لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (100%)
وقف أبو عبد الله آخر ملوك غرناطة بعد انكساره أمام جيوش الملك فرديناند والملكة إيزابيلا على شاطئ الخليج الرومي تحت ذيل جبل طارق قبل نزوله إلى السفينة المعدة لحمله إلى أفريقيا، وقد وقف حوله نساؤه وأولاده وعظماء قومه من بني الأحمر، فألقى على ملكه الذاهب نظرةً طويلة لم يسترجعها إلا مبللةً بالدمع، ثم أدنى رداءه من وجهه وأنشأ يبكي بكاءً مرًّا، وينشج نشيجًا محزنًا حتى بكى مَن حوله لبكائه، وأصبح شاطئ البحر كأنه مناحة قائمة تتردد فيها الزفرات، فإنه لواقفٌ موقفه هذا وقد ذهل عن نفسه وموقفه إذ أحس هاتفًا يهتف باسمه، فرفع رأسه فإذا شيخٌ ناسكٌ متكئٌ على عصاه واقفٌ على باب مغارةٍ من مغارات الجبل المشرف عليه ينظر إليه ويقول: «نعم، لك أن تبكي أيها الملك الساقط على ملكك بكاء النساء، فإنك لم تحتفظ به احتفاظ الرجال. إنك ضحكت بالأمس كثيرًا، فابكِ اليوم بمقدار ما ضحكت بالأمس، فالسرور نهار الحياة والحزن ليلها، ولا يلبث النهار الساطع أن يعقبه الليل القاتم. لو أن ما ذهب من يدك من ملكك ذهب بصدمةٍ من صدمات القدر، من حيث لا حول لك في ذلك ولا حيلة، فابكِ عليه بكاء النادم المتفجِّع الذي لا يجد له عن مصابه عزاءً ولا سلوى. ولا يريد بأحدٍ من الناس في شأن من الشئون شرًّا ولا ضيرًا، ولكن الناس يأبون إلا أن يقفوا على حافة الهوة الضعيفة فتزل بهم أقدامهم، ويمشوا تحت الصخرة البارزة المشرفة فتسقط على رءوسهم. لم تقنع بما قسم الله لك من الرزق، وما زال يضرب أحدهما بالآخر حتى سال تحت قدميكما قليبٌ من الدم فغرقتما فيه معًا. لي فوق هذه الصخرة يا بني الأحمر سبعة أعوامٍ أنتظر فيها هذا المصير الذي صرتم إليه، وأترقَّب الساعة التي أرى فيها آخر ملكٍ منكم يرحل عن هذه الديار رحلةً لا رجعة من بعدها؛ لأني أعلم أن المُلك الذي يتولى أمره الجاهلون الأغبياء لا دوام له ولا بقاء. وأصبح كل واحد منكم حربًا على صاحبه، فسقتم المسلمين إلى ميادين القتال يضرب بعضكم وجوه بعض، والعدو رابضٌ من ورائكم يتربص بكم الدوائر، ويرى أن كلًّا منكم قائدٌ من قواده ينبعث بين يديه لقتال أعدائه، حتى رآكم تتهافتون على أنفسكم ضعفًا ووهنًا فاقتحمكم، فما هي إلا جولةٌ أو جولتان حتى ظفر بكم معًا. ستقفون غدًا بين يدي الله يا ملوك الإسلام، وسيسألكم عن الإسلام الذي أضعتموه وهبطتم به من علياء مجده حتى ألصقتم أنفه بالرغام، وعن المسلمين الذين أسلمتموهم بأيديكم إلى أعدائهم ليعيشوا بينهم عيش البائسين المستضعفين، وعن مدن الإسلام وأمصاره التي اشتراها آباؤكم بدمائهم وأرواحهم ثم تركوها في أيديكم لتذودوا عنها، فلم تحركوا في شأنها ساكنًا حتى غلبكم أعداؤكم عليها، فأصبحتم تعيشون فيها عيش الأذلاء، وتُطردون منها كما يُطرد الغرباء، فماذا يكون جوابكم إن سئلتم عن هذا كله غدًا؟ ها هي ذي النواقيس ترن في شرفات المآذن بدل الأذان، وها هي ذي المساجد تطأ نعال الصليبيين في تربتها مواقع جباه المسلمين، وها هو ذا المسلم يفر بدينه من مكانٍ إلى مكان، ويلوذ بأكناف الهضاب والشعاب، لا يستطيع أن يؤدي شعيرةً من شعائر دينه إلا في غارٍ كهذا الغار الذي أعيش فيه! ليت المسلمين عاشوا دهرهم فوضى لا نظام لهم ولا ملك ولا سلطان، كما يعيش المشردون في آفاق البلاد، فقد كان خيرًّا لهم من أن يتولى أمرهم رجال مثلكم طامعون مستبدون يلفون على أعناقهم جميعًا غلًّا واحدًا يسوقونهم به إلى موارد التلف والهلاك من حيث لا يستطيعون ذودًا عن أنفسهم، وما تفعل الفوضى بأمَّةٍ ما يفعل بها الاستبداد. يسألكم الله يا بني الأحمر عني وعن أولادي الذين انتزعتموهم من يدي انتزاعًا أحوج ما كنت إليهم، وسقتموهم إلى ميادين القتال ليقاتلوا إخوانهم المسلمين قتالًا لا شرف فيه ولا فخار، حتى ماتوا جميعًا موت الأذلاء الأدنياء، فلا أنتم تركتموهم بجانبي آنس بهم في وحشتي وألجأ إلى معونتهم في شيخوختي، ولا أنتم ذهبتم بهم إلى ميدان قتالٍ شريفٍ فأتعزى عنهم من بعدهم بأنهم ماتوا فداءً عن دينهم ووطنهم، فوق هذه الصخرة المنقطعة أبكي عليهم، فأدار وجهه ومشى بقدم مطمئنة يتوكأ على عصاه حتى دخل مغارته وغاب عن العيون، إنما هو صوت العدل الإلهي ينذرني بشقاء المستقبل فوق شقاء الماضي، ثم انحدر إلى سفينته وانحدر أهله وراءه، فسارت السفينة بهم تشق عباب الماء شقًّا، ولكنه ما زال يحفظ في ذاكرته من عهد الطفولة تلك الأناشيد الأندلسية البديعة التي كان يترنم بها نساء قومه حول مهده، وتلك المراثي المحزنة المؤثرة التي بكى فيها شعراء الأندلس ذلك المجد الساقط والمُلك المضاع، فكان كلما خلا إلى نفسه ردد تلك المراثي بنغمة شجية محزنة تستثير عبرته، فلا يزال يبكي وينتحب حتى يشرف على التلف، ثم ليصنع الدهر به بعد ذلك ما يشاء. وكان كلما همَّ بالذهاب إليها قعد به عن ذلك أن وراءه عجوزًا من أهله مريضة، ولا يجد من يعتمد عليه في القيام بشأنها حتى وافاها أجلها، فركب البحر من سبتة إلى شاطئ ملقة، ثم انحدر منها إلى غرناطة متنكرًا في ثوب طبيبٍ عربيٍّ من أطباء الأعشاب يَتَبَقَّل في جبال الأندلس وسهولها حتى بلغ ضاحيتها ساعة الأصيل، فرأى الأمواه تنزلق عنه في هدوء وسكون، حتى تصل إلى سفحه فإذا هى حياتٌ بيضاء مذعورة، ثم التفت إلى المدينة فرأى على البعد أبراجها العقيقية الحمراء، وقبابها العالية الشماء، فوقف أمام هذا المنظر الجليل المهيب موقف الخاشع المتخضع، وضم إحدى يديه إلى الأخرى، لم يبقَ لي منه إلا وقفة بين يديه كوقفة الثاكل المفجوع بين أيدي الأطلال البوالي، وهم لا مضاجع لهم إلا رمال الصحراء وكثبان الفلوات. تشرف على الأرض الفضاء، وتطل من عيون نوافذها، تدعو الله أن يُعيد إليها بُناتها وحماتها فلا يستجاب لها دعاء. وعلى ضفاف هذه الأنهار كانوا يغدون ويروحون، ثم نظر إلى الأفق فرأى الشمس تنحدر إلى مغربها، ورأى جيش الليل يطارد فلول جيش النهار فيبددها بين يديه تبديدًا، فتهافت على نفسه وهو يقول: «هكذا تدول الدولات وتسقط التيجان، وهكذا تحل الظلمات محل الأنوار، وهكذا تنتشر سحب الموت على وجه الحياة. ثم توسَّد ذراعه واستغرق في نومه بين وطاء الأرض وغطاء السماء، فلم يستفق حتى مضت دولة الليل، فمشى إلى نهرٍ جارٍ في سفح الجبل فصلى عنده صلاة الفجر، ثم انحدر إلى المدينة يفتش عن خانٍ يأوي إليه، فلم يجد في طريقه من يرشده إلى طلبته حتى بلغ «شنيل»، فمشى على ضفته يتفقد البذور ويتلمس الأعشاب وينتظر يقظة المدينة بعد هجعتها. وإنه لكذلك إذ انفتح بين يديه باب قصرٍ عظيم، وإذا فتاة إسبانية خارجة منه قد أسبلت على وجهها خمارًا أسود شفافًا، وأرسلت على صدرها صليبًا ذهبيًّا صغيرًا، ومشى وراءها غلامٌ يحمل على يده الكتاب المقدس، فلمحته في مكانه فأدهشها موقفه، فدنت منه ورفعت قناعها عن وجهها، فإذا الشمس طالعة حسنًا وبهاءً، وقالت له بلسان عربي تخالطه بعض العجمة: «أغريبٌ أنت عن هذا البلد أيها الفتى؟» لقد نزلت به الساعة فلم أعرف طريق الخان الذي يأوي إليه الغرباء، ورأت بين أعطافه مخائل النعمة فأهمها أمره، وأشارت إليه أن يتبعها لتدله على ما يُريد، فمشى بجانبها حتى بلغا موضع الخان، وقالت له: «لا تنسَ أن تزورني أيها الغريب كلما عرضت لك حاجة. » ثم سارت في طريق كنيستها. كما أن السماء في ظلمة الليل تختلف إليها النجوم فتضيء صفحتها، وتمر بها الشهب فتلمع في أرجائها، حتى إذا طلعت الشمس من مشرقها محا ضوؤها ضوء جميع تلك النيرات؛ حتى إذا بلغ وأشرقت عليه شمس الحب غربت بجانبها جميع تلك العواطف والأهواء. فقد أصبح الأمير ينظر إلى غرناطة منذ الساعة بعينٍ غير العين التي كان ينظر بها إليها من قبل، ويرى في وجهها صورة الأنس بعد الوحشة، والنور بعد الظلمة، فسكن ثائره وبردت جوانحه، وهدأت في نفسه ثورة الغضب التي كانت لا تزال تعتلج بين أضلاعه، فكان إذا مر بمسجدٍ من تلك المساجد التي استحالت إلى كنائس، استطاع أن يقف أمامه هنيهةً علَّه يرى الفتاة الإسبانية بين الداخلات إليه أو الخارجات منه، وإذا رأى الصليب مشرفًا على رأس مئذنةٍ ذكر الصليب الذهبي الجميل الذي رآه على صدرها يوم اللقاء، فاغتفر منظر هذا لمنظر ذاك، وإذا سمع أصوات النواقيس ترن في أجواز الفضاء ذكر أنه كان يسمع ذلك الصوت الرنان في الساعة التي رآها فيها، فأَنِسَ به وسكنت نفسه إليه. وكذلك أصبح هذا الأمير المسكين ولا همَّ له إلا أن يتمشى صبيحة كل يوم على ضفاف نهر «شنيل» يقلِّب نظره في أبواب القصور المشرفة على ذلك النهر؛ علَّه يعرف قصر الفتاة فلا يعرفه، وفي وجوه الغاديات والرائحات من الفتيات علَّه يراها بينهن فلا يراها، حتى إذا نال منه اليأس انكفأ راجعًا إلى مقبرة آبائه في ظاهر المدينة فجلس بين القبور يذرف دموعًا غزارًا، لا يعلم هل هي دموع الذكرى القديمة أو دموع الذكرى الجديدة! نكب الدهر «فلورندا» منذ عامين نكبةً لا تزال لوعتها متصلةً بقلبها حتى اليوم، فقد كان أبوها رئيس جمعية «العصابة المقدسة» التي قامت في وجه الحكومة أعوامًا طوالًا، حتى أعيا رجال الحكومة أمرها، فدسوا لرئيسها من قتله غيلةً تحت ستار الظلام، فكان لا يراها الرائي إلا ذاهبةٌ إلى الكنيسة أو عائدة منها، أو هائمةً على وجهها في مروج غرناطة وبساتينها حتى ينزل ستار الليل فتعود إلى قصرها، فإنها لسائرةٌ يومًا بجانب مقبرة بني الأحمر، ومشت نحوه حتى دانته فأحس بها، فقالت له: «إنك تبكي ملوكك بالأمس أيها الفتى، فقد جفَّ تراب قبورهم لقلة من يبكي عليهم!» لأنهم كانوا عظماء فنكبهم الدهر، قال: «هل زرت قصورهم وآثارهم التي تركوها من بعدهم في هذه الديار؟» فإذا دمعةٌ تترجج في مقلتيه وقال: «لا يا سيدتي، كأنما هم يجهلون أن ليس بين الأحياء جميعهم في هذا العالم كله من هو أولى بها مني. قالت: «إن رأيتك غدًا في مثل هذه الساعة في هذا المكان ذهبت بك إلى ما تريد منها. ومضى هو إلى خانه بين صبابةٍ تقيمه وتقعده، ثم جاءته في اليوم الثالث فأزارته بعضًا آخر منها، ويختلفان إلى ما شاءا من الرسوم والآثار، فقد كانوا يقولون إذا رأوهما معًا: إن الراهبة الجميلة تحاول أن تهدي الفتى العربي إلى دينها القويم، حتى استحال العطف الذي كانت تضمره له في نفسها مع الأيام إلى حبٍّ شديد، وكذلك العطف دائمًا طريق الحب، إلا أن أحدًا منهما لم يجرؤ أن يكاشف صاحبه بما أضمره له في نفسه، حتى جاء اليوم الذي عزم على زيارة قصر الحمراء، وهو آخر ما بقي بين أيديهما من الآثار، وقف الأمير أمام قصر الحمراء فرأى سماءً تطاول السماء، وهضبة تشرف على الهضاب، وجبلًا تحسر عن قمته العيون، وتضل في جوانبه الظنون، وحصنًا تتقاصر عنه يد الأيام، وتتهافت من حوله السنون والأعوام. ثم دخل فإذا ملكٌ كبير، وقبابٌ تفضي إليها النجوم بالأسرار، وصحون مفروشة بألوان الحصباء، وجدرانٌ صقيلةٌ ملساء تصف ما بين يديها من الأشياء، كما تصف المرآة وجه الحسناء، وكأن كل جدارٍ منها لجةٌ متلاطمة الأمواج، يحبسها عن الجريان لوحٌ من زجاج، وَقَفْتُ بالحمراءِ مُسْتَعْبِرًا مُعتبِرًا أَنْدُبُ أَشْتَاتَا فَلَمْ أَزَلْ أَبْكِي عَلَى رَسْمِهَا هَيْهَاتَ يُغْنِي الدَّمْعُ هَيْهَاتَا كَأنَّما آثارُ مَنْ قَدْ مَضَوْا نَوادِبُ يَنْدُبْنَ أَمْوَاتَا حتى وصل إلى الساحة الكبرى، فرأى صحنًا مفروشًا ببساطٍ من المرمر الأصفر، قد دارت به في جهاته الأربع أربعة صفوفٍ من الأعمدة النحاف الطوال، وتراءت في جوانبه حجراتٌ متقابلات، فعلم أنها حجرات الأمراء والأميرات من أهل بيته، وشعر أن صدره يحاول أن ينشق عن قلبه حزنًا ووجدًا. وأحس بحاجته إلى البكاء فاستحيا أن يبكي أمام «فلورندا»، فتركها في مكانها لاهيةً عنه بالنظر إلى بعض النقوش، ومشى إلى بعض تلك القاعات حتى داناها، فكان أول ما تناول نظره منها سطرًا مكتوبًا على بابها، فما قرأه حتى صاح صيحةً شديدة قائلًا: «وا أبتاه!» وسقط مغشيًّا عليه، فلم يستفق إلا بعد ساعة طويلة، ففتح عينيه فوجد رأسه في حجر «فلورندا»، فقالت له: «لقد كنتُ أعلم قبل اليوم أنك تكاتمني شيئًا من أسرار نفسك، والآن عرفت أنك لست عبد بني الأحمر ولا مولاهم كما تقول، ولكنك أحد أمرائهم، وأنك الساعة في قصر جدك وأمام حجرة أبيك، فما أسوأ حظكم يا بني الأحمر! وما أعظم شقاءك أيها الأمير المسكين!» فلم يجد سبيلًا بعد ذلك إلى كتمان أمره، فأنشأ يقص عليها قصته وقصة أهل بيته، وما صنعت يد الدهر بهم مذ جلوا عن الأندلس حتى اليوم، فلما فرغ من قصته نظر إليها نظرةً منكسرة وقال لها: «فلورندا، إن جميع ما لقيته من الشقاء بالأمس يصغر بجانب الشقاء الذي تدخره لي الأيام غدًا. قالت: «وأي شقاءٍ ينتظرك أكثر مما أنت فيه؟» قالت: «وهل تستطيع أن تحب فتاةً مسيحيةً لا تدين بدينك؟» لأن طريق الدين في القلب غير طريق الحب، ثم لا شأن لي بعد ذلك فيما تعتقدين. قالت: «وهل تستطيع أن تحب بلا أمل؟» قال: «ولِمَ لا يكون الحب نفسه غايةً من الغايات التي نجد فيها السعادة إن ظفرنا بها؟ ومتى كان للسعادة في هذه الحياة نهاية محدودة، فلا نجد الراحة إلا إذا وصلنا إلى نهايتها؟» فبرحا مكانهما ومشيا يتحدثان حتى بلغا الموضع الذي اعتادا أن يفترقا فيه، وسيكون حبي لك بلا أمل كحبك، ولقد فرَّق الدين بين جسدينا، فليجمع الحب بين قلبينا. فأصبحا فوق أرض غرناطة وتحت سمائها طائِرَيْن جميلَيْن يطيران حيث يصفو لهما وجه السماء، ويقعان حيث يطيب لهما التغريد والتنقير، فليت الدهر ينام عنهما ويتركهما وشأنهما، فإن خسراها خسرا كل شيءٍ. بينما هما جالسان ذات يوم على ضفة جدولٍ من جداول عين الدمع، فاختلف إلى منزلها أيامًا يتحبَّب إليها ويدعوها إلى الزواج منه، وقالت له: إنني لا أتزوج ابن قاتل أبي. فانصرف بلوعةٍ لا تزال في نفسه حتى اليوم، فلما رآها جالسةً مجلسها هذا زعم في نفسه أنها ما أوصدت باب قلبها في وجهه إلا لأنها كانت قد فتحته من قبل لذلك الفتى العربي الجميل الذي يجالسها، فذهب إلى قصرها في اليوم الثاني ليفضي إليها بما وقع في نفسه، فخرج غاضبًا يحدِّث نفسه بأفظع أنواع الانتقام. سليل بني الأحمر ملوك هذه البلاد بالأمس ومؤسسي مجدها وعظمتها، وبناة قلاعها وحصونها، ذليلًا مهانًا إلى محكمة التفتيش متهمًا بمحاولة إغراء فتاةٍ مسيحية بترك دينها، وهي عندهم أفظع الجرائم وأهولها. وقف الأمير أمام قضاة محكمة التفتيش، وهو أن تترك دينك وتأخذ بدين المسيح!» فطار الغضب في دماغه، وفي أي عهدٍ من عهود أنبيائكم ورسلكم أنَّ سفك الدم عقاب الذين لا يؤمنون بإيمانكم، من أي عالم من عوالم الأرض أو السماء أتيتم بهذه العقول التي تصوِّر لكم أن الشعوب تُساق إلى الإيمان سوقًا، وأن العقائد تُسقى للناس كما يُسقى الماء والخمر؟ أين العهد الذي اتخذتموه على أنفسكم يوم وطئت أقدامكم هذه البلاد أن تتركونا أحرارًا في عقائدنا ومذاهبنا، وألا تؤذونا في عاطفةٍ من عواطف قلوبنا، ولا في شعيرةٍ من شعائر ديننا؟ هو كل ما عندكم من الوفاء بالعهود والرعي للذمم؟! فقد خلا لكم وجه البلاد وأصبحتم أصحاب القوة والسلطان فيها،
النص الأصلي
وقف أبو عبد الله آخر ملوك غرناطة بعد انكساره أمام جيوش الملك فرديناند والملكة إيزابيلا على شاطئ الخليج الرومي تحت ذيل جبل طارق قبل نزوله إلى السفينة المعدة لحمله إلى أفريقيا، وقد وقف حوله نساؤه وأولاده وعظماء قومه من بني الأحمر، فألقى على ملكه الذاهب نظرةً طويلة لم يسترجعها إلا مبللةً بالدمع، ثم أدنى رداءه من وجهه وأنشأ يبكي بكاءً مرًّا، وينشج نشيجًا محزنًا حتى بكى مَن حوله لبكائه، وأصبح شاطئ البحر كأنه مناحة قائمة تتردد فيها الزفرات، فإنه لواقفٌ موقفه هذا وقد ذهل عن نفسه وموقفه إذ أحس هاتفًا يهتف باسمه، فرفع رأسه فإذا شيخٌ ناسكٌ متكئٌ على عصاه واقفٌ على باب مغارةٍ من مغارات الجبل المشرف عليه ينظر إليه ويقول: «نعم، لك أن تبكي أيها الملك الساقط على ملكك بكاء النساء، فإنك لم تحتفظ به احتفاظ الرجال. إنك ضحكت بالأمس كثيرًا، فابكِ اليوم بمقدار ما ضحكت بالأمس، فالسرور نهار الحياة والحزن ليلها، ولا يلبث النهار الساطع أن يعقبه الليل القاتم.لو أن ما ذهب من يدك من ملكك ذهب بصدمةٍ من صدمات القدر، من حيث لا حول لك في ذلك ولا حيلة، فابكِ عليه بكاء النادم المتفجِّع الذي لا يجد له عن مصابه عزاءً ولا سلوى. ولا يريد بأحدٍ من الناس في شأن من الشئون شرًّا ولا ضيرًا، ولكن الناس يأبون إلا أن يقفوا على حافة الهوة الضعيفة فتزل بهم أقدامهم، ويمشوا تحت الصخرة البارزة المشرفة فتسقط على رءوسهم.لم تقنع بما قسم الله لك من الرزق، وما زال يضرب أحدهما بالآخر حتى سال تحت قدميكما قليبٌ من الدم فغرقتما فيه معًا.لي فوق هذه الصخرة يا بني الأحمر سبعة أعوامٍ أنتظر فيها هذا المصير الذي صرتم إليه، وأترقَّب الساعة التي أرى فيها آخر ملكٍ منكم يرحل عن هذه الديار رحلةً لا رجعة من بعدها؛ لأني أعلم أن المُلك الذي يتولى أمره الجاهلون الأغبياء لا دوام له ولا بقاء. وأصبح كل واحد منكم حربًا على صاحبه، فسقتم المسلمين إلى ميادين القتال يضرب بعضكم وجوه بعض، والعدو رابضٌ من ورائكم يتربص بكم الدوائر، ويرى أن كلًّا منكم قائدٌ من قواده ينبعث بين يديه لقتال أعدائه، حتى رآكم تتهافتون على أنفسكم ضعفًا ووهنًا فاقتحمكم، فما هي إلا جولةٌ أو جولتان حتى ظفر بكم معًا.ستقفون غدًا بين يدي الله يا ملوك الإسلام، وسيسألكم عن الإسلام الذي أضعتموه وهبطتم به من علياء مجده حتى ألصقتم أنفه بالرغام، وعن المسلمين الذين أسلمتموهم بأيديكم إلى أعدائهم ليعيشوا بينهم عيش البائسين المستضعفين، وعن مدن الإسلام وأمصاره التي اشتراها آباؤكم بدمائهم وأرواحهم ثم تركوها في أيديكم لتذودوا عنها، فلم تحركوا في شأنها ساكنًا حتى غلبكم أعداؤكم عليها، فأصبحتم تعيشون فيها عيش الأذلاء، وتُطردون منها كما يُطرد الغرباء، فماذا يكون جوابكم إن سئلتم عن هذا كله غدًا؟
ها هي ذي النواقيس ترن في شرفات المآذن بدل الأذان، وها هي ذي المساجد تطأ نعال الصليبيين في تربتها مواقع جباه المسلمين، وها هو ذا المسلم يفر بدينه من مكانٍ إلى مكان، ويلوذ بأكناف الهضاب والشعاب، لا يستطيع أن يؤدي شعيرةً من شعائر دينه إلا في غارٍ كهذا الغار الذي أعيش فيه!
ليت المسلمين عاشوا دهرهم فوضى لا نظام لهم ولا ملك ولا سلطان، كما يعيش المشردون في آفاق البلاد، فقد كان خيرًّا لهم من أن يتولى أمرهم رجال مثلكم طامعون مستبدون يلفون على أعناقهم جميعًا غلًّا واحدًا يسوقونهم به إلى موارد التلف والهلاك من حيث لا يستطيعون ذودًا عن أنفسهم، وما تفعل الفوضى بأمَّةٍ ما يفعل بها الاستبداد.يسألكم الله يا بني الأحمر عني وعن أولادي الذين انتزعتموهم من يدي انتزاعًا أحوج ما كنت إليهم، وسقتموهم إلى ميادين القتال ليقاتلوا إخوانهم المسلمين قتالًا لا شرف فيه ولا فخار، حتى ماتوا جميعًا موت الأذلاء الأدنياء، فلا أنتم تركتموهم بجانبي آنس بهم في وحشتي وألجأ إلى معونتهم في شيخوختي، ولا أنتم ذهبتم بهم إلى ميدان قتالٍ شريفٍ فأتعزى عنهم من بعدهم بأنهم ماتوا فداءً عن دينهم ووطنهم، فوق هذه الصخرة المنقطعة أبكي عليهم، وأسأل الله أن يلحقني بهم، فمتي يستجيب الله دعائي؟»
فأدار وجهه ومشى بقدم مطمئنة يتوكأ على عصاه حتى دخل مغارته وغاب عن العيون، إنما هو صوت العدل الإلهي ينذرني بشقاء المستقبل فوق شقاء الماضي، فليصنع الله بي ما يشاء، فعدلٌ منه كل ما صنع.ثم انحدر إلى سفينته وانحدر أهله وراءه، فسارت السفينة بهم تشق عباب الماء شقًّا، ولا نهر شنيل، ولا عين الدمع، ولا جبل الثلج، ولكنه ما زال يحفظ في ذاكرته من عهد الطفولة تلك الأناشيد الأندلسية البديعة التي كان يترنم بها نساء قومه حول مهده، وتلك المراثي المحزنة المؤثرة التي بكى فيها شعراء الأندلس ذلك المجد الساقط والمُلك المضاع، فكان كلما خلا إلى نفسه ردد تلك المراثي بنغمة شجية محزنة تستثير عبرته، وتهيج أشجانه، فلا يزال يبكي وينتحب حتى يشرف على التلف، ثم ليصنع الدهر به بعد ذلك ما يشاء.وكان كلما همَّ بالذهاب إليها قعد به عن ذلك أن وراءه عجوزًا من أهله مريضة، وما كان يستطيع أن يتركها، ولا يجد من يعتمد عليه في القيام بشأنها حتى وافاها أجلها، فركب البحر من سبتة إلى شاطئ ملقة، ثم انحدر منها إلى غرناطة متنكرًا في ثوب طبيبٍ عربيٍّ من أطباء الأعشاب يَتَبَقَّل في جبال الأندلس وسهولها حتى بلغ ضاحيتها ساعة الأصيل، فرأى الأمواه تنزلق عنه في هدوء وسكون، أو قبةٌ من البلور، حتى تصل إلى سفحه فإذا هى حياتٌ بيضاء مذعورة، تنبعث ههنا وههنا،ثم التفت إلى المدينة فرأى على البعد أبراجها العقيقية الحمراء، وقبابها العالية الشماء، ومآذنها الذاهبة في جو السماء، فوقف أمام هذا المنظر الجليل المهيب موقف الخاشع المتخضع، وضم إحدى يديه إلى الأخرى، لم يبقَ لي منه إلا وقفة بين يديه كوقفة الثاكل المفجوع بين أيدي الأطلال البوالي،هذه مضاجعهم ينام فيها أعداؤهم، وهم لا مضاجع لهم إلا رمال الصحراء وكثبان الفلوات.هذه قصورهم، تشرف على الأرض الفضاء، وتطل من عيون نوافذها، تدعو الله أن يُعيد إليها بُناتها وحماتها فلا يستجاب لها دعاء. وتحت هذه الظلال كانوا يقيلون، وعلى ضفاف هذه الأنهار كانوا يغدون ويروحون، واليوم لا غادٍ منهم ولا رائح، ولا سانح تحت هذه السماء ولا بارح!»
ثم نظر إلى الأفق فرأى الشمس تنحدر إلى مغربها، ورأى جيش الليل يطارد فلول جيش النهار فيبددها بين يديه تبديدًا، فتهافت على نفسه وهو يقول: «هكذا تدول الدولات وتسقط التيجان، وهكذا تحل الظلمات محل الأنوار، وهكذا تنتشر سحب الموت على وجه الحياة.ثم توسَّد ذراعه واستغرق في نومه بين وطاء الأرض وغطاء السماء، فلم يستفق حتى مضت دولة الليل، فمشى إلى نهرٍ جارٍ في سفح الجبل فصلى عنده صلاة الفجر، ثم انحدر إلى المدينة يفتش عن خانٍ يأوي إليه، فلم يجد في طريقه من يرشده إلى طلبته حتى بلغ «شنيل»، فمشى على ضفته يتفقد البذور ويتلمس الأعشاب وينتظر يقظة المدينة بعد هجعتها.وإنه لكذلك إذ انفتح بين يديه باب قصرٍ عظيم، وإذا فتاة إسبانية خارجة منه قد أسبلت على وجهها خمارًا أسود شفافًا، وأرسلت على صدرها صليبًا ذهبيًّا صغيرًا، ومشى وراءها غلامٌ يحمل على يده الكتاب المقدس، فلمحته في مكانه فأدهشها موقفه، فدنت منه ورفعت قناعها عن وجهها، فإذا الشمس طالعة حسنًا وبهاءً، وقالت له بلسان عربي تخالطه بعض العجمة: «أغريبٌ أنت عن هذا البلد أيها الفتى؟»
قال: «نعم، لقد نزلت به الساعة فلم أعرف طريق الخان الذي يأوي إليه الغرباء،فسمعتْ في صوته رنة الشرف، ورأت بين أعطافه مخائل النعمة فأهمها أمره، وأشارت إليه أن يتبعها لتدله على ما يُريد، فمشى بجانبها حتى بلغا موضع الخان، فحيَّته بابتسامهٍ عذبة، وقالت له: «لا تنسَ أن تزورني أيها الغريب كلما عرضت لك حاجة.» ثم سارت في طريق كنيستها.كما أن السماء في ظلمة الليل تختلف إليها النجوم فتضيء صفحتها، وتمر بها الشهب فتلمع في أرجائها، حتى إذا طلعت الشمس من مشرقها محا ضوؤها ضوء جميع تلك النيرات؛ حتى إذا بلغ وأشرقت عليه شمس الحب غربت بجانبها جميع تلك العواطف والأهواء.فقد أصبح الأمير ينظر إلى غرناطة منذ الساعة بعينٍ غير العين التي كان ينظر بها إليها من قبل، ويرى في وجهها صورة الأنس بعد الوحشة، والنور بعد الظلمة، والحياة بعد الموت، فسكن ثائره وبردت جوانحه، وهدأت في نفسه ثورة الغضب التي كانت لا تزال تعتلج بين أضلاعه، فكان إذا مر بمسجدٍ من تلك المساجد التي استحالت إلى كنائس، استطاع أن يقف أمامه هنيهةً علَّه يرى الفتاة الإسبانية بين الداخلات إليه أو الخارجات منه، وإذا رأى الصليب مشرفًا على رأس مئذنةٍ ذكر الصليب الذهبي الجميل الذي رآه على صدرها يوم اللقاء، فاغتفر منظر هذا لمنظر ذاك، وإذا سمع أصوات النواقيس ترن في أجواز الفضاء ذكر أنه كان يسمع ذلك الصوت الرنان في الساعة التي رآها فيها، فأَنِسَ به وسكنت نفسه إليه.وكذلك أصبح هذا الأمير المسكين ولا همَّ له إلا أن يتمشى صبيحة كل يوم على ضفاف نهر «شنيل» يقلِّب نظره في أبواب القصور المشرفة على ذلك النهر؛ علَّه يعرف قصر الفتاة فلا يعرفه، وفي وجوه الغاديات والرائحات من الفتيات علَّه يراها بينهن فلا يراها، حتى إذا نال منه اليأس انكفأ راجعًا إلى مقبرة آبائه في ظاهر المدينة فجلس بين القبور يذرف دموعًا غزارًا، لا يعلم هل هي دموع الذكرى القديمة أو دموع الذكرى الجديدة!
نكب الدهر «فلورندا» منذ عامين نكبةً لا تزال لوعتها متصلةً بقلبها حتى اليوم، فقد كان أبوها رئيس جمعية «العصابة المقدسة» التي قامت في وجه الحكومة أعوامًا طوالًا، حتى أعيا رجال الحكومة أمرها، فدسوا لرئيسها من قتله غيلةً تحت ستار الظلام، فكان لا يراها الرائي إلا ذاهبةٌ إلى الكنيسة أو عائدة منها، لا يصحبها إلا غلامها، أو هائمةً على وجهها في مروج غرناطة وبساتينها حتى ينزل ستار الليل فتعود إلى قصرها،فإنها لسائرةٌ يومًا بجانب مقبرة بني الأحمر، فرثت لحاله، ومشت نحوه حتى دانته فأحس بها، فرفع رأسه، فعرفها وعرفته، فقالت له: «إنك تبكي ملوكك بالأمس أيها الفتى، فابكِهم كثيرًا، فقد جفَّ تراب قبورهم لقلة من يبكي عليهم!»
قال: «أترثين لهم يا سيدتي؟»
قالت: «نعم؛ لأنهم كانوا عظماء فنكبهم الدهر،قال: «هل زرت قصورهم وآثارهم التي تركوها من بعدهم في هذه الديار؟»
فأطرق قليلًا ثم رفع رأسه، فإذا دمعةٌ تترجج في مقلتيه وقال: «لا يا سيدتي، كأنما هم يجهلون أن ليس بين الأحياء جميعهم في هذا العالم كله من هو أولى بها مني.قال: «لا يا سيدتي، وصنيعة أيديهم،قالت: «إن رأيتك غدًا في مثل هذه الساعة في هذا المكان ذهبت بك إلى ما تريد منها.» فحيته وانصرفت، ومضى هو إلى خانه بين صبابةٍ تقيمه وتقعده، وأَمل يُميته ويحييه. فجاءته في اليوم الثاني فأزارته بعض الآثار، ثم جاءته في اليوم الثالث فأزارته بعضًا آخر منها، وهكذا، ما زالا يجتمعان كل يوم ويفترقان، ويختلفان إلى ما شاءا من الرسوم والآثار، فقد كانوا يقولون إذا رأوهما معًا: إن الراهبة الجميلة تحاول أن تهدي الفتى العربي إلى دينها القويم، حتى استحال العطف الذي كانت تضمره له في نفسها مع الأيام إلى حبٍّ شديد، وكذلك العطف دائمًا طريق الحب، أو هو الحب نفسه لابسًا ثوبًا غير ثوبه، إلا أن أحدًا منهما لم يجرؤ أن يكاشف صاحبه بما أضمره له في نفسه، حتى جاء اليوم الذي عزم على زيارة قصر الحمراء، وهو آخر ما بقي بين أيديهما من الآثار،وقف الأمير أمام قصر الحمراء فرأى سماءً تطاول السماء، وطودًا يُناطح الجوزاء، وهضبة تشرف على الهضاب، وجبلًا تحسر عن قمته العيون، وتضل في جوانبه الظنون، وحصنًا تتقاصر عنه يد الأيام، وتتهافت من حوله السنون والأعوام.ثم دخل فإذا ملكٌ كبير، وقبابٌ تفضي إليها النجوم بالأسرار، وصحون مفروشة بألوان الحصباء، كأنها الرياض الزهراء، وجدرانٌ صقيلةٌ ملساء تصف ما بين يديها من الأشياء، كما تصف المرآة وجه الحسناء، وكأن كل جدارٍ منها لجةٌ متلاطمة الأمواج، يحبسها عن الجريان لوحٌ من زجاج، بين تلك المشاهد والآثار،وَقَفْتُ بالحمراءِ مُسْتَعْبِرًا مُعتبِرًا أَنْدُبُ أَشْتَاتَا
فَقُلْتُ: يَا حَمْرَاءُ هَلْ رَجْعَةٌ؟ قَالَتْ: وَهَلْ يَرْجِعُ مَنْ مَاتَا؟
فَلَمْ أَزَلْ أَبْكِي عَلَى رَسْمِهَا هَيْهَاتَ يُغْنِي الدَّمْعُ هَيْهَاتَا
كَأنَّما آثارُ مَنْ قَدْ مَضَوْا نَوادِبُ يَنْدُبْنَ أَمْوَاتَا
حتى وصل إلى الساحة الكبرى، فرأى صحنًا مفروشًا ببساطٍ من المرمر الأصفر، قد دارت به في جهاته الأربع أربعة صفوفٍ من الأعمدة النحاف الطوال، وتراءت في جوانبه حجراتٌ متقابلات، فعلم أنها حجرات الأمراء والأميرات من أهل بيته، فهاجت في نفسه الذكرى، وشعر أن صدره يحاول أن ينشق عن قلبه حزنًا ووجدًا.وأحس بحاجته إلى البكاء فاستحيا أن يبكي أمام «فلورندا»، فتركها في مكانها لاهيةً عنه بالنظر إلى بعض النقوش، ومشى إلى بعض تلك القاعات حتى داناها، فكان أول ما تناول نظره منها سطرًا مكتوبًا على بابها، فما قرأه حتى صاح صيحةً شديدة قائلًا: «وا أبتاه!» وسقط مغشيًّا عليه، فلم يستفق إلا بعد ساعة طويلة، ففتح عينيه فوجد رأسه في حجر «فلورندا»، ووجد في عينيها آثار البكاء، فقالت له: «لقد كنتُ أعلم قبل اليوم أنك تكاتمني شيئًا من أسرار نفسك، والآن عرفت أنك لست عبد بني الأحمر ولا مولاهم كما تقول، ولكنك أحد أمرائهم، وأنك الساعة في قصر جدك وأمام حجرة أبيك، فما أسوأ حظكم يا بني الأحمر! وما أعظم شقاءك أيها الأمير المسكين!»
فلم يجد سبيلًا بعد ذلك إلى كتمان أمره، فأنشأ يقص عليها قصته وقصة أهل بيته، وما صنعت يد الدهر بهم مذ جلوا عن الأندلس حتى اليوم، فلما فرغ من قصته نظر إليها نظرةً منكسرة وقال لها: «فلورندا، إن جميع ما لقيته من الشقاء بالأمس يصغر بجانب الشقاء الذي تدخره لي الأيام غدًا.قالت: «وأي شقاءٍ ينتظرك أكثر مما أنت فيه؟»
قالت: «أتحبني أيها الأمير؟»
قال: «نعم،قالت: «وهل تستطيع أن تحب فتاةً مسيحيةً لا تدين بدينك؟»
قال: «نعم؛ لأن طريق الدين في القلب غير طريق الحب، ثم لا شأن لي بعد ذلك فيما تعتقدين.قالت: «وهل تستطيع أن تحب بلا أمل؟»
قال: «ولِمَ لا يكون الحب نفسه غايةً من الغايات التي نجد فيها السعادة إن ظفرنا بها؟ ومتى كان للسعادة في هذه الحياة نهاية محدودة، فلا نجد الراحة إلا إذا وصلنا إلى نهايتها؟»
وكان الليل قد أظلَّهما، فبرحا مكانهما ومشيا يتحدثان حتى بلغا الموضع الذي اعتادا أن يفترقا فيه، وسيكون حبي لك بلا أمل كحبك، ولقد فرَّق الدين بين جسدينا، فليجمع الحب بين قلبينا.» وتركته وانصرفت. فأصبحا فوق أرض غرناطة وتحت سمائها طائِرَيْن جميلَيْن يطيران حيث يصفو لهما وجه السماء، وتترقرق صفحة الهواء، ويقعان حيث يطيب لهما التغريد والتنقير، فليت الدهر ينام عنهما ويتركهما وشأنهما، والتي لا يملكان من سعادة الحياة سواها، فإن خسراها خسرا كل شيءٍ.بينما هما جالسان ذات يوم على ضفة جدولٍ من جداول عين الدمع، فاختلف إلى منزلها أيامًا يتحبَّب إليها ويدعوها إلى الزواج منه، فأبت أن تصغي إليه، وقالت له: إنني لا أتزوج ابن قاتل أبي. فانصرف بلوعةٍ لا تزال في نفسه حتى اليوم، فلما رآها جالسةً مجلسها هذا زعم في نفسه أنها ما أوصدت باب قلبها في وجهه إلا لأنها كانت قد فتحته من قبل لذلك الفتى العربي الجميل الذي يجالسها، فذهب إلى قصرها في اليوم الثاني ليفضي إليها بما وقع في نفسه، فأبت أن تقابله، فخرج غاضبًا يحدِّث نفسه بأفظع أنواع الانتقام. سليل بني الأحمر ملوك هذه البلاد بالأمس ومؤسسي مجدها وعظمتها، وبناة قلاعها وحصونها، وأصحاب قصورها وبساتينها، ذليلًا مهانًا إلى محكمة التفتيش متهمًا بمحاولة إغراء فتاةٍ مسيحية بترك دينها، وهي عندهم أفظع الجرائم وأهولها.وقف الأمير أمام قضاة محكمة التفتيش، فسأله الرئيس عن تهمته، فأنكرها، فلم يحفل بإنكاره، وهو أن تترك دينك وتأخذ بدين المسيح!» فطار الغضب في دماغه، وفي أي عهدٍ من عهود أنبيائكم ورسلكم أنَّ سفك الدم عقاب الذين لا يؤمنون بإيمانكم، ولا يدينون بدينكم؟
من أي عالم من عوالم الأرض أو السماء أتيتم بهذه العقول التي تصوِّر لكم أن الشعوب تُساق إلى الإيمان سوقًا، وأن العقائد تُسقى للناس كما يُسقى الماء والخمر؟
أين العهد الذي اتخذتموه على أنفسكم يوم وطئت أقدامكم هذه البلاد أن تتركونا أحرارًا في عقائدنا ومذاهبنا، وألا تؤذونا في عاطفةٍ من عواطف قلوبنا، ولا في شعيرةٍ من شعائر ديننا؟
أهذا الذي تصنعون اليوم، والذي صنعتم بالأمس، هو كل ما عندكم من الوفاء بالعهود والرعي للذمم؟!
نعم لكم أن تفعلوا ما تشاءون، فقد خلا لكم وجه البلاد وأصبحتم أصحاب القوة والسلطان فيها، وللسلطان عزةٌ لا تُبالي بعهدٍ ولا وفاء
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
ولما يتمتع به القانون الجنائي من خصوصية ، تتمثل في بناء القواعد الجنائية على أساس مبدأ الشرعية الجنا...
موتمر انعقد في ...موتمر انعقد في باريس سنة1919تحت اشراف 4الكبار فرنسا و ايطالياو بريطانيا و الولايات المتحدة الامريكية...
مرحلة التحويل م...مرحلة التحويل من الفكرة إلى المشروع (واقع عملي) * قيمة الريادة والإبداع تولد فكرة والريادة تحولها ل...
الجزيرة تصفح في...الجزيرة تصفح في التطبيق معاينة داخل التطبيق تخطي الروابط انتقل الى المحتوى البث الحي تسجيل Navigati...
وعلى الرغم من ه...وعلى الرغم من هذه الإمكانات الواعدة، فإن هذا المسار يواجه تحديات بنيوية وتشغيلية جوهرية تتطلب معاجلة...
Objectifs du co...Objectifs du cours : 1. Présenter les concepts fondamentaux des principales méthodes de caractérisa...
من نحن مجلة رو...من نحن مجلة رواد الأعمال ، مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة ا...
Since ancient t...Since ancient times, man has sought to record the stages of his life orally and by writing down. The...
يعد غاز النيترو...يعد غاز النيتروجين أكثر العناصر وفرة في الغلاف الجوي للأرض، ومن مصادره المواد المتحللة، والأسمدة الب...
Le football est...Le football est un sport collectif plus populaire au monde depuis des années. C'est l'un des jeux le...
العلاقة بين ال...العلاقة بين التراث الوطني الوطني العالمي والهوية الوطنية ان التراث هو الموروث الثقافي للامة يجدد م...
ومن إيجابيات اس...ومن إيجابيات استخدام التكنولوجيا في تحسين الرعاية الطبية وبأقل تكلفة فمثلا نجد أن الذكاء الاصطناعي ب...