الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (100%)

في تلك الليلة بكى بدر العنكبوت من الوجع كما لم يبك في حياته ودمعت عينا أبيه وأسرع والدي ليحضر الدكتور «باز». كانت الغرفة طافحة بالناس، وكانت والدتي تمسح الجُرْحَ الطري بالقُطْنِ وتُطَهِّره بالكحول، وعندما يَلْسَعُ الكحولُ الجُرْحَ الطري كان «بدر العنكبوت يصْرُحُ، والألم العظيم يطل من دموع أمي ومن ذهول الآخرين ومن طيات وجه والد بدر ومن شقوق قدميه. وصل والدي يصطحب الدكتور «باز» الذي حدق بالناس وكأنه يزجرهم : لماذا تسدون الباب وتتكدسون بعضكم على بعض في هذه الغرفة الصغيرة ؟ إنكم تكتمون أنفاس هذا الصبي الجريح الذي يئن ويصرح ! هل كان الدكتور «باز» يعلم أنهم بهذه الطريقة يعبرون عن تَوَحَدِهِم وتلاحمهم؟ أحضروا له كرسيا، لم يجلس عليه وإنما أجلس حقيبته، تراجع بعض الحاضرين إلى الخلف وخلع الدكتور «باز» سترته وأخذ يُشمر عن ذراعيه، كان وجهه أَحْمَرَ وتُغَطِّي رأسه قبعة رماديَّةٌ بِلَوْنِ شَعْرِ رأسه، كان يتكلم العربية بصعوبة ولكنه ليس (خَوَاجَة» فهو شَرْكَسِيٌّ أو كُرْدِيٌّ، يعالج الفقراء بدون مقابل. الدكتور «باز» اعتاد أن يصرف للناس حبوب «الكينا» حتى قبل أن يسألهم مم يشتكون ولكنه بعد أن شمر عن ذراعيه سأل : - مِمَّ يشكو هذا الصبي؟ قال والدي: هناك جروح في وبدأ يخرج الأضْمِدَة وَعُلَبَ الدواء والمُطَهِّرات، تناول المقص وبدأ يعالج اللحم الزائد المكشوط، توقف الدكتور «باز» قليلا وبعد أن هدأ الصبي قال يخاطب نفسه ولكن جروحه بليغة ثم عاد يسأل: «مَنْ فعل به ذلك؟» بعضًا. أجاب ثالث: الحارس ضربه بالفأس. توقف الدكتور «باز» عن العمل كليًّا ثم وقف وقال : مادام الأمر كذلك فإنه يتعين علي أن أبلغ الشرطة. ولقد راقتني الفكرة، لعل الفكرة راقتهم جميعًا، لا تُكبروا الموضوع . أما الحارس فحسابه عند ربه. لكن أحدًا لم يقتنع و لم يَشْفِ غليله أن يترك حساب الحارس ليوم الحساب وعادوا يتهامسون ويُعربون عن رَغْبَتِهِم فِي مُعاقبة الحارس فَحَسَمَ أبي الأمر قائلاً:

  • ألم تسمع يا دكتور . والده لا يريد إبلاغ الشرطة. وهكذا عاود الدكتور «باز» معالجة الجروح وقص اللحم الزائد وعاود «بدر العنكبوت صُراحه في حين انكمَشْنَا كبارا وصغارًا، واختبأنا وراء الوجع الذي لا يُطَاقُ. في الصباح كان «بدر العنكبوت قد اعتاد على السكينة الموجعة والألم الصامت، أكل كعكة السمسم وشرب كأس الشاي وعندما عُدتُ من المدرسة كان يستطيع أن يَحْكِي وأن يسمع وربما أن يبتسم فحكيت له عن المعلمة ودروس الإملاء. توقفت الحياة عدة أيام. فعادا يتسامران ويتذكران أيام زمان صار بدر العنكبوت يبحث عن سر القوة وكان يقول: « أَكْرَهُ الضُّعف ولو أني ضعيف، يجب أن نفكر كيف نُصْبحَ أقوياء، وذات يوم دخل حارتنا طريف». دخل حارتنا مستجيرا، جاء إلى الحارة عبر حارةٍ مُجاورة، دخل ضعيفًا مُسْتَضْعَفًا، مطرودًا ومُطَارَدًا، يتجمَّدُ القَذَى حَوْلَ عينيه ويمشي بصعوبة وتبرزُ عِظامُ حَوْضِهِ وَيَضْمُرُ بَطْنُهُ فكأنه لم يأكل طعامًا مُنْذُ شَهْرٍ . كان جَحْشًا صَالاً ليس له صاحب، ولذلك فقد قفز على أكتافه كل الأولاد الأشقياء في الحاراتِ المُجاوِرَةِ وَأَوْسَعُوهُ ضَرْبًا وتعذيبًا، فآثار الدماء على رَقَبَتِهِ وبَطْنِهِ، اعتاد على ذلك فها هو لا يُقاوم، يَشُمُّ الأرضَ العَجْفَاء بحثًا عن شيءٍ يُؤكَلُ وَيَضْرِبُه الأولاد بالعصي فلا يَرْفِسُهُم وكلّما ضربه أحدُهم سَرَتْ فوق الجِلْدِ قُشَعْرِيرَة واعتكرت العينان البنيتان الواسعتان فكأنه يتألم على طريقته الخاصة. كان جحشًا رمادي اللَّوْنِ ما عاش طفولته ولا رَضَعَ من ثدي أمه ولا ترعرع في البراري ولا قدم له أحد وجبة من الحشائش الخضراء. الواسعتان فكأنه يتألم على طريقته الخاصة. كان جحشا رمادي اللون ما عاش طفولته ولا رَضَعَ من ثدي أمه ولا ترعرع في البراري ولا قدم له أحد وجبة من الحشائش الخضراء. صاح بدر العنكبوت بالأولاد فابتعدوا عنه ، اقترب وَرَبَّت على الرقبة الناعمة، وعند ذلك الْتَمَعَتْ عَيْنَا الجَحْشِ، وصارتا تُشْبِهَانِ عَيْنَيْ إنسَانٍ، وَصَارَ إِنْسَانُ عَيْنَهِ بِلَوْنِ البن. قال «بدر العنكبوت»: ( إنه جائع وموجوع). «بدر العنكبوت» كان يكره الضعف بالرغم من أنه ضعيف ثم فكر قليلاً وقال: «منذ اليوم سيكون هذا الجحش صديقنا . ووجد طريف » الملجأ والعناية، صار ينام وراء نافذة بيت بدر العنكبوت، وسرعان ما التأَمَتْ جُروحُهُ ودَبَّت فيه الحياة واشتدَّت قوائمه وصار بِوِسْعِهِ أَن يَدُقَ الْأَرْضَ بِحَوَافِرِهِ الصغيرة ويتحفّز إذا مَا مَرَّ بِقُرْبِهِ كَلْبٌ شَرِسٌ. فَقَالَ بَدْرُ العنكبوت»: «هذا جيد»: لقد أصبح طريف» قويا ويستطيع الدفاع عن نَفْسِهِ، عند كُلِّ ظهيرة كُنا نُطْعِمُ «طريف» قبل أن نتناول غذاءنا فيقول أبُو بَدْرٍ : «يا لهذا الجَحْش الذي لن يَجِدَ يَوْمًا سَرْجًا يعلو ظَهْرَهُ الأَحْدَبَ فيأكل ويشربُ وينام بلا فائدة». والحقيقة أنه لم يبق نائمًا أو واقفًا وراء النافذة إلى ما لا نهاية، فقد اصطحبناه مرَّةً إلى مَرْكَزِ توزيع المون وحملناه كيس الدقيق الذي استلمناه، ولقد حَمَل الكيس بجدارة ومشى به كما لو أنه حصان. وبعد أن أَنْزَلْنا عنه كيس الدقيق ألقى بنفسه على التراب وأخذ يتمرغ وما هي إلا لحظات حتى عاد إليه لونه الرمادي فوقف وهو يُخَنْفِرُ» ثم أطلق نهيقًا قصيرًا. كان يجوس الأزقة باحثًا عن رِزْقِهِ، و ما أكثر قشور البطيخ وأوراق الخس الغليظة، ومع الأيام أصبح طريف» أليفا ومألوفًا، صار أنيسا مثل الطيور والقطط وبدأ يكبر ويعلو ويُصبح جِلْدُه دَاكِنًا، صار ينهق بصوت عال وصارَ يُتْقِنُ الرفس والعض والتكشير، وخلال ذلك طمع به الطامعون، فبائع السمك حاول أن يتحايل عَلَيْنَا ويستأجر الحمار بالمُيَاوَمَةِ. إنه يبيع السمك المُجَمَّد، يضعه في الماء إلى أن يذوب الثلج ثم يجمعه في السلة ويدور به على الحارات مُنادِيًا بِصَوْتِ عال زاعمًا أنه سمك طازج. وقد قال لنا إن الحمار يجب ألا يبقى عاطلاً عن العمل، وزعم أن الحمار سَيَهْجُرُنَا إذا لم تكبح جماحه بالشغلِ الشَّاقِ ولكن بدر العنكبوت قال له : «إنك لا تستطيع أن تضحك علينا فعندما زَرَعَكَ إبليس كان بدر العنكبوت في الكيس. فالعَجَرِيُّ يَعْزِفُ وبعد انتهاء الرقصة تطوف حاملة الدف تجمع به النقود التي يجود بها المتفرجون، ثم امتلأت الحارة بِالغَجَرِيَّاتِ اللاتي يَتَسَوَّلْنَ وَيُمَارِسْنَ التَنْجِيمَ وَفَتْحَ البخت وقراءة الطالع، وبعدها جاء الرجال من ذوي الشوارب المعقوفة الذين يبيعون الغرابيل وأَسْرِجَةَ الخيول، ثم جاء إلى حارتنا (شَمْشُونُ الْجَبَّارُ): رَجُلٌ مديدُ القَامَةِ له عضلات مفتولة، ولحية طويلة. وقف بالساحة وقام بألعاب خارقة: كسروا صَخْرَةً فَوْقَ بَطْنِه ونام على سرير من المسامير وجذَبَ بِلَحْيَتِهِ الحَبْلِ فَشَدَّ السيارة إلى الخلف ثم ابتلع ما لا حَصْرَ لَهُ من المسامير والشفرات . كان رجلاً خارقا . ظل «بَدْرُ العنكبوت» يُحَدِّق مذهولاً، الحقيقة أن دهشته طالت في ذلك اليوم، لعله يفكر بالعملقة، لعله كان يفكر بفعل الخوارق . كان مرآها يملأ النفوس رُعبًا ويقولون بأن من يأكل ثمارها يصيبه الجنون ولا يكون مسؤولاً عن أَفْعَالِهِ، وقد يدفعه ذلك إلى القيام بأعمال جنونية. وقد قال لي بَدْرُ العنكبوت» يوماً: أتدري كيف يُصبح حمارنا طريف» بقوّة أَلْفِ حصان؟ فسألته : كيف ؟ أجاب: نُطْعِمُهُ من شجرة تفاح المجانين»،

النص الأصلي

في تلك الليلة بكى بدر العنكبوت من الوجع كما لم يبك في حياته ودمعت


عينا أبيه وأسرع والدي ليحضر الدكتور «باز». كانت الغرفة طافحة بالناس، وكانت


والدتي تمسح الجُرْحَ الطري بالقُطْنِ وتُطَهِّره بالكحول، وعندما يَلْسَعُ الكحولُ الجُرْحَ


الطري كان «بدر العنكبوت يصْرُحُ، وأشْعُرُ بالصِّراخ يخرج من جُمْجُمَتي، والألم


العظيم يطل من دموع أمي ومن ذهول الآخرين ومن طيات وجه والد بدر ومن شقوق


قدميه. وصل والدي يصطحب الدكتور «باز» الذي حدق بالناس وكأنه يزجرهم : لماذا


تسدون الباب وتتكدسون بعضكم على بعض في هذه الغرفة الصغيرة ؟ إنكم تكتمون


أنفاس هذا الصبي الجريح الذي يئن ويصرح ! هل كان الدكتور «باز» يعلم أنهم بهذه


الطريقة يعبرون عن تَوَحَدِهِم وتلاحمهم؟ أحضروا له كرسيا، لم يجلس عليه وإنما أجلس


حقيبته، تراجع بعض الحاضرين إلى الخلف وخلع الدكتور «باز» سترته وأخذ يُشمر عن


ذراعيه، كان وجهه أَحْمَرَ وتُغَطِّي رأسه قبعة رماديَّةٌ بِلَوْنِ شَعْرِ رأسه، كان يتكلم العربية


بصعوبة ولكنه ليس (خَوَاجَة» فهو شَرْكَسِيٌّ أو كُرْدِيٌّ، ولكنه ليس غريبا عن حارتنا وهو


يعالج الفقراء بدون مقابل. في حارتنا ينتشر مرضٌ واحد هو «الملاريا»، ولذلك فإن


الدكتور «باز» اعتاد أن يصرف للناس حبوب «الكينا» حتى قبل أن يسألهم مم يشتكون


ولكنه بعد أن شمر عن ذراعيه سأل : - مِمَّ يشكو هذا الصبي؟ قال والدي: هناك جروح في


كتفه وفي خاصرته. هزّ الدكتور «باز» رأسه كأنه يُعلن عن استيعابه للمسألة، فتح حقيبته


وبدأ يخرج الأضْمِدَة وَعُلَبَ الدواء والمُطَهِّرات، تناول المقص وبدأ يعالج اللحم الزائد


المكشوط، فصرخ بدر العنكبوت من أعماقه. توقف الدكتور «باز» قليلا وبعد أن هدأ


الصبي قال يخاطب نفسه ولكن جروحه بليغة ثم عاد يسأل: «مَنْ فعل به ذلك؟»


أجاب صوت من الخلف: الحارس ضربه بسكين. أجاب صوت آخر : - الحارس ضربه
بعضًا. أجاب ثالث: الحارس ضربه بالفأس. توقف الدكتور «باز» عن العمل كليًّا ثم وقف وقال : مادام الأمر كذلك فإنه يتعين علي أن أبلغ الشرطة. ولقد راقتني الفكرة، فقد تخيلت الشرطة تجلب الحارس مكبلاً وتسوقه إلى المخفر وتخيَّلْتَهُمْ يَرْكُلُونه ويَصْفَعونه بأكفهم الغليظة. أخذوا يتهامسون : أجل. لعل الفكرة راقتهم جميعًا، وعند ذلك تحولت الأنظار إلى والد «بدر العنكبوت الذي حك لَحْيَتَهُ أو بالأصح عُثْنُونَهُ، وقال بصوت منخفض : - يا جماعة وحدوا الله ... لا تُكبروا الموضوع ... المهم أن يُشْفَى الصبي .. أما الحارس فحسابه عند ربه. لكن أحدًا لم يقتنع و لم يَشْفِ غليله أن يترك حساب الحارس ليوم الحساب وعادوا يتهامسون ويُعربون عن رَغْبَتِهِم فِي مُعاقبة الحارس فَحَسَمَ أبي الأمر قائلاً:



  • ألم تسمع يا دكتور ... والده لا يريد إبلاغ الشرطة.


وهكذا عاود الدكتور «باز» معالجة الجروح وقص اللحم الزائد وعاود «بدر


العنكبوت صُراحه في حين انكمَشْنَا كبارا وصغارًا، واختبأنا وراء الوجع الذي لا يُطَاقُ. في الصباح كان «بدر العنكبوت قد اعتاد على السكينة الموجعة والألم الصامت، أكل كعكة السمسم وشرب كأس الشاي وعندما عُدتُ من المدرسة كان يستطيع أن يَحْكِي وأن يسمع وربما أن يبتسم فحكيت له عن المعلمة ودروس الإملاء....


توقفت الحياة عدة أيام. ثم عادت من جديد ... شُفي بدر العنكبوت وعاد للنَّطْنَطَةِ والشَّعْبَطَة وقيادة المباريات وعاد إلى والديه ذلك الجو الأليف الدافئ، فعادا يتسامران ويتذكران أيام زمان صار بدر العنكبوت يبحث عن سر القوة وكان يقول: « أَكْرَهُ الضُّعف ولو أني ضعيف، يجب أن نفكر كيف نُصْبحَ أقوياء، كيف يَرْفَعُ «بدْرُ العنكبوت» الأثقال ويمارس لعبة الملاكمة ؟ وكان يقول أيضًا : متى سَتُصْبِحُ لي قوة ثلاثة أحصنة وأربعة ثيران في وقت واحد؟». وذات يوم دخل حارتنا طريف».. دخل حارتنا مستجيرا، جاء إلى الحارة عبر حارةٍ مُجاورة، دخل ضعيفًا مُسْتَضْعَفًا، مطرودًا ومُطَارَدًا، يتجمَّدُ القَذَى حَوْلَ عينيه ويمشي بصعوبة وتبرزُ عِظامُ حَوْضِهِ وَيَضْمُرُ بَطْنُهُ فكأنه لم يأكل طعامًا مُنْذُ شَهْرٍ . كان جَحْشًا صَالاً ليس له صاحب، ولذلك فقد قفز على أكتافه كل الأولاد الأشقياء في الحاراتِ المُجاوِرَةِ وَأَوْسَعُوهُ ضَرْبًا وتعذيبًا، فآثار الدماء على رَقَبَتِهِ وبَطْنِهِ، اعتاد على ذلك فها هو لا يُقاوم، يَشُمُّ الأرضَ العَجْفَاء بحثًا عن شيءٍ يُؤكَلُ وَيَضْرِبُه الأولاد بالعصي فلا يَرْفِسُهُم وكلّما ضربه أحدُهم سَرَتْ فوق الجِلْدِ قُشَعْرِيرَة واعتكرت العينان البنيتان الواسعتان فكأنه يتألم على طريقته الخاصة. كان جحشًا رمادي اللَّوْنِ ما عاش طفولته ولا رَضَعَ من ثدي أمه ولا ترعرع في البراري ولا قدم له أحد وجبة من الحشائش الخضراء.
الواسعتان فكأنه يتألم على طريقته الخاصة. كان جحشا رمادي اللون ما عاش طفولته ولا رَضَعَ من ثدي أمه ولا ترعرع في البراري ولا قدم له أحد وجبة من الحشائش الخضراء. صاح بدر العنكبوت بالأولاد فابتعدوا عنه ، اقترب وَرَبَّت على الرقبة الناعمة، وعند ذلك الْتَمَعَتْ عَيْنَا الجَحْشِ، وصارتا تُشْبِهَانِ عَيْنَيْ إنسَانٍ، وَصَارَ إِنْسَانُ عَيْنَهِ بِلَوْنِ البن. قال «بدر العنكبوت»: ( إنه جائع وموجوع). «بدر العنكبوت» كان يكره الضعف بالرغم من أنه ضعيف ثم فكر قليلاً وقال: «منذ اليوم سيكون هذا الجحش صديقنا .. ونُسَمِّيهِ «طريف». ووجد طريف » الملجأ والعناية، صار ينام وراء نافذة بيت بدر العنكبوت، وسرعان ما التأَمَتْ جُروحُهُ ودَبَّت فيه الحياة واشتدَّت قوائمه وصار بِوِسْعِهِ أَن يَدُقَ الْأَرْضَ بِحَوَافِرِهِ الصغيرة ويتحفّز إذا مَا مَرَّ بِقُرْبِهِ كَلْبٌ شَرِسٌ. فَقَالَ بَدْرُ العنكبوت»: «هذا جيد»: لقد أصبح طريف» قويا ويستطيع الدفاع عن نَفْسِهِ، أما أولاد الحارة فلم يَعُدْ أَحَدٌ منهم يَجْرُهُ على ضَرْبِهِ أو التَحَرُّش بِهِ، فَبَدْرُ العنكبوت» رغم كل ما حدث ظل زعيم الحارة. عند كُلِّ ظهيرة كُنا نُطْعِمُ «طريف» قبل أن نتناول غذاءنا فيقول أبُو بَدْرٍ : «يا لهذا الجَحْش الذي لن يَجِدَ يَوْمًا سَرْجًا يعلو ظَهْرَهُ الأَحْدَبَ فيأكل ويشربُ وينام بلا فائدة». والحقيقة أنه لم يبق نائمًا أو واقفًا وراء النافذة إلى ما لا نهاية، فقد اصطحبناه مرَّةً إلى مَرْكَزِ توزيع المون وحملناه كيس الدقيق الذي استلمناه، ولقد حَمَل الكيس بجدارة ومشى به كما لو أنه حصان. وعندما وصلنا كان الدقيق الأبيض قد غطى جِلْدَ ظَهْرِه ورقبته، وبعد أن أَنْزَلْنا عنه كيس الدقيق ألقى بنفسه على التراب وأخذ يتمرغ وما هي إلا لحظات حتى عاد إليه لونه الرمادي فوقف وهو يُخَنْفِرُ» ثم أطلق نهيقًا قصيرًا. و لم يعد قابعا طول النهار وراء النافذة، كان يجوس الأزقة باحثًا عن رِزْقِهِ، و ما أكثر قشور البطيخ وأوراق الخس الغليظة، ولكنه كان يدور ويدور ثم يعود إلى مكانه تحت النافذة. ومع الأيام أصبح طريف» أليفا ومألوفًا، صار أنيسا مثل الطيور والقطط وبدأ يكبر ويعلو ويُصبح جِلْدُه دَاكِنًا، صار ينهق بصوت عال وصارَ يُتْقِنُ الرفس والعض والتكشير، وخلال ذلك طمع به الطامعون، فبائع السمك حاول أن يتحايل عَلَيْنَا ويستأجر الحمار بالمُيَاوَمَةِ. إنه يبيع السمك المُجَمَّد، يضعه في الماء إلى أن يذوب الثلج ثم يجمعه في السلة ويدور به على الحارات مُنادِيًا بِصَوْتِ عال زاعمًا أنه سمك طازج. وقد قال لنا إن الحمار يجب ألا يبقى عاطلاً عن العمل، وزعم أن الحمار سَيَهْجُرُنَا إذا لم تكبح جماحه بالشغلِ الشَّاقِ ولكن بدر العنكبوت قال له : «إنك لا تستطيع أن تضحك علينا فعندما زَرَعَكَ إبليس كان بدر العنكبوت في الكيس... بعد مدة جاور حارتنا الغَجَرُ ، فالعَجَرِيُّ يَعْزِفُ
والغَجَرِيَّةُ ترقص، وبعد انتهاء الرقصة تطوف حاملة الدف تجمع به النقود التي يجود بها المتفرجون، ثم امتلأت الحارة بِالغَجَرِيَّاتِ اللاتي يَتَسَوَّلْنَ وَيُمَارِسْنَ التَنْجِيمَ وَفَتْحَ البخت وقراءة الطالع، وبعدها جاء الرجال من ذوي الشوارب المعقوفة الذين يبيعون الغرابيل وأَسْرِجَةَ الخيول، ثم جاء إلى حارتنا (شَمْشُونُ الْجَبَّارُ): رَجُلٌ مديدُ القَامَةِ له عضلات مفتولة، ولحية طويلة. وقف بالساحة وقام بألعاب خارقة: كسروا صَخْرَةً فَوْقَ بَطْنِه ونام على سرير من المسامير وجذَبَ بِلَحْيَتِهِ الحَبْلِ فَشَدَّ السيارة إلى الخلف ثم ابتلع ما لا حَصْرَ لَهُ من المسامير والشفرات ... كان رجلاً خارقا ... ظل «بَدْرُ العنكبوت» يُحَدِّق مذهولاً، الحقيقة أن دهشته طالت في ذلك اليوم، لعله يفكر بالعملقة، لعله كان يفكر بفعل الخوارق .... كان أهلنا يحذروننا من أشجار شوكية جافة تنبت خارج الحارة، كان مرآها يملأ النفوس رُعبًا ويقولون بأن من يأكل ثمارها يصيبه الجنون ولا يكون مسؤولاً عن أَفْعَالِهِ، ويقولون أيضًا بأن من يأكلها تُصبح له قوة الأسد ودهاء الثعالب وزَهْوُ الطَّوَاوِيس وكبرياء النسور، وقد يدفعه ذلك إلى القيام بأعمال جنونية. وقد قال لي بَدْرُ العنكبوت» يوماً: أتدري كيف يُصبح حمارنا طريف» بقوّة أَلْفِ حصان؟ فسألته : كيف ؟ أجاب: نُطْعِمُهُ من شجرة تفاح المجانين»، وحينما لاحظ دهشتي قال: «وما الذي يُدهشك؟» قلت : «لقد شاهدت في السابق رجالاً أكلوا من تفاح المجانين لكنني لم أر حمارًا فعل ذلك» فأجاب بدر : « سترى بعينيك كيف تُصْبِحُ لهذا الحمار قوة الثيران ذات القرون الحادة». ومِنَ الغد عدتُ عِندَ الظهيرة فلم أجد بَدْرَ العنكبوت» ولا الحمار «طريف»، فعرفت أنه ذهب إلى حيث أشجار تفاح المجانين، فتوقعت حصول مكروه... وجُنَّ الحمار في تلك الظهيرة، أصْبَحَ ثَوْرًا هائجًا، وانطلق رافِعًا ذَيْلَهُ مُكَشّرًا عن أسنانه، وقد داهم بيوت الغَجَرِ رَافِسًا مَنْ اقتربَ مِنْهُم قاطعًا جِبَالَ الخيام قالبا الجرار والغرابيل وأقفاص الطيور، فَدَبَّ الذعر وهرب الرجال والنساء ذوات الأثوابِ الْمُزَرْكَشَةِ والأطفال العراة. ووصلت أخبار طريف) حارتنا فاختفى المارة وأغلقت الدكاكين، فقد كان طريف» في ذِرْوَة الهيجان، كان يطير وقيل إنه رَفَسَ سيارة فكسر زجاجها، وقيل إنه هجم على عامل محطة البنزين السمين فأَوْقَعَهُ أَرْضًا وقيل إنه عَضَهُ. وعندما وصل إلى حارتنا في نهاية الأمر كان مِثْلَ مَوْجَةٍ عاتية بلغتْ ذِرْوَتَهَا وانكسرت وبدأت تَنْحَسِرُ، كان قد استنفد قواه فخفت سُرْعَتُهُ وازدادت صعوبة تنفسه وعندما توقف وراء النافذة عند الحائط خارت قواه ونام على الأرض، نام على ظهره بينما قوائِمُهُ مُشَهَّرَةٌ في الهواء، ثم «خَنْفَرَ) كما لو أن رأسه ستنفجر . أطل الناس برؤوسهم، وخرج البقال والجزار والسمسار وبائع السمك، وقد
البيت، ولكنه حين علم بمصير «طريف» أَلْصَقَ رَأْسَه بالحائط وأجهش بالبكاء، بكى


وبكى وواصل البكاء ثم مشى ابتعد وهُوَ يَنْشُجُ و لم يَعُدْ إلى البيت في تلك الليلة إلا حين


تَيَقَّنَ مِن نَوْمِ والديه.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

أحْفَظُ وصف الل...

أحْفَظُ وصف اللَّه سبحانه وتعالى نفسه بصفات الكمال وأمر بتعظيمه، فهو الذي خلق الإنسان والحيوان، وخص ...

في نهاية هذا ال...

في نهاية هذا البحث القانوني المعمق حول العقود الإدارية والخلافات المرتبطة بها، نستنتج أن النظام القا...

المبرر: يمكن له...

المبرر: يمكن لهذا التوصية أن تساعد مايكروسوفت في الاستجابة للتطورات التكنولوجية والتغيرات في بيئة ال...

يا بني : عشت سن...

يا بني : عشت سنين مع أبي وأنا أسمعه يكرر : كم أكره التدخين، التدخين حرام، انظر هذا المدخن كيف يحرق ا...

أولا أثر القصد ...

أولا أثر القصد الجنائي (الركن المعنوي)، بحيث يتجلى مبدأ التناسب بشكل صارخ عند المقارنة بين المساس ال...

بحثت وزيرة الخا...

بحثت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين الدكتورة أفراح الزوبة، اليوم الخميس، مع أعضاء المجموعة البرلماني...

وثّق مركز تعز ا...

وثّق مركز تعز الحقوقي (THRC) ارتكاب مليشيا الحوثي 1444 انتهاكاً بحق المدنيين والأعيان المدنية في محا...

### السؤال الثا...

### السؤال الثاني: **"تتطلب إدارة الجلسات السيكودرامية لذوي الاحتياجات الخاصة فهماً عميقاً لكيفية ت...

تولى الأدميرال ...

تولى الأدميرال دوبريه قيادة أسطول بحري مكون من 600 سفينة في تولون، ثم توجه نحو مدينة الجزائر العاصمة...

Kvinnesyn: Kvin...

Kvinnesyn: Kvinnen blir framstilt som naiv og lett å lede, men samtidig som nysgjerrig og viljesterk...

مقدمة شكّل المر...

مقدمة شكّل المرفق العام منذ نشأة الدولة الحديثة الأداة الرئيسية لتحقيق المصلحة العامة وإشباع الحاجات...

التخصص العلمي ل...

التخصص العلمي للباحث: يعد من أهم العوامل الذاتية لإختيار البحث، إذ تعتبر القدرة العلمية عاملا متحكما...

أخبار التقنية