاعية تحيل على نفس العقلانية التقنية، ونفس الصيغ التنظيمية والتخطيط الإداري المتبع في الإنتاج الصناعي للسيارات أو المشاريع الحضرية : "لقد تم الإعداد لكل شيء مسبقا، ليجد كل فرد ما يناسبه، بحيث لا يستطيع أحد الفكاك". فكل قطاع إنتاجي يماثل القطاعات الأخرى، وهي بدورها متطابقة بالنظر إلى بعضها البعض. ذلك أن الحضارة المعاصرة تضفي على كل شيء مسحة تماثلية تطابقية. فالصناعة الثقافية توصل بضائعها المتماثلة إلى أي مكان، ملبية حاجات كبيرة ومتنوعة، ومعتمدة على معايير إنتاجية موحدة في إشباع هذه الطلبات. ومن خلال نمط صناعي في الإنتاج نحصل على ثقافة جماهيرية مكونة من سلسلة من الأشياء التي تحمل، بكل تأكيد بصمة الصناعة الثقافية : إنتاج غزير-تماثل معياري-تقسيم عمل. هذه الوضعية ليست نتيجة قانون يخضع له التطور التكنولوجي، بل مردها إلى وظيفة التكنولوجيا في الاقتصاد الحالي ،"إن العقلانية التقنية، حاليا، هي عقلنية السيطرة ذاتها. فالميدان الذي تتمتع فيه التقنية بسلطة كبيرة على المجتمع، هو ميدان أولائك الذين يسيطرون عليها اقتصاديا". إن العقلانية التقنية هي "الخاصية القسرية" للمجتمع المغترب عن ذاته. إن الصناعة الثقافية هي علامة واضحة على إفلاس الثقافة أي سقوطها في السلعنة (التسليع). ذلك أن تحويل الفعل الثقافي إلى قيمة تبادلية يقضي على قوته النقدية ويحرمه من أن يكون أثرا لتجربة أصيلة. فالصناعة الثقافية هي العلامة الفاصلة على تراجع الدور الفلسفي/الوجودي للثقافة.
إن العمل الذي بدأته "مدرسة فرنكفورت" على المستوى الفلسفي ثم السوسيولوجي، وإن كان أقل شأنا من المستوى الأول (نظرية الثقافة الجماهيرية والدراسات حول الشخصية التسلطية)، فقد أكمله هابرماس في مؤلفه "الفضاء العمومي"، وذلك بالتركز على استعادة وبناء الإطار التاريخي الذي شهد تراجع هذا الفضاء، بعد أن عرف توهجه مع تشكل "الرأي العام" في إنجلترا في نهاية القرن السابع عشر، ثم في فرنسا في القرن الذي تلاه. إن الفضاء العمومي أو كما يحبذه البعض "بالمجال العمومي" والذي يتسم بكونه فضاء للتوسط بين الدولة والمجتمع، يسمح بالمناقشات العامة المؤسسة على الاعتراف الجماعي بفضائل العقل وقوته وخصوبة التبادل القائم على الحجة بين الأفراد، وتصارع الأفكار والآراء المستنيرة. فمبدأ الإعلان يقوم عل أساس أنه أتاح الفرصة للرأي العام للإطلاع على المعلومات التي تخص المصلحة العامة. لكن تطور قوانين السوق، وتسربها إلى فضاء الإنتاج الثقافي جعلاها تستبدل التَفكُر، هذا المبدأ القائم على الإعلان والتواصل الجماعي بنموذج تجاري"لتصنيع الرأي". وقد رأي هابرماس في هذه النزعة ما سماه "رؤية إقطاعية جديدة للمجتمع". وهو بهذا الطرح يتبنى أطروحات أدورنو وهوركهايمر حول تضليل الرأي العام، والتماثل، والتحشيد وتجزئة الجمهور، فالفرد ينزع إلى أن يكون مستهلكا ذا سلوكيات عاطفية وهتافية احتفالية، أما الاتصال العمومي فإنه ينحلُ في مواقف تلقي محكومة بعزلة الفرد، موصوفة دائما بكونها مقبولة.
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
يُعد التوسع الديموغرافي وتغير أنماط الحياة الحديثة, وسرعة إيقاعها, وتقدّم وازدهار الصناعات والسلوك ا...
مقدمة يُعدّ ال...مقدمة يُعدّ الفساد من أخطر الظواهر التي تهدد استقرار الدول، إذ لا تقتصر آثاره على تبديد الأموال الع...
أولًا: أزمة الم...أولًا: أزمة المرفق العام وأسباب قصور المبادئ التقليدية: 1. مفهوم أزمة المرفق العام والتحول في معياره...
نتائج هذه الدرا...نتائج هذه الدراسة مع خاتمة لها : ( دراسة مقارنة في المنهج ، في كيفية تفسير كل من الإمامين الجليلين ل...
فال تستق ر الحق...فال تستق ر الحقائق من الحدس وااللهام ، قوم فكرة الفلسفة الواقعية عىل ان مصدر كل الحقائق هو هذا العا...
أفادت مصادر عسك...أفادت مصادر عسكرية وميدانية بإستشهاد أربعة قياديين بارزين في القوات المسلحة اليمنية، إلى جانب عدد من...
واسمه العلمي In...واسمه العلمي Inia geoffrensis، ويُعرف أيضًا بدلفين الأمازون أو البوتو، هو أحد أنواع الدلافين النهرية...
الدلفين الوردي،...الدلفين الوردي، واسمه العلمي _Inia geoffrensis_، ويُعرف أيضًا بدلفين الأمازون أو البوتو، هو أحد أنوا...
Introduction Ap...Introduction Appréciée par certains, redoutée par d'autres, la communication orale peut être très ut...
تؤثر سهولة استخ...تؤثر سهولة استخدام المتجر ووضوح الأسعار وخيارات الدفع والتوصيل وسرعة الاستجابة للاستفسارات في رضا ال...
إن الرؤية التي ...إن الرؤية التي انطلق منها هذا الحدث ترتكز على إزالة العوائق النفسية والبيئية والمكانية التي تواجه أص...
Hormones act on...Hormones act on target glands or tissues and influence cellular activity, growth and maturation. The...