لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

قِبِلَ: كَانَ فِي أَيامِ سُلَيمانَ رجلٌ يقالُ لَهُ خُزَيمةُ بِنُ بشِرٍ مِنْ بَني أَسَدٍ، فَلَمْ يَزَلْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ حَتّى قَعَدَ بِهِ الدّهْرُ فاحْتاجَ إلى إِخْوانِهِ الَّذينَ كانَ يَتَفَضّلُ عَلَيْهم وَكَانَ يُواسِيهم، فَلمّا لاحَ لَهُ تَغيُّرُهم أَتَّى امْرَأَتَه وَكَانَتْ ابنةَ عمَّهِ، فَقالَ لَها: يا ابنةَ عمّي، وَقَدْ عَزَمْتُ عَلى أَنْ أَلْزَمَ بَيْني إِلى أَنْ يَأْتيني الموتُ، فَأَغْلَقَ بابَه وَأَفامَ يَتْقَوّتُ بِما عِنْدَهُ حَتّى نَفِدَ وَبَقِيَ حَائِرًا. فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَجْلِسِهِ إِذْ ذُكِرَ خُزَيْمَةُ بنُ بشرٍ فَقالَ عِكْرِمَةُ الفياضُ: ما حالُهُ؟ فَقالوا: قَدْ صارَ إِلى أمْرٍ لا يُوصَفُ وإِنَّهُ أغْلَقَ بابَهُ وَلَزِمَ بَيْتَهُ. قالَ: أَفَمَا وَجَدَ خُزَيْمَةُ بنُ بشرٍ مُواسِيًا وَلا مُكَافِئًا؟ فَأَمْسَكَ عَنِ الكَلامِ ثم لما كان الّيِلُ عَمدَ إِلى أرْبَعَةِ آلاف دينارٍ فَجَعَلَها في كِيسٍ واحدِ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِسْراحِ دابتِه وَخرَج سِراً مِنْ أَهْلِه. وَتَقدّمَ إِلى البَابِ فَدَفَعه بِنَفْسِه، فَخَرَجَ إِلَيْهِ خزيمةُ فناولَه الكيسَ، وَقَالَ: أَصْلِحْ بِهَذا شَأْنَكَ فَتْنَاوَلهَ فَرَآه ثَقِيلاً فَوَضَعه عَنْ يده، ثُمَّ مضى وَدَخَلَ خُزَيْمَةُ بالكيسِ إِلى ابْنَةِ عمَّهِ، فَقالَ لَها : أَبشِري فَقَدْ أَتَى اللّهُ بالفرحِ والخَيْرِ وَلَوْ كانَتْ فُلوسًا فَهِيَ كثيرةٌ قُومي فاسْرُجي. فَباتَ يَلْمِسُها بِيَدِه فَيَجِدُ خُشونَةَ الدّنانيرِ وَلَا يُصَدّقُ، وَأمّا عِكْرِمَةُ فَإِنَّهُ رَجَعَ إِلى مَنْزِله فَوَجَدَ امْرَأَتَه قَدْ فَقَدَتْهُ، مِنْ غِلْمانِه في سرِّ مِنْ أهْلِه إِلا لزوجةٍ أو سريةٍ. قالَ : يا هَذِه ما خَرَجْتُ في هذا الوَقْتِ وَأَنا أَرِيد أَنْ يَعْلَمَ بِي أَحَدٌ. فَأَخْبَرَهَا بالقِصَّةِ عَلى وَجْهِها وَما كانَ مِنْ قَوْلِهِ وَرَدّه عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَنّحِبِّينَ أَنْ أَحْلِفَ لَكِ أَيْضًا؟ قالَتْ: لا؛ فإِنَ قَلْبِي قَدْ سَكَن وَرَكَنَ إِلى مَا ذَكَرْتَ. فَلَمّا وَقَفَ بِبابِه واسْتَأْذنَ دَخَلَ الحَاجِبُ فَأَخْبَره بِمَكَانِه، فَلَمَا دَخَلَ سلَّم عَلَيْهِ بالخِلافَةِ، فَقالَ لَهُ سليمانُ بنُ عبدِ الملكِ: يا خُزَيْمَةُ، قالَ: فَمَا مَنَعَكَ مِنْ النَّهْضَةِ إِلَيْنا؟ قال: ضَعْفي يا أميرَ المؤْمِنينَ. قالَ: لَمْ أَعْلَمْ يا أَمِيرَ المؤْمِنينِ إِلا أَني بَعْدَ هدوءٍ مِنَ اللّيْلِ لَمْ أَشْعُرْ إِلا وَرَجُلٌ يَطْرُقُ البابَ وَكانَ مِنْ أمْرِهِ كيت وَكيت، قالَ: فَتَلهّبَ وتَلَهّفَ سُليمانُ بنُ عبدِ الملكِ عَلى مَعْرفِتِه وقالَ: لَوْ عَرَفْناهُ لَكا فأْناهُ عَلى مُروءتِه ثُمَّ قالَ: فَأْتيَ بِها فَعَقَدَ لخُزيْمَةً بنِ بشرٍ المذكورِ عَلى الجزيرةِ عَاملاً عَنْ عِكْرِمَةَ الفياضِ. فَلما فَرُبَ مِنْها خَرَجَ عِكْرمَةُ وَأَهَلُ البلَدِ للقائِهِ فسلَّم بعضها على بعض ثُمَّ سارا جَمِيعًا إِلى أَنْ دَخَلا البلدَ، فَنَزَلَ خُزَيْمَةُ في الإِمارَةِ وأَمَرَ أَنْ يُؤْخِذْ لِعِكْرِمَةَ كَفِيلٌ وَأَنْ يُحاسَبَ، فأمرَ بِهِ إِلى الحَبْسِ، وَقالَتْ لَها امْضي السّاعةَ إلى بابِ هذا الأَميرِ خُزَيْمَةَ بن بشرٍ وَفُولي: عِنْدي نصيحَةٌ، فَإِذا طُلِبَتْ مِنْكِ فَقُولي: لا أَفُولُها إِلَّا للأميرِ خُزَيْمَةَ بنِ بشر، فَإذا دَخَلَتِ عَلَيْه فَسَلِيْهِ أَنْ يُخْلِيَكِ، فإِذا فَعَلَ ذِلكَ فَقولي: ما كانَ هَذَا جَزاءَ جابرِ عثراتِ الكرامِ مِنْكَ، وَبَعَتَ إِلى وجوه فَرَآه قاعِدًا في قاع الحَبْس مُنَغِيرًا أَضْناهُ الضرُّ وَالأَلُم وَتِقْلُ القُيودِ، فَنَكّسَ رَأْسهَ، فَقالَ: أُرِيدُ أَنْ يَنالَني مِنَ الضرَّ مِثْلُ ما نالكَ. وَدَ خلاه مَعًا. وَحَمَلَه وَحَمّلَ مَعَهُ مَالاً كثيرًا، فاعتَذَرَ إِلَيْها وَتذَمّم مِنْ ذَلِك. فَأنْعمَ لَهُ بذلك. وَسارا جَميعاً حتّى قَدِما عَلى سليمانَ بِنِ عبدِ الملكِ، قَراعَهُ ذلِكَ وَقَالَ: والي الجَزِيرَةِ يَقْدُمُ بِغَبْرِ أَمْرِنا؟ ما هذا إِلاّ لحِادثِ عَظيمِ! فَلَمّا دَخَلَ قالَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُسَلّمَ: ما وَرَاءَكَ يَا خُزَيْمَةُ؟ قَالَ: فَما الذِي أَقْدمَك؟ قالَ: ظفِرْتُ بجابرِ عثراتِ الكرامِ، قالَ: فَأذِنَ لَهُ بالدخول. فَأَمَرَ بِقَضَائِها مِنْ ساعَتِهِ، ثُمَّ دَعا بقناةٍ وعقدَ لَهُ عَلى الجَزيرَةِ وَأَرْمينِيَةَ وَأَذَرْ بيجان وقالَ لَهُ: أمْرُ خُزَيْمَةً إِلَيْكَ إِنْ شِئْتَ أَبِقِيه وَإِنْ شِئْتَ عَزَلْتَه. قَالَ: بَلْ ارْدُده إِلى عملِه يا أَميرَ المؤمنينَ.


النص الأصلي

جابر عثرات الكرام*
قِبِلَ: كَانَ فِي أَيامِ سُلَيمانَ رجلٌ يقالُ لَهُ خُزَيمةُ بِنُ بشِرٍ مِنْ بَني أَسَدٍ، كَانَ لَهُ مُروءةٌ ظاهِرَةٌ وَنِعْمَةٌ حَسَنَةٌ وَفَضْلٌ وَبِرٌّ بالاخْوانِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ حَتّى قَعَدَ بِهِ الدّهْرُ فاحْتاجَ إلى إِخْوانِهِ الَّذينَ كانَ يَتَفَضّلُ عَلَيْهم وَكَانَ يُواسِيهم، فَواسَوهُ حِينًا ثُمّ مَلّوه، فَلمّا لاحَ لَهُ تَغيُّرُهم أَتَّى امْرَأَتَه وَكَانَتْ ابنةَ عمَّهِ، فَقالَ لَها: يا ابنةَ عمّي، قَدْ رَأَيْتُ مِنْ إِخْواني تَغيّرًا، وَقَدْ عَزَمْتُ عَلى أَنْ أَلْزَمَ بَيْني إِلى أَنْ يَأْتيني الموتُ، فَأَغْلَقَ بابَه وَأَفامَ يَتْقَوّتُ بِما عِنْدَهُ حَتّى نَفِدَ وَبَقِيَ حَائِرًا. وَكانَ يَعْرِفُهُ عِكْرِمَةُ الفياضُ الرّبعي مُتولي الجزيرةِ، وَإِنّما سُمّي بِذلك لأَجْلِ كَرَمِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَجْلِسِهِ إِذْ ذُكِرَ خُزَيْمَةُ بنُ بشرٍ فَقالَ عِكْرِمَةُ الفياضُ: ما حالُهُ؟ فَقالوا: قَدْ صارَ إِلى أمْرٍ لا يُوصَفُ وإِنَّهُ أغْلَقَ بابَهُ وَلَزِمَ بَيْتَهُ.
قالَ: أَفَمَا وَجَدَ خُزَيْمَةُ بنُ بشرٍ مُواسِيًا وَلا مُكَافِئًا؟
فَقَالُوا: لا.
فَأَمْسَكَ عَنِ الكَلامِ ثم لما كان الّيِلُ عَمدَ إِلى أرْبَعَةِ آلاف دينارٍ فَجَعَلَها في كِيسٍ واحدِ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِسْراحِ دابتِه وَخرَج سِراً مِنْ أَهْلِه. فَرَكِبَ مَعَهُ غُلامٌ مِنْ غِلْمانِهِ يَحْملُ المال. ثُمَّ سارَ حَتّى وقفُّ بِباب خُزَيْمَةَ فأَخَذ الكيسَ مِن الغُلامِ، ثُمَّ أَبْعدَه عَنْهُ، وَتَقدّمَ إِلى البَابِ فَدَفَعه بِنَفْسِه، فَخَرَجَ إِلَيْهِ خزيمةُ فناولَه الكيسَ، وَقَالَ: أَصْلِحْ بِهَذا شَأْنَكَ فَتْنَاوَلهَ فَرَآه ثَقِيلاً فَوَضَعه عَنْ يده، ثُمَّ أَمْسَكَ بِلِجامِ الدَّابةِ، وَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنتَ؟ جُعِلْتُ فداكَ.
فقَالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: يا هَذا مَا جِئْتُكَ فِي هِذا وَالساعةِ أَرِيدُ أَنْ تَعْرفَني؟ قالَ: فَمَا أَقْبَلُه إلا إِنْ عرَّفْتَني مَنْ أَنْتَ؟ فَقالَ: أَنا جَابُر عثَراتِ الكِرامِ.
قالَ: زدْني.
قالَ: لا. ثُمَّ مضى وَدَخَلَ خُزَيْمَةُ بالكيسِ إِلى ابْنَةِ عمَّهِ، فَقالَ لَها : أَبشِري فَقَدْ أَتَى اللّهُ بالفرحِ والخَيْرِ وَلَوْ كانَتْ فُلوسًا فَهِيَ كثيرةٌ قُومي فاسْرُجي.
قالت: لا سَبِيل إِلى السّراج.
فَباتَ يَلْمِسُها بِيَدِه فَيَجِدُ خُشونَةَ الدّنانيرِ وَلَا يُصَدّقُ، وَأمّا عِكْرِمَةُ فَإِنَّهُ رَجَعَ إِلى مَنْزِله فَوَجَدَ امْرَأَتَه قَدْ فَقَدَتْهُ، وَسَأَلَتْ عَنْهُ فأُخْبِرَتْ بركوبِه، فأَنْكَرَتْ ذَلك وارْتابَتْ، وقالتْ لَهُ: والي الجزيرةِ يَخْرُجُ بَعْدَ هدوءٍ من الليْلِ مُنفَرِدًا، مِنْ غِلْمانِه في سرِّ مِنْ أهْلِه إِلا لزوجةٍ أو سريةٍ.
فَقالَ: اعْلَمي أَني مَا خَرَجْتُ في وَاحِدَةٍ مِنْهُما.
قَالَتْ: فَخَبّرنِي فيم خَرَجْتَ؟
قالَ : يا هَذِه ما خَرَجْتُ في هذا الوَقْتِ وَأَنا أَرِيد أَنْ يَعْلَمَ بِي أَحَدٌ.
قالت: لَأَبُدَّ أَنْ تُخْبرَني؟
قَالَ: تَكْتُمِينَه إِذا.
قَالتْ: فَإِني أَفْعَلُ.
فَأَخْبَرَهَا بالقِصَّةِ عَلى وَجْهِها وَما كانَ مِنْ قَوْلِهِ وَرَدّه عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَنّحِبِّينَ أَنْ أَحْلِفَ لَكِ أَيْضًا؟ قالَتْ: لا؛ فإِنَ قَلْبِي قَدْ سَكَن وَرَكَنَ إِلى مَا ذَكَرْتَ.
وأَمّا خُزَيْمَةُ فَلَمَا أَصْبَحَ صالحَ الغُرماءَ، وَأَصلْحَ مَا كانَ مِنْ حَالِهِ ثُمَّ إِنّه تجهّزَ يريدُ سليمانَ بنَ عبدِ الملكِ، وَكَانَ نَازِلاَ يومئذٍ بفلسطينَ، فَلَمّا وَقَفَ بِبابِه واسْتَأْذنَ دَخَلَ الحَاجِبُ فَأَخْبَره بِمَكَانِه، وَكانَ مَشهُورًا بمُروءتِه وَكَرَمِهِ. وَكانَ سُليمانُ عارفًا بِهِ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَا دَخَلَ سلَّم عَلَيْهِ بالخِلافَةِ، فَقالَ لَهُ سليمانُ بنُ عبدِ الملكِ: يا خُزَيْمَةُ، ما أَبْطَأَكَ عَنّا؟ قالَ: سوءُ الحالِ.
قالَ: فَمَا مَنَعَكَ مِنْ النَّهْضَةِ إِلَيْنا؟ قال: ضَعْفي يا أميرَ المؤْمِنينَ.
قَالَ: فَبِمَ نَهَضْتَ إِلَّيْنا الآنَ؟
قالَ: لَمْ أَعْلَمْ يا أَمِيرَ المؤْمِنينِ إِلا أَني بَعْدَ هدوءٍ مِنَ اللّيْلِ لَمْ أَشْعُرْ إِلا وَرَجُلٌ يَطْرُقُ البابَ وَكانَ مِنْ أمْرِهِ كيت وَكيت، وأخْبَرَه بقصّته مِنْ أوَلِها إِلى آخرِها.
فَقالَ سُليمانُ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَا الرَّجلَ؟
فَقالَ خُزَيْمَةُ: ما عَرَفْتُه يا أَمِيرَ المؤْمِنينَ، لأَنَهُ كانَ مُتنكَّرًا وَما سَمِعْتُ مِنْ لَفْظِهِ إِلا: إِنِي جابرُ عَثَراتِ الكرامِ.
قالَ: فَتَلهّبَ وتَلَهّفَ سُليمانُ بنُ عبدِ الملكِ عَلى مَعْرفِتِه وقالَ: لَوْ عَرَفْناهُ لَكا فأْناهُ عَلى مُروءتِه ثُمَّ قالَ:
عليّ بقناة.
فَأْتيَ بِها فَعَقَدَ لخُزيْمَةً بنِ بشرٍ المذكورِ عَلى الجزيرةِ عَاملاً عَنْ عِكْرِمَةَ الفياضِ. فَخَرَجَ طالِباً الجزَيرةَ، فَلما فَرُبَ مِنْها خَرَجَ عِكْرمَةُ وَأَهَلُ البلَدِ للقائِهِ فسلَّم بعضها على بعض ثُمَّ سارا جَمِيعًا إِلى أَنْ دَخَلا البلدَ، فَنَزَلَ خُزَيْمَةُ في الإِمارَةِ وأَمَرَ أَنْ يُؤْخِذْ لِعِكْرِمَةَ كَفِيلٌ وَأَنْ يُحاسَبَ، فَحوسِبَ فَوَجَد عَلَيْه فُضُولَ أَمْوالٍ كَثِيرةٍ فَطالَبهُ بأدائِهِا قالَ: مالي إِلى شَيْءٍ مِنْ ذلك سَبِيل قالَ: لابُدَّمِنْها.
قالَ: لَيْسَت عِنْدي فاصْنعْ مَا أَنْتَ صانع.
فأمرَ بِهِ إِلى الحَبْسِ، ثُمَّ أنفَذَ إِلَيْهِ مَنْ يُطالِبُه، فَأُرْسَلَ يَقول: إِني لَسْتُ ممن يَصونُ مالهَ بعِرْضِه فَاصْنَعْ ما شِئْتَ
فَأمرَ أَنْ يُكبّلَ بالحَدِيدِ فَأَقامَ شَهْرًا كَذلكَ أَوْ أكْثر، فَأَضْناهُ ذلك وَأَضرَّبِهِ، وَبَلَغَ ابْنةً عمُّه فَجَزِعَتْ واغْتَمّتْ لذِلك ثُمَّ دَعَتْ مَوْلاةً لَهَا، وَكانَتْ ذاتَ عَقْلٍ وَمَعْرِفَةٍ، وَقالَتْ لَها امْضي السّاعةَ إلى بابِ هذا الأَميرِ خُزَيْمَةَ بن بشرٍ وَفُولي: عِنْدي نصيحَةٌ، فَإِذا طُلِبَتْ مِنْكِ فَقُولي: لا أَفُولُها إِلَّا للأميرِ خُزَيْمَةَ بنِ بشر، فَإذا دَخَلَتِ عَلَيْه فَسَلِيْهِ أَنْ يُخْلِيَكِ، فإِذا فَعَلَ ذِلكَ فَقولي: ما كانَ هَذَا جَزاءَ جابرِ عثراتِ الكرامِ مِنْكَ، كافَأتَه بالحَبْسِ وَالضيقِ والحديدِ.
فَفَعَلَتِ الجارِيةُ ذلِكَ: فَلمَّا سَمِعَ خُزَيْمَةُ كَلامَها نادَى برفيع صَوْتِهِ: واسَوْأَناه، وَإِنّهُ لَهُوَ؟ قالَتْ: نَعَمْ، فَأَمَرَ لوقتِه بدابتِه فأُسْرِجَتْ، وَبَعَتَ إِلى وجوه
أَهْلِ البلدِ فَجَمَعَهُم إِلَيْهِ وَأَتَى بِهِمْ إِلى بابٍ
الحَبْس فَفُتِحَ وَدَخلَ خُزَيْمَةُ وَمْن مَعَه، فَرَآه قاعِدًا في قاع الحَبْس مُنَغِيرًا أَضْناهُ الضرُّ وَالأَلُم وَتِقْلُ القُيودِ، فَلَمَا نَظَرَ إِلَيه عِكْرِمَة وإِلى النّاس أَحْشَمَه ذلِكَ، فَنَكّسَ رَأْسهَ، فَأَقْبَلَ خُزَيْمَةُ حَتّى أَكَبَّ عَلى رَأْسِه فَقَبْلَهُ، فَرَفَع عِكْرِمَةُ إِلَيْه رَأْسَه وَقالَ: ما أَعقَبَ هذا مِنْكَ؟ قالَ: كَريمُ فَعِالُكِ وَسُوهُ مُكَافَأَتي.
قالَ: يَغْفُر اللهُ لَنا وَلَكَ.
ثُمَّ أُنِيَ بالحدّادِ فَفَكَّ القُيودَ عَنْهُ، وَأَمَرَ خُزَيْمَةُ أَنْ تُوضَعَ القُيودُ في رِجْلِ نفسهِ.
فَقالَ عِكْرِمَةُ: ماذَا تُريدُ؟
فَقالَ: أُرِيدُ أَنْ يَنالَني مِنَ الضرَّ مِثْلُ ما نالكَ.
فَقالَ: أُفْسِمُ عَلَيْكَ باللهِ لا تَفْعل.
فخَرَجا جَمِيعًا حَتّى وَصَلا إِلى دارٍ خُزَيْمَةً، فودّعَهُ عِكْرِمَةُ وَأَرادَ الانْصِرافَ عَنْهُ. فَقالَ: ما أَنْتَ ببارح.
قال: وَما تُريد؟
قالَ: أُغيِّرُ حالكَ. وَإِنّ حَيائِي مِنْ بِنْتِ عَمّك أشدُّ مِنْ حَيائِي مِنْكَ.
ثُمَّ أَمَرَ بالحَمّامِ فأَخلي، وَدَ خلاه مَعًا. فَقامَ خُزَيْمَةُ وَتَوَلَّى أمرَه وَخَدَمَه بِنَفْسِه، ثُمَّ خَرَجا فَخَلَعَ عَلَيْه، وَحَمَلَه وَحَمّلَ مَعَهُ مَالاً كثيرًا، ثُمَّ سارَ معَه إِلى داره واسْتَأْذَنَه في الاعتِذارِ إِلى ابْنَةِ عمّه، فاعتَذَرَ إِلَيْها وَتذَمّم مِنْ ذَلِك.
قالَ: ثُمَّ سَأَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَسيرُ مَعَهُ إِلى سليمانَ بِنِ عبدِ الملكِ، وَهُوَ يَوْمِنِدْ مقيمٌ بالرّمْلَةِ، فَأنْعمَ لَهُ بذلك.
وَسارا جَميعاً حتّى قَدِما عَلى سليمانَ بِنِ عبدِ الملكِ، فَدَخَلَ الحَاجِبُ فَأعلَمَهُ بقُدومِ خُزَيْمَةً بنِ بشرٍ، قَراعَهُ ذلِكَ وَقَالَ: والي الجَزِيرَةِ يَقْدُمُ بِغَبْرِ أَمْرِنا؟ ما هذا إِلاّ لحِادثِ عَظيمِ! فَلَمّا دَخَلَ قالَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُسَلّمَ: ما وَرَاءَكَ يَا خُزَيْمَةُ؟
قالَ : الخَيْرُ يا أميرَ المؤمنينَ.
قَالَ: فَما الذِي أَقْدمَك؟
قالَ: ظفِرْتُ بجابرِ عثراتِ الكرامِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسُرَّكَ بِهٍ لِما رَأَيْتُ مِنْ تَلَهِفِكَ وَتَشَرُّقِكَ إِلى رُؤيتِه.
قالَ: وَمَنْ هُوَ؟
قالَ: عِكْرِمَةُ الفيّاض.
قالَ: فَأذِنَ لَهُ بالدخول.
فَدَخَلَ وَسَلّم عَلَيْهِ بالخلافَةِ فَرَحّبَ بِهِ وَأَذْنَاه مِنْ مَجْلِسهِ وَقالَ: يا عِكْرِ مَةُ ما كانَ خَيْرُكَ لَهُ إِلا وَبالاً عَلَيْكَ، ثُمَّ قالَ سليمانُ: اكحُتُبْ حَوائجَكَ كُلَّها وَما تَحْتاج إِلَيْهِ في رقْعَةٍ. فَفَعَلَ ذلكَ، فَأَمَرَ بِقَضَائِها مِنْ ساعَتِهِ، وَأَمَرَ لَهُ بعشرةِ آلافِ دينارٍ وسفطين (١) ثيابًا، ثُمَّ دَعا بقناةٍ وعقدَ لَهُ عَلى الجَزيرَةِ وَأَرْمينِيَةَ وَأَذَرْ بيجان وقالَ لَهُ: أمْرُ خُزَيْمَةً إِلَيْكَ إِنْ شِئْتَ أَبِقِيه وَإِنْ شِئْتَ عَزَلْتَه.
قَالَ: بَلْ ارْدُده إِلى عملِه يا أَميرَ المؤمنينَ. ثُمَّ انْصَرَ فا مِنْ عنِده جَمِيعًا وَلَمْ يَزالا عاملينِ لسليمانَ مدةً خلافتِه، واللّه أعلم.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

لإسلام وبناء حض...

لإسلام وبناء حضارة الإنسان المعاصر التركيب العقائديّ والنفسيّ للفرد المسلم المعاصر: إنّ أيّ نظام اج...

الحلقة الأولى: ...

الحلقة الأولى: صدمة الاستيقاظ والشكوك(مؤثرات بصرية: ماريا تفتح عينيها بصدمة داخل غرفة المستشفى الأبي...

Artificial inte...

Artificial intelligence represents a qualitative transformation in the drama production industry, as...

قبل ثلاث سنوات ...

قبل ثلاث سنوات كنا في العراق انا وابي واختي وامي وطلعنا انا وامي اخر اليل بنشتري غرض ورحنا واحنا راج...

يشير محو الأمية...

يشير محو الأمية الصحية إلى قدرة الفرد على الوصول إلى المعلومات الصحية وفهمها وتقييمها واستخدامها بشك...

عندما استيقظ ال...

عندما استيقظ القلب المقدمه في ليلة مقمرة هادئة مليئة بالنجوم ، كان يراقبها من بعيد ، وقد افترشت حضن...

يُعتبر التكوين ...

يُعتبر التكوين التحضيري للأساتذة من الركائز الأساسية التي تعتمد عليها المنظومة التربوية من أجل إعداد...

وقد كان لبعدها ...

وقد كان لبعدها عن المؤثرات الخارجية؛ اللغوية والحضارية وبيئتها الصحراوية حاجزا صادا للمؤثرات فظلت مح...

Starting an onl...

Starting an online business is an exciting journey! You don't need a lot of money to start, but you ...

إذا كنت أعزبًا ...

إذا كنت أعزبًا في الدنمارك، فمن أشهر العادات هناك أن يقيم لك أصدقاؤك وعائلتك احتفالًا بعيد ميلادك من...

IDKIDKIDKIDKIDK...

IDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKIDKI...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التكوير ‹ حلقة 10 → جميع الحلقات حلقة ١٠ من ١٠ تدبر ...