لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (100%) تلخيص بواسطة الذكاء الاصطناعي
شكل منتدى تفكيك الاستعمار العالمي الذي انعقد في إسطنبول الأسبوع الماضي حدثاً استثنائياً يتجاوز مجرد كونه ملتقى دولياً اعتيادياً. فالمسألة التي طرحت للنقاش لم تكن مقتصرة على النظريات الأكاديمية أو سرديات استعمارية من الماضي، بل تمحورت حول الأزمات الأخلاقية والمعرفية التي ينجرف إليها العالم الحديث، وكيف ستعيد الإنسانية بناء نفسها في المرحلة المقبلة.
وليس من المصادفة أن يُنظم هذا المنتدى في إسطنبول، فلطالما كانت المدينة عبر التاريخ نقطة التقاء للحضارات وتفاعلاً لتقاليد معرفية متعددة، وترشيحها اليوم لتكون مجدداً مركزاً معرفياً عالمياً هو امتداد لذاكرتها التاريخية العميقة. كان من أبرز جوانب المنتدى اللافتة جمعه هذا العدد الكبير من الشخصيات البارزة من مختلف مناطق العالم، ممن لديهم دراسات ومواقف ورؤى حول قضايا تفكيك الاستعمار. فقد دارت أطروحات رموز مثل والتر منيولو، وسلمان سيد، وسيد فريد العطاس، وآن نورتون، وإبراهيم موسى، وسامي العريان، وفرانسوا بورغا حول سؤال مشترك: هل العالم الحديث عالمي بالفعل، أم أنه شكل من أشكال الهيمنة الكبرى التي يفرض الغرب من خلالها تجربته التاريخية الخاصة على البشرية جمعاء؟
إن هذا السؤال لم يعد اليوم مجرد سؤال نظري، فما جرى ويجري في غزة يطرحه أمام الإنسانية بكل وضوح وجلاء. اللغة التي شيدها العالم الحديث باسم "حقوق الإنسان العالمية" و"القانون الدولي" و"الحضارة" و"الحرية" و"الديمقراطية" تعرضت لانهيار كبير أمام المجازر المرتكبة في غزة. وإذا كانت حياة الأطفال الذين يُقتلون في فلسطين لا تُعد مساوية في القيمة لحياة الإنسان الغربي، فإن المسألة هنا لا تقتصر على ازدواجية سياسية في المعايير، بل تكشف أيضاً عن تراتبية معرفية.
لعل أبرز ما ميز المنتدى يتمثل في هذه النقطة: التأكيد على أن تفكيك الاستعمار لا يعني الاستقلال السياسي فحسب، بل الاستقلال الذهني والمعرفي أيضاً. وجاءت الكلمة الافتتاحية للدكتورة إسراء البيرق، التي كانت من الأسماء الرائدة في تنظيم المنتدى، بمثابة بيان فكري يحدد روح المنتدى ويطرح رؤية مهمة حول مفهوم تفكيك الاستعمار. لم تكن مجرد خطاب سياسي انفعالي يكرر النقد التقليدي للغرب، بل كانت مساءلة فلسفية وسوسيولوجية عميقة لأسس تشكل المعرفة الحديثة.
وقد لخصت عبارتها القائلة إن "أكبر أوهام الفلسفة الغربية الحديثة هو كبرياء نقطة الصفر" البنية النظرية الأساسية للمشكلة، وتعني بـ"كبرياء نقطة الصفر" تقديم الحداثة الغربية نفسها دائماً بوصفها عقلاً محايداً مجرداً من التاريخ والمكان. فخلال هذه المرحلة التي بدأت مع مقولة ديكارت "أنا أفكر إذن أنا موجود"، جرى تجريد الذات المنتجة للمعرفة من جسدها، ثم جاءت الفلسفات والعلوم التي تشكلت باسم العلموية والتنوير والوضعية لتضع نفسها في موقع موضوعية متعالية على التاريخ والمجتمع والجسد، فيما يمكن تسميته بـ"كبرياء نقطة الصفر". بيد أن المعرفة تولد دائماً من جغرافيا وتجربة تاريخية معينة وجسد فردي وعلاقات القوة التي تنتجها.
وكانت الأمثلة التي قدمتها إسراء البيرق، من لينيوس إلى هيغل، ومن كانط إلى فرانسيس غالتون، بالغة الأهمية. فالأسماء المؤسسة لتاريخ العلم الحديث قد أرست في الوقت نفسه البنية التحتية الذهنية للاستعمار. ففي فلسفاتهم جرى تصنيف البشرية ضمن تراتبية هرمية، حيث قُدمت الذات الأوروبية بوصفها "الإنسان الكوني"، بينما نُظر إلى المجتمعات الأخرى باعتبارها أشكالاً ناقصة من الإنسانية. وفي هذا السياق، أشارت البيرق إلى أن كثيراً من الأسماء المؤسسة للفكر الغربي، التي لا تزال تحظى بإعجاب واسع داخل أوساطنا الأكاديمية والفكرية، يتم التغاضي عن جوانبها المرتبطة بهذه التراتبية، وكأنها تفاصيل هامشية؛ فمثلاً يغض الطرف عن كون كانط قد ألقى محاضرات حول التراتبية العرقية، أو عن إعلان هيغل في فلسفته أن أفريقيا قارة بلا تاريخ. وهذا بحد ذاته يمثل أحد أكثر أشكال الاستعمار الذاتي استبطاناً.
إن ما يطلق عليه والتر منيولو "العصيان المعرفي"، أي رفض قراءة العالم حصراً عبر مفاهيم الغرب، يكتسب أهمية كبيرة. كما يمكن فهم دراسات سلمان سيد حول "إعادة تموضع الهوية الإسلامية كذات سياسية" ضمن الإطار نفسه؛ لأن القضية الجوهرية في تفكيك الاستعمار لا تتعلق فقط بالاستقلال الاقتصادي، بل بقدرة الإنسان على التحدث باسمه. وطوال المنتدى، تكررت فكرة محورية مفادها أن أزمة العالم الحديث لم تعد أزمة اقتصادية أو عسكرية فحسب، بل أصبحت أزمة معنى. فالإنسانية تفقد ثقتها بالمفاهيم التي تعرف نفسها من خلالها، وكانت غزة المرآة الأوضح التي كشفت ذلك.
ولهذا السبب كان تركيز البيرق على قضية غزة في خطابها محورياً، غير أن الأهم كان تأكيدها على أن تحقيق العدالة المعرفية لا يمكن أن يتم من دون امتلاك القوة وتحقيق العدالة الاقتصادية أيضاً. كما قالت: "إن غزة جعلت الشرعية الأخلاقية للنظام الدولي القائم موضع مساءلة"، لأن أبرز مؤسسات العالم الحديث، من الجامعات إلى محاكم حقوق الإنسان، انزلقت اليوم إلى موقع يناقض المبادئ التي قامت عليها أساساً.
وبسبب ارتباط الكاتب ببرنامج آخر، لم يتمكن من متابعة جلسات اليوم الأول إلا بالقدر الذي نقلته وسائل الإعلام، لكنه يرى أن الجانب الأكثر إثماراً يتمثل في أن لغة المنتدى لم تكن متشائمة، بل على العكس، كان هناك بحث عن إمكان جديد. وفي هذا السياق، يمكن القول إن المقاربة التي طرحتها إسراء البيرق تحت مسمى "منظور إسطنبول" ستترك بصمتها على الخطاب المستقبلي حول تفكيك الاستعمار. فهذا التصور لا يقترح استبدال الغرب بمركز بديل، بل بناء عالم متعدد المراكز، وربما بلا مركز أصلاً؛ عالم تستطيع فيه جاكرتا، والرباط، والقاهرة، وأديس أبابا، وسراييفو، وإسطنبول، وحتى غزة، أن تقدم إسهاماً للبشرية عبر تقاليدها المعرفية الخاصة.
وهذه الفكرة تنسجم إلى حد كبير مع الخطاب التركي في السياسة الخارجية ومفهوم الحضارة الذي تطور خلال السنوات الأخيرة. فالدور الذي تؤديه تركيا اليوم في النظام الدولي لا يقتصر على البعد الجيوسياسي، بل باتت تدريجياً تمثل حاملة لاعتراض ذي طابع معرفي. ولهذا فإن مقولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "العالم أكبر من خمسة" ليست مجرد دعوة إلى إصلاح دبلوماسي، بل تمثل تحدياً للتراتبية أحادية المركز في العالم الحديث. فكما هو الحال في مجلس الأمن، يخضع العالم اليوم في إنتاج المعرفة والنظام الإعلامي ومجال التكنولوجيا أيضاً لهيمنة عدد محدود من المراكز.
من هذا المنظور، كانت النقاشات حول الذكاء الاصطناعي والاستعمار الرقمي في المنتدى بالغة الأهمية. وقد كان تشبيه إسراء البيرق بأن «روبنسون كروزو الجديد يصل إلى عقول أطفالنا» لافتاً للغاية؛ لأن الاستعمار اليوم لم يعد قائماً على احتلال الأرض فقط، بل بات يعمل عبر البيانات والخوارزميات والمنصات الرقمية والتوجيه الثقافي. فما هي اللغات التي تُدرَب بها نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى؟ وما هي السرديات التاريخية المركزية؟ وأي الآلام تُجعل مرئية وأيها تُخفى؟ كل ذلك يدخل ضمن علاقات القوة المعرفية. ولعل "منظور إسطنبول" يحول هذا الاعتراض، لأول مرة، من مجرد رد فعل دفاعي إلى تصور لعالم جديد.
إن الدور الذي تؤديه تركيا هنا لا يقتصر على إنتاج خطاب نقدي أو انفعالي أو باكٍ، بل يتمثل في محاولة إنتاج بديل. فالعديد من المبادرات، بدءاً من خطوات التوطين في الصناعات الدفاعية إلى الشبكات الإعلامية، ومن المؤسسات التعليمية إلى الإنتاج الثقافي، هي في الواقع أجزاء من الاستقلال المعرفي، لأن المجتمعات التي لا تستطيع إنتاج تكنولوجيتها ومفاهيمها وسرديتها الخاصة، سيظل استقلالها السياسي ناقصاً أيضاً.
لكن بلا شك، لا يزال الخطاب الرسمي حول التاريخ والهوية في تركيا يحمل آثاراً عميقة من الاستعمار. فالحدود العنصرية التي وُضعت قبل 120 عاماً كحلقة من حلقات الاستعمار بين الشعوب التركية والعربية والكردية، تستمر في أداء وظيفتها اليوم داخل عقول هذه الشعوب بوصفها حراساً أو سجانين معرفيين للاستعمار. وما زال هناك طريق طويل يجب قطعه في هذا الصدد. وفي هذا السياق، يبدو انعقاد ندوة "الاستغراب" التي تنظمها جامعة سيرت للمرة الثانية، بعد يوم واحد من انعقاد منتدى تفكيك الاستعمار في إسطنبول، توافقاً ذا دلالة لافتة، فكما هو معروف، فإن الاستغراب بوصفه استجابة معرفية لتفكيك الاستعمار يواصل طرح الإشكالات ذاتها.
النص الأصلي
إن منتدى تفكيك الاستعمار العالمي الذي انعقد في إسطنبول خلال الأسبوع الماضي، شكل حدثا يتجاوز بكثير حدود كونه مجرد ملتقى دولي اعتيادي شهدته تركيا في السنوات الأخيرة.
فالمسألة التي طُرحت للنقاش لم تكن مجرد نظرية أكاديمية أو سرديات استعمارية من الماضي، بل تمحورت حول الأزمات الأخلاقية والمعرفية التي ينجرف إليها العالم الحديث، وبأي مفاهيم ستعيد الإنسانية بناء نفسها في المرحلة المقبلة.
ولهذا تحديدا لا ينبغي النظر إلى تنظيم هذا المنتدى في إسطنبول بوصفه مجرد مصادفة. فإسطنبول لم تكن عبر التاريخ مدينة عادية، بل شكلت نقطة التقاء للحضارات وتفاعلٍ لتقاليد معرفية متعددة. أما ترشيحها اليوم لتكون مجددا واحدة من المراكز المعرفية العالمية، فهو امتداد لذاكرتها التاريخية العميقة.
ومن أبرز الجوانب اللافتة للانتباه في المنتدى هو جمعه هذا العدد الكبير من الشخصيات البارزة القادمة من مناطق مختلفة من العالم، ممن لديهم دراسات ومواقف ورؤى حول قضايا تفكيك الاستعمار.
فقد كانت أطروحات رموز مثل والتر منيولو، وسلمان سيد، وسيد فريد العطاس، وآن نورتون، وإبراهيم موسى، وسامي العريان، وفرانسوا بورغا تدور حول سؤال مشترك: هل العالم الحديث عالمي بالفعل، أم إنه شكل من أشكال الهيمنة الكبرى التي يفرض من خلالها الغرب تجربته التاريخية الخاصة على البشرية جمعاء؟
إن هذا السؤال لم يعد اليوم بلا شك مجرد سؤال نظري فحسب، فما جرى ويجري في غزة يطرح هذا السؤال أمام الإنسانية بكل وضوح وجلاء.
فاللغة التي شيدها العالم الحديث باسم "حقوق الإنسان العالمية" و"القانون الدولي" و"الحضارة" و"الحرية" و"الديمقراطية" تعرضت لانهيار كبير أمام المجازر المرتكبة في غزة.
وإذا كانت حياة الأطفال الذين يُقتلون في فلسطين لا تُعد مساوية في القيمة لحياة الإنسان الغربي، فإن المسألة هنا لا تقتصر على ازدواجية سياسية في المعايير، بل تكشف أيضا عن تراتبية معرفية.
إعلان
ولعل أبرز ما ميز المنتدى يتمثل تحديدا في هذه النقطة: التأكيد على أن تفكيك الاستعمار لا يعني الاستقلال السياسي فقط، بل الاستقلال الذهني والمعرفي أيضا.
وجاءت الكلمة الافتتاحية للدكتورة إسراء البيرق، التي كانت من الأسماء الرائدة في تنظيم المنتدى، بمثابة بيان فكري يحدد روح المنتدى ويطرح رؤية مهمة حول مفهوم تفكيك الاستعمار، إذ لم تكن مجرد خطاب سياسي انفعالي يكرر النقد التقليدي للغرب، بل كانت مساءلة فلسفية وسوسيولوجية عميقة لأسس تشكل المعرفة الحديثة.
وقد لخصت عبارتها القائلة إن "أكبر أوهام الفلسفة الغربية الحديثة هو كبرياء نقطة الصفر" البنية النظرية الأساسية للمشكلة، وتعني بـ"كبرياء نقطة الصفر"، هو تقديم الحداثة الغربية نفسها دائما بوصفها عقلا محايدا مجردا من التاريخ والمكان.
فخلال هذه المرحلة التي بدأت مع مقولة ديكارت "أنا أفكر إذن أنا موجود"، جرى تجريد الذات المنتجة للمعرفة من جسدها، ثم جاءت الفلسفات والعلوم التي تشكلت باسم العلموية والتنوير والوضعية لتضع نفسها في موقع موضوعية متعالية على التاريخ والمجتمع والجسد، فيما يمكن تسميته بـ"كبرياء نقطة الصفر".
بيد أن المعرفة تولد دائما من جغرافيا وتجربة تاريخية معينة وجسد فردي وعلاقات القوة التي تنتجها.
وكانت الأمثلة التي قدمتها إسراء البيرق، من لينيوس إلى هيغل، ومن كانط إلى فرانسيس غالتون، بالغة الأهمية. فالأسماء المؤسسة لتاريخ العلم الحديث قد أرست في الوقت نفسه البنية التحتية الذهنية للاستعمار.
ففي فلسفاتهم جرى تصنيف البشرية ضمن تراتبية هرمية، حيث قُدمت الذات الأوروبية بوصفها "الإنسان الكوني"، بينما نظر إلى المجتمعات الأخرى باعتبارها أشكالا ناقصة من الإنسانية.
وفي هذا السياق، أشارت البيرق إلى أن كثيرا من الأسماء المؤسسة للفكر الغربي، التي لا تزال تحظى بإعجاب واسع داخل أوساطنا الأكاديمية والفكرية، يتم التغاضي عن (جوانبها المرتبطة بهذه التراتبية)، وكأنها تفاصيل هامشية؛ فمثلا يغض الطرف عن كون كانط قد ألقى محاضرات حول التراتبية العرقية، أو عن إعلان هيغل في فلسفته أن أفريقيا قارة بلا تاريخ. وهذا بحد ذاته يمثل أحد أكثر أشكال الاستعمار الذاتي استبطانا.
إن ما يطلق عليه والتر منيولو "العصيان المعرفي"، أي رفض قراءة العالم حصرا عبر مفاهيم الغرب، يكتسب أهمية كبيرة. كما يمكن فهم دراسات سلمان سيد حول "إعادة تموضع الهوية الإسلامية كذات سياسية" ضمن الإطار نفسه؛ لأن القضية الجوهرية في تفكيك الاستعمار لا تتعلق فقط بالاستقلال الاقتصادي، بل بقدرة الإنسان على التحدث باسمه.
وطوال المنتدى، تكررت فكرة محورية مفادها أن أزمة العالم الحديث لم تعد أزمة اقتصادية أو عسكرية فحسب، بل أصبحت أزمة معنى. فالإنسانية تفقد ثقتها بالمفاهيم التي تعرف نفسها من خلالها، وكانت غزة المرآة الأوضح التي كشفت ذلك.
ولهذا السبب كان تركيز البيرق على قضية غزة في خطابها محوريا، غير أن الأهم كان تأكيدها على أن تحقيق العدالة المعرفية لا يمكن أن يتم من دون امتلاك القوة وتحقيق العدالة الاقتصادية أيضا.
إعلان
كما قالت: "إن غزة جعلت الشرعية الأخلاقية للنظام الدولي القائم موضع مساءلة"، لأن أبرز مؤسسات العالم الحديث، من الجامعات إلى محاكم حقوق الإنسان، انزلقت اليوم إلى موقع يناقض المبادئ التي قامت عليها أساسا.
وبسبب ارتباطي ببرنامج آخر، لم أتمكن من متابعة جلسات اليوم الأول إلا بالقدر الذي نقلته وسائل الإعلام، لكني أرى أن الجانب الأكثر إثمارا يتمثل في أن لغة المنتدى لم تكن متشائمة، بل على العكس، كان هناك بحث عن إمكان جديد.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن المقاربة التي طرحتها إسراء البيرق تحت مسمى "منظور إسطنبول" ستترك بصمتها على الخطاب المستقبلي حول تفكيك الاستعمار.
فهذا التصور لا يقترح استبدال الغرب بمركز بديل، بل بناء عالم متعدد المراكز، وربما بلا مركز أصلا؛ عالم تستطيع فيه جاكرتا، والرباط، والقاهرة، وأديس أبابا، وسراييفو، وإسطنبول، وحتى غزة، أن تقدم إسهاما للبشرية عبر تقاليدها المعرفية الخاصة.
وهذه الفكرة- كما يمكن تذكرها- تنسجم إلى حد كبير مع الخطاب التركي في السياسة الخارجية ومفهوم الحضارة الذي تطور خلال السنوات الأخيرة. فالدور الذي تؤديه تركيا اليوم في النظام الدولي لا يقتصر على البعد الجيوسياسي، بل باتت تركيا تدريجيا تمثل حاملة لاعتراض ذي طابع معرفي.
ولهذا فإن مقولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "العالم أكبر من خمسة" ليست مجرد دعوة إلى إصلاح دبلوماسي، بل تمثل تحديا للتراتبية أحادية المركز في العالم الحديث.
فكما هو الحال في مجلس الأمن، يخضع العالم اليوم في إنتاج المعرفة والنظام الإعلامي ومجال التكنولوجيا أيضا لهيمنة عدد محدود من المراكز.
ومن هذا المنظور، كانت النقاشات حول الذكاء الاصطناعي والاستعمار الرقمي في المنتدى بالغة الأهمية. وقد كان تشبيه إسراء البيرق بأن «روبنسون كروزو الجديد يصل إلى عقول أطفالنا» لافتا للغاية؛ لأن الاستعمار اليوم لم يعد قائما على احتلال الأرض فقط، بل بات يعمل عبر البيانات والخوارزميات والمنصات الرقمية والتوجيه الثقافي.
فما هي اللغات التي تُدرَب بها نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى؟ وما هي السرديات التاريخية المركزية؟ وأي الآلام تُجعل مرئية وأيها تُخفى؟ كل ذلك يدخل ضمن علاقات القوة المعرفية.
ولعل "منظور إسطنبول" يحول هذا الاعتراض، لأول مرة، من مجرد رد فعل دفاعي إلى تصور لعالم جديد.
إن الدور الذي تؤديه تركيا هنا لا يقتصر على إنتاج خطاب نقدي أو انفعالي أو باكٍ، بل يتمثل في محاولة إنتاج بديل. فالعديد من المبادرات، بدءا من خطوات التوطين في الصناعات الدفاعية إلى الشبكات الإعلامية، ومن المؤسسات التعليمية إلى الإنتاج الثقافي، هي في الواقع أجزاء من الاستقلال المعرفي، لأن المجتمعات التي لا تستطيع إنتاج تكنولوجيتها ومفاهيمها وسرديتها الخاصة، سيظل استقلالها السياسي ناقصا أيضا.
لكن بلا شك لا يزال الخطاب الرسمي حول التاريخ والهوية في تركيا يحمل آثارا عميقة من الاستعمار.
إن الحدود العنصرية التي وُضعت قبل 120 عاما كحلقة من حلقات الاستعمار بين الشعوب التركية والعربية والكردية، تستمر في أداء وظيفتها اليوم داخل عقول هذه الشعوب بوصفها حراسا أو سجانين معرفيين للاستعمار. وما زال هناك طريق طويل يجب قطعه في هذا الصدد.
وفي هذا السياق، يبدو انعقاد ندوة "الاستغراب" التي تنظمها جامعة سيرت للمرة الثانية، بعد يوم واحد من انعقاد منتدى تفكيك الاستعمار في إسطنبول توافقا ذا دلالة لافتة.
فكما هو معروف، فإن الاستغراب بوصفه استجابة معرفية لتفكيك الاستعمار يواصل طرح الإشكالات ذاتها.
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
عقد المجلس الأعلى للتكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، أمس الأحد، اجتماعه الدوري برئاسة رئيس ال...
## المحور الأ...## المحور الأول حركية التفاعلات الكيميائية محاضرات من 1 3 يتناول المحور دراسة سرعات التفاعلات ال...
مبحث الأول: بدا...مبحث الأول: بدايات تأسيس الإدارة الفرنسية في الجزائر شهدت الجزائر عقب الاحتلال الفرنسي سنة 1830 تغير...
أصل أن القرار ا...أصل أن القرار الإداري النهائي الذي يمسّ المركز الوظيفي للأستاذ، ولا سيما إذا تضمّن توقيفه عن العمل أ...
المقدمة يُعدّ ...المقدمة يُعدّ التنسيق بين السياستين المالية والنقدية من أهم الموضوعات التي تحظى باهتمام كبير في مجا...
من حياة الرسول ...من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أ- كان فقيرًا لا يملك شيئًا، وكان يكتسب قوته من رعي الغنم، ولكنه ف...
ما كان للدولة ك...ما كان للدولة كشخص معنوي أن تقوم بالأنشطة الموكلة لها إلا إذا توفرت لها قوة بشرية يتم من خلالها التع...
نتيجةً لهذه الت...نتيجةً لهذه التقنية، يتزايد عدد العاملين الذين يعملون عن بُعد، من منازلهم بشكل منتظم. يمكن أن يجلب ه...
نقاط القوة (Str...نقاط القوة (Strengths) • عراقة العلامة التجارية وخبرتها الطويلة: تأسست الشركة عام 1959، ولما يزيد ع...
تثير مسألة تملك...تثير مسألة تملك الأجانب للعقارات إشكالية دقيقة تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار الأج...
المواطنة في بعد...المواطنة في بعدِها السياسي مقدمة: لا تنحصر المواطنة في البعد القانوني بل تتعداه إلى البعد السياسي ف...
تكبدت مليشيا ال...تكبدت مليشيا الحوثي خسائر بشرية جديدة في صفوف قياداتها الميدانية والضباط الميدانيين، حيث شيعت الجماع...