لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (100%)
عادة ما تلجا الدولة الحديثة في اختيارها لأسلوبها في التنظيم الإداري بما يتلاءم مع ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسّياسية، فتلجا إلى المركزية الإدارية عند نشأتها، وعندما تستقر أمورها وتكبر حجمها وتزداد واجباتها وتتوسع خدماتها تتحول إلى اللّامركزية الإدارية إلى جانب المركزية ضمانا لتفرغ الحكومة المركزية للأمور السياسية الهامة وتحقيقا لمشاركة المواطنين في إدارة مرافقهم وخدماتهم . وتهدف هذه الدراسة والمحور وضع الإطار المفاهيمي لمصطلح الإدارة المحلية وتمييزه عن غيره من المصطلحات ذات العلاقة، الجماعات الإقليمية وبيان مقومات الإدارة المحلية و أركانها وحتّى أهدافها لاعتبارها إطارا فكريا يُمكن اعتباره منطلقًا لتناول نظام الجماعات الإقليمية في الجزائر، وعموما في إطار الفصل التمهيدي سيتم تناول مفهوم الإدارة المحلية والمفاهيم ذات العلاقة بها في المبحث الأول، وفي المبحث الثاني يتم التعرض لعناصر الجماعات الإقليمية وأركانها. -المبحث الأول:مفهوم الإدارة المحلية والمفاهيم ذات العلاقة. وفيه يتم التّطرق إلى مفهوم كل من الإدارة المحلية و المفاهيم ذات العلاقة بها في المطلب الأول، فضلا عن أهم الفروفات الموجودة بينها وبين المفاهيم المشابهة والقريبة منها في المطلب الثاني. -المطلب الأول:مفهوم الإدارة المحلية. لا يمكن الحديث عن مفهوم الإدارة المحلية دون التّعرض لموضوع اللّامركزية كمفهوم وممارسة مرت بها معظم دول العالم المتقدمة منها والنامية الفرع الأول، ليتسنى لاحقا الحديث عن أهم التعريفات التي قيلت في الإدارة المحلية الفرع الثاني
-الفرع الأول:في تعريف اللّامركزية. اللّامركزية عبارة عن أسلوب في التّنظيم الإداري يقوم على أساس توزيع السلطات والاختصاصات بين السلطة المركزية وهيئات أخرى مستقلة قانونا. واللّامركزية بهذا المعنى قد تكون لامركزية سياسية أو لامركزية إدارية ، فالأولى في معناها تقضي بتوزيع الوظائف الحكومية المختلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية. أمّا اللّامركزية من منظور إداري فتعني قيام الحكومة بنقل صلاحيتها في شؤون التّخطيط و إدارة الموارد من المركز إلى وحدات المحلية في الميدان. وبمعنى آخر فإنّها أسلوب من أساليب توزيع الوظيفة الإدارية بين الحكومة المركزية وبين هيئات محلية، قد تكون منتخبة أو معنية أو مزيجا منهما، على أن تحتفظ الحكومة المركزية بحق الرقابة والإشراف. كما قد تكون اللّامركزية واسعة "عريضة" أو ضيقة أي محدودة المجال وفي جميع الحالات فإن ذلك يعتمد بشكل رئيسي على رغبة الحكومة المركزية في التّخلي عن بعض مسؤولياتها للهيئات المحلية المختلفة والتّي تختلف نسبتها عمليا من بلد إلى آخر، طبقا لخصوصية و ظروف كل دولة و خصائصها، ومن ثمة، فإنّ تطبيق أسلوب اللّامركزية الإدارية تتطلب إيجاد وحدات محلية إدارية ذات استقلال مالي و إداري لممارسة صلاحياتها. لكن هذه الاستقلالية لا تعني إعفاء تلك الكيانات ولا بأي صورة من الصّور عن ممارسة الحكومة المركزية لنشاط الرقابة والإشراف عليها. و للّامركزية أهداف أجملها والتر كالن في أربع أسباب لتبنيها تتمثل في:
1-توفير إدارة كفؤة إذ أن المشاريع المحلية تعد الأكثر تجاوبا لحاجات وظروف المجتمع المحلي. 2-ضمان تحقيق الديمقراطية وحقوق الأفراد والتي تعتبر مفاتيح الأمان عندما تتخد القرارات بشكل يتماشى مع اهتمامات السكان المحليين. وللّامركزية أشكال، فمنها الإدارية والسياسية، كما توجد اللّامركزية الإقليمية واللّامركزية المصلحية أو المرفقية وذلك كما يلي:
أ-اللامركزية الإقليمية:طبقا لها تقوم على وحدات إقليمية مستقلة بإدارة الشؤون المحلية لإقليم أو المنطقة المحلية من الدولة، ما يقتضي أن تكون هناك مصالح محلية متميزة عن المصالح الوطنية، يُعهد الإشراف عليها إلى وحدات إدارية مستقلة، ويعتبر هذا النوع من الإدارة مرادفا لنظام الإدارة المحلية، وهذه اللّامركزية تفترض وجود وحدات إدارية محلية مستقلة تتمتع بشخصية اعتبارية تُمثلها مجالس محلية منتخبة كانت أو معنية، وتخضع لإشراف و رقابة الحكومة المركزية. وفي هذا المجال ينبغي التّمييز بين اللّامركزية محل الدراسة و وحدات عدم التّركيز الإداري، الأولى تتمتع بالشخصية الاعتبارية و تمارس نشاطات طبيعية محلية، ولها اختصاصات أصلية يكفلها القانون بحيث لا تخضع بصورة مطلقة للسلطة المركزية في العاصمة، في حين أنّ الوحدات الفرعية للإدارة المركزية وهو ما يمثل عدم التركيز ترتبط برابطة التّبعية والخضوع للحكومة المركزية. ب-اللّامركزية المصلحية أو المرفقية:في معناه قيام هيئات عامة مستقلة قادرة على ممارسة وظيفتها المحدودة في منطقة واحدة أو عدة مناطق في الدولة، وهي ما تعرف بالمؤسسات العامة وإتباع هذا الأسلوب ينطلق من رغبة الحكومة في إدارة عدد من المرافق العامة بأسلوب تجاري بعيدا عن تعقيدات البيروقراطية الحكومية و إجراءاتها الحكومية، وذلك بهدف تقديم خدمات إلى المواطنين بأقل تكلفة ممكنة وبفعالية اكبر، كما أن لها ذمة مالية مستقلة وتتمتع بحقها في اللجوء إلى القضاء على أن تتولى مسؤولياتها ضمن الاختصاصات المسندة إليها قانونا. -الفرع الثاني:في تعريف الإدارة المحلية. تعددت وتنوعت التّعريفات المتناولة للإدارة المحلية تبعا لوجهات نظر الفقهاء، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن كل مفكر كان ينظر إلى الإدارة المحلية من زاوية معينة مبنية على الفلسفة الفكرية السياسية والقانونية للدولة التي ينتمي إليها المفكر أو الكاتب، وان كان بالنهاية نجد أنّ أولئك المفكرين قد اتفقوا على المبادئ الأساسية التي تتعلق بنظام الإدارة المحلية. ومن بين هذه التعريفات يُذكر:
وتناولها عبد الرزاق الشيخلي بأنّها:"أسلوب من أساليب التّنظيم الإداري للدولة تقوم على فكرة توزيع النشاطات والواجبات من الأجهزة المركزية والمحلية، وذلك بغرض أن تتفرع الأولى لرسم السياسية العامة للدولة إضافة إلى إدارة المرافق العمومية في البلد، وان تتمكن الأجهزة المحلية من تسيير مرافقها بكفاءة، وتحقيق أغراضها المشروعة". وعلى ضوء التّعريفات سابقة الذكر و قواسمها المشتركة يمكن تعريف الإدارة المحلية بأنّها: "جزء من النظام العام للدولة منحها القانون الشخصية الاعتبارية وتتمتع بالاستقلالية، وجدت من اجل تلبية احتياجات مجتمعها المحلي ممثلة بهيئة منتخبة، تعمل تحت رقابة و إشراف السلطة المركزية". فالتنظيم الإداري المحلي في استعمالاته وتداوله كمفهوم من قبل الباحثين والدارسين عدة مرادفات، إذ نجد العديد من المؤلفات تستخدم هذه المرادفات للدلالة عليه كالهيئات المحلية، الجماعات الإقليمية، الإدارة المحلية، الحكم المحلي، فما أوجه الاختلاف بين هذه المفاهيم؟
-الفرق بين الجماعات المحلية كمفهوم والحكم المحلي:
رغم أن الحكم المحلي كمفهوم يتشابه مع التنظيم الإداري المحلي أو الجماعات المحلية من حيث أن كلاهما يعبر عن النظام لامركزي إقليمي ، إلا انه قد ثار جدلا واسعا بين المفكرين والباحثين عن أن كان ذلك التشابه بينهما يفيد فعلا أن الإدارة المحلية أو الجماعات المحلية هي نفسها الحكم المحلي، في هذا الإطار ذهب الرأي الأول و دعى إلى عدم التفريق بين المفهومين على اعتبار أن لهما مدلولا واحدا رغم اختلاف التعبير، إذ أنهما يشيران إلى أسلوب واحد من أساليب الإدارة يتباين تطبيقه من دولة إلى أخرى، وهناك رأي ثاني ذهب إليه بعض الباحثين يتلخص باعتبار نظام الإدارة المحلية خطوة أو مرحلة أساسية نحو الحكم المحلي حيث تبدأ بعض الدول عند تطبيق اللامركزية الإدارية بتفويض الصلاحية أو تحويلها أولا من الحكومة لممثليها في المحافظات ثم تبدأ بتطبيق الإدارة المحلية بعد ذلك وفي حالة نجاح هذه الإدارة المحلية تقوم بتطبيق نظام الحكم المحلي. أما الرأي الثالث وهو الراجح فيذهب إلى القول أنّ الحكم المحلي أوسع في مداه ونطاقه في مفهوم الإدارة المحلية أو الجماعات المحلية، نحن لدينا حكومة وليس لدينا إدارة مركزية". أمّا المفهوم الثاني والخاص بالإدارة المحلية أو الجماعات المحلية فيتعلق باللامركزية الإدارية أساسا، وبالتالي فحتى وان كانت وحداتها تتمتع باستقلالية غير أنّها نسبية تمس الجانب الإداري فقط، كما أنّ نطاقه يتعلق تحديده بالدرجة الأولى بنية المشرع المتأثرة بمجموع العوامل "السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، التقنية، التكنولوجية"، فيمكن أن يتسع دون أن يصل إلى درجة الحكم المحلي، ويمكن أن تضيق عن طريق تفعيل آليات الرقابة الوصائية، وهو ذاته المصطلح-الجماعات المحلية-التّنظيم الإداري المعتمد من طرف النظام الفرنسي وحتى في الجزائر وذلك دون أن تفقد اللامركزية معناها. -المبحث الثاني:عناصر و مقومات قيام الجماعات المحلية. فلقيام الجماعات المحلية كنظام ينبغي توافر مجموعة من الأركان يقتضيها بناءها الفقهي"المطلب الأول" ومقومات يتم إجمالها فيمايلي"المطلب الثاني". -المطلب الأول:الأركان الأساسية لقيام الجماعات المحلية. فأول عنصر من عناصر قيام الجماعات الإقليمية هو الاعتراف بوجود مصالح محلية أو إقليمية متميزة عن المصالح الوطنية، يفضل أن يعهد بالإشراف عليها ومباشرتها لأبناء الوحدة المحلية على اعتبار أنها لا تهم جميع المواطنين في الدولة. ما يقضي أن يتولوا بأنفسهم إدارتها حتى تتفرع الإدارة المركزية لمجموع المصالح التي تهم الدولة ككل، إذ انه وان كان من الضروري أن تهيمن الدولة بصفة مطلقة على المرافق التقليدية كالأمن والقضاء والخارجية . الخ، توزيع المياه، النظافة، الكهرباء، الطرقات، ينبغي ترك تسييرها لمن يستفيد منها مباشرة بحيث أنهم أدرى بحاجتهم إليها. والأسلوب الفرنسي. -أولًا:الأسلوب الأنجلوسكسوني"الانجليزي":
بمقتضاه يتم تحديد اختصاصات الهيئات المحلية بشكل حصري وبموجب قانون يوضح كافة الشؤون المحلية التّي تخول للهيئات اللامركزية مُمارستها في كافة مستلزماتها، كما يقوم على أساس تمتيع الهيئات الكبيرة في المستويات العليا باختصاصات أكثر وأهم عن غيرها من المستويات الدنيا والصغرى حجما و وسائلا، وبالتّالي فإن كل مجلس من المجالس المحلية فيها ينهض باختصاصات واسعة تتناسب مع طبيعته و مستواه في التنظيم وكل منها مستقل عن الآخر ولا يخضع لغيره من المجالس الأخرى التي تعلوه، ومن بين الاختصاصات المخولة للجماعات المحلية الانجليزية يذكر على سبيل المثال:قيامها بمرفق الصحة العامة والذي يشمل خدمات الصحة العامة، رعاية الأمومة، الطفولة، الإسعاف، قيامها بمرفق حماية المواطنين من الأخطار عن طريق تنظيم الشرطة و المطافئ، الدفاع المدني، تقديمها للخدمات الاجتماعية كتوفيرها لفرص الشغل للخريجين. -ثانيا:الأسلوب الفرنسي. ينبغي بادئ الأمر الإشارة إلى أنّ اختصاصات الجماعات المحلية في فرنسا لا تحدد بموجب نصوص دستورية كما هو الشأن في بعض الدول كإسبانيا مثلا، بل بموجب نصوص قانونية وتنظيمية وذلك استنادا إلى دستور سنة 1958 الذّي ينص على أنّ الجماعات تدبر أمورها بشكل حر وفقا للشروط المحددة في القانون. وعلى ذلك، فقد سار المشرع الفرنسي ومند القانون الأساسي الأول للبلديات المؤرخ في سنة 1884على المبدأ العام أو الصيغة العامة لتحديد الاختصاصات الموكلة للهيئات اللّامركزية، ولم يعمد إلى حصرها في قوائم معينة تمييزا لها عن اختصاصات المؤسسات العمومية القائمة على مبدأ التخصص. وعموما فيجري العمل في النظم المحلية المقارنة على اعتبار الأمن الخارجي والسياسية الخارجية وصك العملة والقضاء، مصالح عامة وطنية أمّا باقي المصالح الأخرى كالأمن الداخلي والتعليم والصحة والإسكان والثقافة . فإنّها تعتبر مصالح محلية. ومع ذلك فإنّ الحكومات المركزية في بعض النظم قد ترى أنّ المصلحة العليا للدولة قد تقتضي إبقاء السياسات العامة الخاصة بهذه المصالح المحلية بيد الحكومة المركزية، مثل ما هو الشأن بالنسبة إلى الجزائر التي لا يحق للجماعات المحلية فيها وضع سياسات محلية خاصة بها، وإنّما تتحدد مهام هذه الجماعات وفق المخطّط العام الموضوع من طرف الدولة ومختلف البرامج الحكومية. -الفرع الثاني:تتمتع الجماعات المحلية بالشخصية المعنوية. الاعتراف بوجود مصالح محلية غير كاف لوحده لقيام نظام الجماعات المحلية، إذ يشترط أيضا تتمتع الوحدات المحلية القائمة على هذه المصالح بالشخصية المعنوية إذ تعد النتيجة الطبيعية لقيام اللامركزية ولحماية مصالحها القانونية، وهذا تماما ما يميز الإدارة المحلية عن الإدارة المركزية وذلك حسب الفقيه الفرنسي مارسيل فالينwalline بقوله:"من الضروري أن يكون هناك أشخاص إدارية خلاف الدولة تنسب إليها لا إلى الدولة تصرفها"، وعلى ذلك فإنّ ما أغفلت الحكومة المركزية أو رفضت منح الشخصية المعنوية، فإنّ ذلك يعني أنّها مازالت مرتبطة بالإدارة المركزية وتعد فرعا من فروعها ولا يمكن اعتبارها وحدات محلية بأي حال من الأحوال. وبالتّالي فإنّ الشخصية المعنوية تُعد الطابع الذّي يُميّز الوحدة المحلية ويمنحها الصفة القانونية، وما الاعتراف بها إلا نتيجة منطقية للاعتراف باستقلالها وبوجود مصالح محلية خاصة بها. ويترتب على تمتع الجماعات المحلية بالشخصية الاعتبارية عدة نتائج هامة نجملها فيما يلي:
أ-وجود من يعبر عن إرادة الشخص المعنوي ، وعادة ما يعهد بذلك إلى مجلس محلي يضم ممثلين عن أبناء إقليم يتولى التّعبير عن إرادتهم والتّصرف طبقا لمصالحهم من ذلك المجالس الشعبية البلدية و الولائية المنتخبة في الجزائر. ب-يقتضي الاعتراف بالشخصية الاعتبارية أن تكون للوحدة المحلية ذمة مالية مستقلة متميزة عن أموال الدولة وعن أموال الوحدات المحلية الأخرى. ج-من نتائج الاعتراف كذلك للجماعات المحلية بالشخصية الاعتبارية صلاحية تحمل الواجبات واكتساب الحقوق. د-أهلية هذه الجماعات للتقاضي إذ يجوز لها أن تقاضي كمدعي وتقاضي كمدعي عليها، وسواء كانت أطراف الخصومة أشخاصا عامة كالدولة أو وحدات محلية أخرى أو أي من هيئات القانون العام أو كانت أطراف الخصومة أشخاصا خاصة كالأفراد أو الشركات. -الفرع الثالث:تتمتع المجالس المحلية بالاستقلال في ممارسة اختصاصاتها. لا يكفي وجود مصالح محلية متميزة وعن المصالح الوطنية ومنح الشخصية المعنوية لقيام التنظيم الإداري المحلي، إذ لابد أن يكون المجلس المحلي القائم على هذه المصالح مستقلا في ممارسته لوظائفه الإدارية عن الحكومة المركزية. هذا الاستقلال الذي يتسم بالنسبة على اعتبار أنه يشمل الجانب الإداري فقط، و بالجزئية لممارسة رقابة على هذه الجماعات من طرف السلطة الوصية، تحديد نطاقه وحجمه بالدرجة الأولى يتعلق بنية المشرع المتأثرة بعدة عوامل تقنيه"مدى تطور وانتشار وسائل الاتصال بين المركز والإقليم، عوامل سياسية"الإدارة السياسية في بسط اللامركزية واحترامها، عوامل مالية كتوزيع الأعباء بين الدولة والمجموعات المحلية لصالح هذه أو تلك، كما أنّ ضمان تجسيده من النّاحية الفعلية يثير إشكالات عدة أهمها معرفة مدى نجاعة الأسلوب المتبع في اختيار أعضاء المجالس المحلية في ضمان ذلك؟
في هذا المجال يذهب الفقه إلى اتجاهين احدهما يحبذ اختيار أعضاء المجالس المحلية بطريق الانتخاب ويراه ضمانة عامة لتجسيد الاستقلال، وآخر لا يرى ثمة ما يحول دون اختيار هؤلاء الأعضاء بطريق التّعيين وبين استقلالهم الإداري، وهذا تماما ما سيتم تحليله فيما يلي:
-أولا:الاتجاه المؤيد للانتخاب. أنصار هذا الاتجاه يذهبون إلى القول أنّ انتخاب أعضاء المجالس المحلية يعتبر شرطا ضروريا لوجود نظام الإدارة المحلية من جهة ولاستقلالها من جهة أخرى، ويستند أنصار هذا الرأي إلى الحجتين التّاليتين:
1-تعيين أعضاء المجالس المحلية بواسطة الحكومة المركزية يتنافى مع طبيعة النظام اللّامركزي ومبدأ مشاركة المواطن المحلي في تسييره لشؤونه. 2-إذا كان الاقتراع هو وسيلة التي يتم بها تحقيق الديمقراطية السياسية، وإذا كانت الإدارة المحلية هي التّطبيق الديمقراطي للإدارة، فإن الربط بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الإدارية يؤدي بالضرورة إلى أن يكون الانتخاب أيضا هو الوسيلة التي يتم عن طريقها تشكيل الجماعات المحلية. وفي هذا المجال يستحضرنا قول الأستاذ سليمان الطماوي في هذا المجال:"لا نعرف بلدا ديمقراطيا يشكل المجالس المحلية بغير الانتخاب". -ثانيا:الاتحاد المؤيد للتعيين. يرى أنصار هذا الرأي بأنه ليس ثمة ما يمنع من قيام السلطة المركزية بتعيين أعضاء المجلس المحلية دون أن يؤثر ذلك في استقلال المجالس المحلية أو حتى إهداره، وذلك شريطة توفير مجموعة من الضوابط والشروط، يذكر منها:
1-ضرورة توافر ضمانات تكفل لأعضاء المجالس المحلية المعنيين استقلالهم في مواجهة السلطة المركزية، ولعّل أهم وسيلة لتحقيق ذلك هي عدم قابليتهم للعزل قبل انتهاء مدتهم القانونية. 2-ضرورة مراعاة الحكومة المركزية في تعيين الأعضاء وجود رابطة حقيقية بين هؤلاء الأعضاء وتمثيل المصالح المحلية سواء كان أساس الرابطة جغرافي كالاشتراط مثلا الإقامة في الإقليم لمدة زمنية معينة، أو ممكن تقوم على أساس مالي كأن يكون للعضو بعض المصالح التجارية أو العقارية في الإقليم. وبالإضافة إلى هذه الضمانات فإن أنصار اختيار أعضاء المجالس المحلية عن طريق التعيين يقدمون بعضا من الحجج تؤيد وجهة نظرهم في أن الأسلوب الانتخاب ليس شرطا لازما لقيام نظام الجماعات الإقليمية أو استقلال مجالسها في ممارسة اختصاصاتها ومن هذه الحجج يُذكر:
1-المجتمع المحلي غير مهيأ بطبيعته لتطبيق نظام اختيار أعضاء المجالس المحلية عن طريق الانتخاب، وذلك بسبب ضعف المستوى التعليمي، وهذا لقلة الثقافة الانتخابية للناخبين، وحتى سيادة النظام القبلي والعشائري على المستوى المحلي، ما يؤدي إلى صعوبة الانتخاب من الناحية العملية. 2-استعمال أسلوب الانتخاب في اختيار أعضاء المجالس المحلية قد لا يؤدي عادة إلى انتقاء الأكفأ إداريا، وبذلك نحرم هذه المجالس من الكفاءات الإدارية المتخصصة، إذ أنّ اختيار الأعضاء عن طريق هذا الأسلوب-الانتخاب-عادة ما يقوم على ما للمترشحين من مكانة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وليس على ما يتسع به العضو من خبرة أو تخصص، 3-لا يعد الانتخاب للضمان الوحيد لاستقلال أعضاء المجالس المحلية، إذ أنّ هذا الأخير يمكن أن يتحقق دون الأخد بذلك الأسلوب، إذ أن أعضاء مجالس الإدارات المؤسسات العامة والتّي تعد صورة اللامركزية المرفقة يتمتعون باستقلال في ممارسة مهامهم رغم أنّهم معنيون من قبل الحكومة. ونفس القول ينطبق على القضاة، لذلك فيمكن النص على عدم قابلية أعضاء المجالس المحلية المعنيين للعزل قياسا على القضاة. بالرغم من أنّ هذه الحجج المؤيدة لأسلوب للتّعيين، إلّا أنّه ينبغي القول أن الانتخاب حتى وإن كان تجربة سياسية تتعلم الجماهير من خلالها أبجديات العمل والممارسة السياسية، ولكون أنّ مجالس المحلية المنتخبة تعد إلى جانب كونها تدخل في بناء الدولة إداريا، نظما سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة فينبغي القول أن أسلوب الانتخاب لا ينظر إليه فقط كأساس لتجسيد فكرة استقلال الجماعات الإقليمية، بل يعد ركنا لوجود هذه الجماعات وحتى أنجح الطرق لتكريس مشاركة المواطن المحلي في تسييره لشؤونه. -الفرع الرابع:الرقابة الممارسة على الجماعات الإقليمية. مهما تعددت وتنوعت وحدات الإدارة المحلية وتمتعت بالاستقلال، فينبغي أن تعمل في إطار السياسية العامة للدولة طبقا لقوانينها وتنظيماتها، باعتبارها أجهزة مشاركة في جزء النشاط الإداري والتنفيذي للدولة. وبالتالي فإن عدم الاعتراف بممارسة الرقابة من طرف السلطة المركزية على الوحدات المحلية يعوض وحدة الدولة ونسيجها الاجتماعي والسياسي لمخاطر جمة تتمس بطابعها الدستوري، ولهذا جرى العمل في مختلف الدول على تبنيها باعتبارها تدخل في الفلسفة الأساسية لتكوين مبدأ اللّامركزية الإدارية عامة، وان كانت مظاهرها تختلف من سياسة برلمانية، قضائية، وصائية فإنّ هذه الأخيرة تضيق أو تتسع حسب ظروف كل دولة، وفي هذا المجال يستحضرنا قول حسن عواضة عند حديثه عن نطاق هذه الرقابة بقوله:"انه لا يمكن للإدارة المركزية أن تصل في رقابتها على الإدارة المحلية إلى حد إصدار الأوامر، كما هو الحال في الرّقابة الرئاسية ذلك أن ممارسة سلطة إصدار الأوامر تصطدم باستقلال الإدارة المحلية وتمس جوهر اللامركزية نفسه". هذه الرقابة التي تقوم في أساسها على فكرتي الإشراف والتعاون لها مجموعة من الأهداف يذكر منها:
1-تأكيد الوحدة السياسية والإدارية للدولة باعتبار أن الإدارة المحلية ما هي إلا نظام فرعي من النظام العام للدولة وأجهزتها. 2-التأكيد على أن الإدارة المحلية تعمل على وفق قوانين والأنظمة التي تصدرها الحكومة المركزية، إضافة إلى أن قرارات المجالس المحلية تكون موافقة ومطابقة لهذه القوانين والأنظمة وذلك لحماية الجميع، الحكومة المركزية والإدارة المحلية والمواطنين. ودراسة الرقابة الممارسة على الجماعات الإقليمية وبخاصة الوصائية منها تدفعنا لتناول نماذجها كالتّالي:
والتي لا تقوم إلا بإشراف خفيف على أعمال هذه الجماعات والتي تكمن مظاهرها في:
-القيام بإجراءات التفتيش الدوري:وهو عبارة عن تفتيش يقوم به ممثلو الوزارات التي لها علاقة بالوحدات المحلية، على أن يتوج بتقديم تقرير عن كيفية أداء الخدمات، على ضوئه يتم تحديد نسبة الإعانات المالية المقدمة من طرف الحكومة المركزية إذ في حالة إقرار نقص المعونة بسبب إهمال المحلي في أداء الخدمات الناتج عن تخفيض الإعانة ما يؤدي إلى عدم رضا الناخبين. -كان يحق للسلطة المركزية طلب إلغاء القرارات الصادرة عن وحدات المحلية تجاوزا للقانون المحدد لاختصاصاتها من طرف القضاء، الذي كان له تصحيح أخطاء الجماعات الإقليمية. 2-المرحلة الثانية:منذ أواسط القرن التاسع عشر هذا الأسلوب شهد تراجعا لصالح السلطة المركزية، ما أدى إلى التقليص من درجة الاستقلال المحلي، والتي تظهر مظاهره في:
-إنشاء هيئات حكومية متخصصة لتحويل بعض المهام الإدارية من الجماعات الإقليمية إلى السلطة المركزية. -النّص على آليات لرقابة السلطة المركزية على الوحدات المحلية تتمثل في سلطة التصديق اللّاحق على الأعمال المالية والإدارية لها سلطة الحلول، و إمكانية مخاصمة القرار المحلي أمام الوزير المختص. -رفع نسبة إعانة الحكومة على هذه الجماعات لتصل إلى ½ تقريبا من جملة موارد ميزانية الجماعات المحلية، ما يعطي للسلطة المركزية حق المتابعة ومراقبة أوجه صرف هذه الأموال وهذا ما يُعرف برقابة المنحة. ب-النموذج الفرنسي:مرّ كذلك بمرحلتين قبل سنة1982 وبعدها. فإنّها كانت تخضع لرقابة إدارية "وصائية" شديدة تمارسها السلطة المركزية، وتشتمل هذه الرقابة أعضاء المجالس المحلية، المجالس المحلية ذاتها، وأخيرا أعمالها. -فعلى مستوى الأعضاء:تمثل مظاهر الرّقابة الوصائية في كل من الإقالة، التّوقيف، -على مستوى الأعمال:تبرز مظاهرها في:
-التّصديق:ويتمثل في الموافقة على تصرفات الوحدة المحلية يمكن أن ينقلب في التّطبيق العملي إلى أسلوب قريب الشبه من الرخصة المسبقة، ما يؤدي إلى شلل المجالس المحلية التي لا تتحرك إلّا عندما تشعر مسبقا بموافقة السلطة الوصية. -الإلغاء:وهو حق السلطة المركزية في إعدام قرارات الجماعات الإقليمية الصادرة خلافا للقانون دون اللجوء إلى القضاء. -الحلول:ومفاده قيام السلطة المركزية بالحلول محل السلطة المحلية في أداء عمل ما، وعادة ما يكون في إدراجها للنفقات الإلزامية أو إعادة توازن الميزانية عندما تنبه السلطة المحلية إلى ذلك وترفض. -الوصاية التقنية:من مظاهر التدخل في الشؤون المحلية إجراءات تنفيذ الأعمال التي ابتكرتها الوصاية التقنية التي تتطلب أشكالا نموذجية معينة لإتمام العمل، وهي بمثابة تصرفات أو أعمال تملي الدولة بموجبها على الجماعات الإقليمية السلوك الواجب الإتباع في التسيير، حتى قبل اتخاذ القرار وكل هذه الصور من الرقابة جعل مفهوم الرقابة الوصائية نفسه وكأنه مظهر من مظاهر السلطة الرئاسية، 2-النموذج الفرنسي بعد سنة 1982:ويتمثل في:
أ-إلغاء الرقابة الوصائية واستبدالها بالرقابة القضائية:إذ يحق لكل شخص طبيعي أو معنوي أو ممثل الدولة اللّجوء إلى القضاء لطلب إلغاء القرارات المحلية عير المشروعة، إذ لهذا الأخير مهملة شهرين من تاريخ تبليغه القرار للقيام بذلك، وبعد مرور20 يوما على اطلاعه المجلس المحلي بنيته في الطعن إذا لم يعدل مواطن المخالفة في القرار. التمويل الذاتي "الفرع الثاني"، مشاركة المواطن المحلي في تسييره شؤونه المحلية"الفرع الثالث". يسمى الإقليم المحلي تمييزا له عن إقليم الوطني بحيث يعتبر–الإقليم المحلي-احد الملامح الهامة المميزة للإدارة المحلية لتأثيراته المختلفة في خصائص السكان أو الاقتصاد أو التاريخ أو الثقافة المحلية. -أولا:الأصول الفكرية للتوزيع المكاني للسلطة:
تنفيذية، وقضائية، أما تقسيمها مكانيا ما بين الدولة والمدن والأقاليم فلم يكن محل اهتمام المفكرين إلا في القرن التاسع عشر، 4-وهو الاتجاه الراجح يذهب إلى القول أن توزيع السلطة مكانيا عن طريق وحدات محلية يتفق مع مقتضيات التطور الحديث، إذ أصبح من الضروري مساهمة هذه الوحدات بصفة جدية في إدارة وتسيير الدولة الحديثة. -ثانيا:الأشكال المنتهجة للتقسيم المكاني لنظم الإدارة المحلية:
عادة ما يأخذ التوزيع المكاني للسلطة أحد الشكلين الرئيسين الفدرالية و الإدارة المحلية، فإن كان النظام الفدرالي يقوم على أساس توزيع السلطة السياسية على أقاليم عدة طبقا للدستور الذي يُخول له تنظيم العلاقة بينهما. فإنّ التّشريع العادي في الغالب–وليس الدستور-هو الذي ينظم العلاقة ما بين وحدات الإدارة المحلية بالسلطة المركزية، إذ لا تجزأ إلا السلطة التنفيذية، أما السلطتين التشريعية والقضائية فتبقيان بيد السلطة المركزية. وعموما تأخذ نظم الإدارة المحلية في الدول المختلفة ثلاث أشكال:
1-المحافظات أو المقاطعات:وهي عبارة عن مساحات جغرافية كبيرة نسبيًا تضم عددا من المدن والقرى، يستهدف تجميعها معا الإقتصاد في النفقات و التّحكم في التخطيط و تسهيله، كما أنّ دولا عديدة تأخذ بهذا التقسيم من ذلك انجلترا، مصر، الولايات المتحدة، الجزائر و فرنسا. 2-المدن والعواصم:فقد عرفت المدينة في تطورها أشكالا ثلاثة عكست كل منها المرحلة الحضارية التي عرفها المجتمع البشري. هذه الأشكال تتمثل في مدينة العصر القديم، مدينة العصور الوسطى، المدينة الحديثة. وتمثل المدينة أهم وحدة محلية في المجتمع المعاصر، وتأتي هذه الأهمية من معدل الزيادة في اتساع المدن وكثرة القاطنين بها وكثرة المشاكل التي تواجهها و التي من أهمها التخطيط العمراني، المرور، الإسكان، المرافق العامة وخدماتها كالكهرباء وغيرها.
3-القرى أو المناطق الريفية:تختلف القرية عن المدينة اختلافا كيفيا و اختلافا كميا في نفس الوقت، ومن بين العوامل الداخلة في التّفرقة بينهما حجم المجتمع المحلي، كثافة السكان، الحرف، المهن، الممتهنة من طرف السكان، البيئة والتباين الاجتماعي و غيرها، و نظرا للطبيعة الخاصة للمناطق الريفية تلجأ بعض الدول إلى إنشاء مجالس قروية تضم قرية واحدة أو عدة قرى في وحدات مجتمعة، و من بين هذه الدول الآخذة بهذا النظام نجد مصر التي تعترف نصوصها بما يسمى بمجلس القرية الذي يضم عددا من القرى المجاورة. -الفرع الثاني:التّمويل المحلي الذاتي. يعتبر من أهم مقومات الإدارة المحلية، إذ أنّ قيام الجماعات الإقليمية بمهامها التّنموية لا يتأتى إلا بوجوده، كما يُعد في ذات الوقت من الضمانات الهامة لتجسيد استقلال هذه الجماعات، وعادة ما ينبغي توافر مجموعة من المتطلبات حتى يتسم التّمويل المحلي بالنجاعة، يُذكر منها:
-مدى كفاية الموارد المحلية و مرونتها. -القدرة الإدارية لجهاز الجماعة الإقليمية على إدارة المورد. -العدالة ومقتضى ذلك توزيع الأعباء المحلية توزيعا عادلا. -ضرورة أن يتوافر لدى جهاز الإدارة المحلية القدرة السياسية على فرض الأعباء و الضرائب. -أن تكون الموارد المحلية داخلة في النّطاق الجغرافي لإقليم الوحدة المحلية. أمّا عن مصادر التّمويل المحلي فتذهب النّصوص نصوص الجماعات الإقليمية في أغلب الدّول إلى تناولها كما يلي:
أ-الضرائب والرسوم: وتتلّخص في مجمُوع الموارد التّي تحصُل عليها الجماعات الإقليمية في إطار نطاقها التُرابي الخاص، أو هي التّي يعترف القانُون بأحقية الاستفادة منها للجماعات الإقليمية كالضرائب والرسوم. ب-موارد خارجية:وتتمثل في:
-القروض: يُعّرّف القرض بصفة عامة بأنّه عقد دين مالي تستدينه الدّولة أو إحدى الهيئات العامة من الجُمهُور سواء "الأفراد الطبيعيين أو المعنويين"أو المصّارف أو الدُّول أو الهيئات الدُّوليّة المُتخصّصة على أساس رد قيمته مع دفع فوائد عنه طيلة فترة العقد من التّاريخ المُحدّد وفقًا لشُرُوط العقد. و بذلك يُعتبر عقد القرض المحلي مصدرًا تلجأ إليه الجماعات الإقليميّة بصُورة استثنائية من أجل تغطية النّفقات غير العادية، لذلك فهُو مورد تنتفي بصدده صفة الدّورية والانتظام. -الإعانات:تُعرّف الإعانات أو كما يُطلق عليها بالإمدادات، بأنّها كُل مُساعدة مالية تمنحها الدولة للجماعات الإقليميّة بهدف تغطية العجز الحاصل على مُستوى ميزانياتها.
النص الأصلي
عادة ما تلجا الدولة الحديثة في اختيارها لأسلوبها في التنظيم الإداري بما يتلاءم مع ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسّياسية،فتلجا إلى المركزية الإدارية عند نشأتها،وعندما تستقر أمورها وتكبر حجمها وتزداد واجباتها وتتوسع خدماتها تتحول إلى اللّامركزية الإدارية إلى جانب المركزية ضمانا لتفرغ الحكومة المركزية للأمور السياسية الهامة وتحقيقا لمشاركة المواطنين في إدارة مرافقهم وخدماتهم .
وتهدف هذه الدراسة والمحور وضع الإطار المفاهيمي لمصطلح الإدارة المحلية وتمييزه عن غيره من المصطلحات ذات العلاقة،"الحكم المحلي،الجماعات المحلية،الجماعات الإقليمية وبيان مقومات الإدارة المحلية و أركانها وحتّى أهدافها لاعتبارها إطارا فكريا يُمكن اعتباره منطلقًا لتناول نظام الجماعات الإقليمية في الجزائر،وذلك في إطار الفصل الأول و الثاني،وعموما في إطار الفصل التمهيدي سيتم تناول مفهوم الإدارة المحلية والمفاهيم ذات العلاقة بها في المبحث الأول،وفي المبحث الثاني يتم التعرض لعناصر الجماعات الإقليمية وأركانها.
-المبحث الأول:مفهوم الإدارة المحلية والمفاهيم ذات العلاقة.
وفيه يتم التّطرق إلى مفهوم كل من الإدارة المحلية و المفاهيم ذات العلاقة بها في المطلب الأول،فضلا عن أهم الفروفات الموجودة بينها وبين المفاهيم المشابهة والقريبة منها في المطلب الثاني.
-المطلب الأول:مفهوم الإدارة المحلية.
لا يمكن الحديث عن مفهوم الإدارة المحلية دون التّعرض لموضوع اللّامركزية كمفهوم وممارسة مرت بها معظم دول العالم المتقدمة منها والنامية الفرع الأول،ليتسنى لاحقا الحديث عن أهم التعريفات التي قيلت في الإدارة المحلية الفرع الثاني
-الفرع الأول:في تعريف اللّامركزية.
اللّامركزية عبارة عن أسلوب في التّنظيم الإداري يقوم على أساس توزيع السلطات والاختصاصات بين السلطة المركزية وهيئات أخرى مستقلة قانونا.واللّامركزية بهذا المعنى قد تكون لامركزية سياسية أو لامركزية إدارية ،فالأولى في معناها تقضي بتوزيع الوظائف الحكومية المختلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية.أمّا اللّامركزية من منظور إداري فتعني قيام الحكومة بنقل صلاحيتها في شؤون التّخطيط و إدارة الموارد من المركز إلى وحدات المحلية في الميدان.وبمعنى آخر فإنّها أسلوب من أساليب توزيع الوظيفة الإدارية بين الحكومة المركزية وبين هيئات محلية،قد تكون منتخبة أو معنية أو مزيجا منهما،على أن تحتفظ الحكومة المركزية بحق الرقابة والإشراف.كما قد تكون اللّامركزية واسعة "عريضة" أو ضيقة أي محدودة المجال وفي جميع الحالات فإن ذلك يعتمد بشكل رئيسي على رغبة الحكومة المركزية في التّخلي عن بعض مسؤولياتها للهيئات المحلية المختلفة والتّي تختلف نسبتها عمليا من بلد إلى آخر،طبقا لخصوصية و ظروف كل دولة و خصائصها،كما أنّها تقوم في الوقت ذاته على مبدأ مشاركة المواطن المحلي في تسيير شؤونه وهذا هو العنصر الرئيسي الذّي يميزها.
ومن ثمة،فإنّ تطبيق أسلوب اللّامركزية الإدارية تتطلب إيجاد وحدات محلية إدارية ذات استقلال مالي و إداري لممارسة صلاحياتها.لكن هذه الاستقلالية لا تعني إعفاء تلك الكيانات ولا بأي صورة من الصّور عن ممارسة الحكومة المركزية لنشاط الرقابة والإشراف عليها.
و للّامركزية أهداف أجملها والتر كالن في أربع أسباب لتبنيها تتمثل في:
1-توفير إدارة كفؤة إذ أن المشاريع المحلية تعد الأكثر تجاوبا لحاجات وظروف المجتمع المحلي.
2-ضمان تحقيق الديمقراطية وحقوق الأفراد والتي تعتبر مفاتيح الأمان عندما تتخد القرارات بشكل يتماشى مع اهتمامات السكان المحليين.
3-خلق روح التنافس بين وحدات الإدارة المحلية.
4-الحفاظ على حقوق الأقليات من خلال إعطائهم درجة مرضية من حكم أنفسهم.
وللّامركزية أشكال،فمنها الإدارية والسياسية،كما توجد اللّامركزية الإقليمية واللّامركزية المصلحية أو المرفقية وذلك كما يلي:
أ-اللامركزية الإقليمية:طبقا لها تقوم على وحدات إقليمية مستقلة بإدارة الشؤون المحلية لإقليم أو المنطقة المحلية من الدولة،ما يقتضي أن تكون هناك مصالح محلية متميزة عن المصالح الوطنية،يُعهد الإشراف عليها إلى وحدات إدارية مستقلة،ويعتبر هذا النوع من الإدارة مرادفا لنظام الإدارة المحلية،وهذه اللّامركزية تفترض وجود وحدات إدارية محلية مستقلة تتمتع بشخصية اعتبارية تُمثلها مجالس محلية منتخبة كانت أو معنية،وتخضع لإشراف و رقابة الحكومة المركزية.وفي هذا المجال ينبغي التّمييز بين اللّامركزية محل الدراسة و وحدات عدم التّركيز الإداري،الأولى تتمتع بالشخصية الاعتبارية و تمارس نشاطات طبيعية محلية،ولها اختصاصات أصلية يكفلها القانون بحيث لا تخضع بصورة مطلقة للسلطة المركزية في العاصمة،في حين أنّ الوحدات الفرعية للإدارة المركزية وهو ما يمثل عدم التركيز ترتبط برابطة التّبعية والخضوع للحكومة المركزية.
ب-اللّامركزية المصلحية أو المرفقية:في معناه قيام هيئات عامة مستقلة قادرة على ممارسة وظيفتها المحدودة في منطقة واحدة أو عدة مناطق في الدولة،وهي ما تعرف بالمؤسسات العامة وإتباع هذا الأسلوب ينطلق من رغبة الحكومة في إدارة عدد من المرافق العامة بأسلوب تجاري بعيدا عن تعقيدات البيروقراطية الحكومية و إجراءاتها الحكومية،وذلك بهدف تقديم خدمات إلى المواطنين بأقل تكلفة ممكنة وبفعالية اكبر،كما أن لها ذمة مالية مستقلة وتتمتع بحقها في اللجوء إلى القضاء على أن تتولى مسؤولياتها ضمن الاختصاصات المسندة إليها قانونا.
-الفرع الثاني:في تعريف الإدارة المحلية.
تعددت وتنوعت التّعريفات المتناولة للإدارة المحلية تبعا لوجهات نظر الفقهاء،ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن كل مفكر كان ينظر إلى الإدارة المحلية من زاوية معينة مبنية على الفلسفة الفكرية السياسية والقانونية للدولة التي ينتمي إليها المفكر أو الكاتب،وان كان بالنهاية نجد أنّ أولئك المفكرين قد اتفقوا على المبادئ الأساسية التي تتعلق بنظام الإدارة المحلية.ومن بين هذه التعريفات يُذكر:
-عرفها الفقيه البريطاني مودي غرام:أنّها:"مجلس منتخب تتركز فيه الوحدة المحلية ويكون عرضه للمسؤولية السياسية أمام النّاخبين سكان الوحدة المحلية ويعتبر مكملا لأجهزة الدولة"،وتناولها عبد الرزاق الشيخلي بأنّها:"أسلوب من أساليب التّنظيم الإداري للدولة تقوم على فكرة توزيع النشاطات والواجبات من الأجهزة المركزية والمحلية،وذلك بغرض أن تتفرع الأولى لرسم السياسية العامة للدولة إضافة إلى إدارة المرافق العمومية في البلد،وان تتمكن الأجهزة المحلية من تسيير مرافقها بكفاءة،وتحقيق أغراضها المشروعة".
وعلى ضوء التّعريفات سابقة الذكر و قواسمها المشتركة يمكن تعريف الإدارة المحلية بأنّها: "جزء من النظام العام للدولة منحها القانون الشخصية الاعتبارية وتتمتع بالاستقلالية،وجدت من اجل تلبية احتياجات مجتمعها المحلي ممثلة بهيئة منتخبة،تعمل تحت رقابة و إشراف السلطة المركزية".
وقد تتشابه الإدارة المحلية مع مفاهيم أخرى في القانون الإداري كالحكم المحلي و الجماعات الإقليمية وغيرها،فما أوجه التفرقة الموجودة بينهم؟
-المطلب الثاني:التفرقة بين الجماعات المحلية وغيرها من المفاهيم المرتبطة بها.
فالتنظيم الإداري المحلي في استعمالاته وتداوله كمفهوم من قبل الباحثين والدارسين عدة مرادفات،إذ نجد العديد من المؤلفات تستخدم هذه المرادفات للدلالة عليه كالهيئات المحلية، الجماعات الإقليمية،الإدارة المحلية،الحكم المحلي،فما أوجه الاختلاف بين هذه المفاهيم؟
-الفرق بين الجماعات المحلية كمفهوم والحكم المحلي:
رغم أن الحكم المحلي كمفهوم يتشابه مع التنظيم الإداري المحلي أو الجماعات المحلية من حيث أن كلاهما يعبر عن النظام لامركزي إقليمي ،إلا انه قد ثار جدلا واسعا بين المفكرين والباحثين عن أن كان ذلك التشابه بينهما يفيد فعلا أن الإدارة المحلية أو الجماعات المحلية هي نفسها الحكم المحلي،في هذا الإطار ذهب الرأي الأول و دعى إلى عدم التفريق بين المفهومين على اعتبار أن لهما مدلولا واحدا رغم اختلاف التعبير،إذ أنهما يشيران إلى أسلوب واحد من أساليب الإدارة يتباين تطبيقه من دولة إلى أخرى، وهناك رأي ثاني ذهب إليه بعض الباحثين يتلخص باعتبار نظام الإدارة المحلية خطوة أو مرحلة أساسية نحو الحكم المحلي حيث تبدأ بعض الدول عند تطبيق اللامركزية الإدارية بتفويض الصلاحية أو تحويلها أولا من الحكومة لممثليها في المحافظات ثم تبدأ بتطبيق الإدارة المحلية بعد ذلك وفي حالة نجاح هذه الإدارة المحلية تقوم بتطبيق نظام الحكم المحلي.
أما الرأي الثالث وهو الراجح فيذهب إلى القول أنّ الحكم المحلي أوسع في مداه ونطاقه في مفهوم الإدارة المحلية أو الجماعات المحلية،كون أن الأول –الحكم المحلي-يتعلّق عادة ويرتبط باللامركزية السياسية الشائعة في نظم الدول الاتحادية الفدرالية وبالتالي فان وجداته تتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلال المالي والإداري وذلك من خلال ممارستها لمعظم الوظائف،وهو نفسه –الحكم المحلي-ما يطبقه ويستعمله النظام الانجليزي،إذ يستحضرنا فيما يلي قول أحد المفكرين الانجليز قائلا:"نحن بلد يطبق الحكم الذاتي،نحن لدينا حكومة وليس لدينا إدارة مركزية".
أمّا المفهوم الثاني والخاص بالإدارة المحلية أو الجماعات المحلية فيتعلق باللامركزية الإدارية أساسا،وبالتالي فحتى وان كانت وحداتها تتمتع باستقلالية غير أنّها نسبية تمس الجانب الإداري فقط،كما أنّ نطاقه يتعلق تحديده بالدرجة الأولى بنية المشرع المتأثرة بمجموع العوامل "السياسية،الاقتصادية،الاجتماعية،التقنية،التكنولوجية"،فيمكن أن يتسع دون أن يصل إلى درجة الحكم المحلي،ويمكن أن تضيق عن طريق تفعيل آليات الرقابة الوصائية،وهو ذاته المصطلح-الجماعات المحلية-التّنظيم الإداري المعتمد من طرف النظام الفرنسي وحتى في الجزائر وذلك دون أن تفقد اللامركزية معناها.
-المبحث الثاني:عناصر و مقومات قيام الجماعات المحلية.
فلقيام الجماعات المحلية كنظام ينبغي توافر مجموعة من الأركان يقتضيها بناءها الفقهي"المطلب الأول" ومقومات يتم إجمالها فيمايلي"المطلب الثاني".
-المطلب الأول:الأركان الأساسية لقيام الجماعات المحلية.
حتى يمكن الحديث عن الجماعات المحلية لابد من توافر عدة عناصر تعد بحق أركانا أساسية في بناء هذه الجماعات،الغرض منها الملائمة ما بين الصالح المحلي والصالح العام للدولة،وتتمثل هذه العناصر في:
-الفرع الأول:وجود مصالح محلية مميزة.
فأول عنصر من عناصر قيام الجماعات الإقليمية هو الاعتراف بوجود مصالح محلية أو إقليمية متميزة عن المصالح الوطنية،يفضل أن يعهد بالإشراف عليها ومباشرتها لأبناء الوحدة المحلية على اعتبار أنها لا تهم جميع المواطنين في الدولة.ما يقضي أن يتولوا بأنفسهم إدارتها حتى تتفرع الإدارة المركزية لمجموع المصالح التي تهم الدولة ككل،إذ انه وان كان من الضروري أن تهيمن الدولة بصفة مطلقة على المرافق التقليدية كالأمن والقضاء والخارجية .....الخ،فإن هناك من المرافق المحلية كالصحة والتعليم،توزيع المياه،النظافة،الكهرباء،الطرقات،ينبغي ترك تسييرها لمن يستفيد منها مباشرة بحيث أنهم أدرى بحاجتهم إليها.
وحتى نكون أمام مصلحة محلية ينبغي أن تكون هذه الأخيرة معبرة عن حاجات وآمال و طموحات الغالبية من أبناء الإقليم المحلي،وفي هذا المجال تجدر الإشارة أن مسألة تحديد ما يعتبر مصلحة محلية ويعهد بها إلى الوحدات المحلية،وما يعد صالحا وطنيا أو قوميا وبالتالي يناط القيام به إلى السلطة المركزية تُعد بالأساس مسألة نسبية تختلف باختلاف الأنظمة ويترك أمر تقديرها للسلطة المركزية.
وعادة ما يلجأ المشرع في الدول المختلفة عند تمييز المصالح ما بين ما هو محلي وما هو وطني إلى أحد الأسلوبين:الأسلوب الأنجلوسكسوني المجسد من قبل النظام الانجليزي، والأسلوب الفرنسي. وذلك كما يلي:
-أولًا:الأسلوب الأنجلوسكسوني"الانجليزي":
بمقتضاه يتم تحديد اختصاصات الهيئات المحلية بشكل حصري وبموجب قانون يوضح كافة الشؤون المحلية التّي تخول للهيئات اللامركزية مُمارستها في كافة مستلزماتها،كما يقوم على أساس تمتيع الهيئات الكبيرة في المستويات العليا باختصاصات أكثر وأهم عن غيرها من المستويات الدنيا والصغرى حجما و وسائلا،وبالتّالي فإن كل مجلس من المجالس المحلية فيها ينهض باختصاصات واسعة تتناسب مع طبيعته و مستواه في التنظيم وكل منها مستقل عن الآخر ولا يخضع لغيره من المجالس الأخرى التي تعلوه،وإنّما يخضع مباشرة للسلطة المركزية لاسيما السلطة التشريعية الذي يعد مصدر وجودها والمانح لاختصاصاتها ابتداء وانتهاء.ومن بين الاختصاصات المخولة للجماعات المحلية الانجليزية يذكر على سبيل المثال:قيامها بمرفق الصحة العامة والذي يشمل خدمات الصحة العامة،رعاية الأمومة،الطفولة،الإسعاف،خدمات التعليم في مختلف مستوياته،قيامها بمرفق حماية المواطنين من الأخطار عن طريق تنظيم الشرطة و المطافئ،الدفاع المدني،تقديمها للخدمات الاجتماعية كتوفيرها لفرص الشغل للخريجين.
-ثانيا:الأسلوب الفرنسي.
ينبغي بادئ الأمر الإشارة إلى أنّ اختصاصات الجماعات المحلية في فرنسا لا تحدد بموجب نصوص دستورية كما هو الشأن في بعض الدول كإسبانيا مثلا،بل بموجب نصوص قانونية وتنظيمية وذلك استنادا إلى دستور سنة 1958 الذّي ينص على أنّ الجماعات تدبر أمورها بشكل حر وفقا للشروط المحددة في القانون.
وعلى ذلك،فقد سار المشرع الفرنسي ومند القانون الأساسي الأول للبلديات المؤرخ في سنة 1884على المبدأ العام أو الصيغة العامة لتحديد الاختصاصات الموكلة للهيئات اللّامركزية، ولم يعمد إلى حصرها في قوائم معينة تمييزا لها عن اختصاصات المؤسسات العمومية القائمة على مبدأ التخصص.وعموما فيجري العمل في النظم المحلية المقارنة على اعتبار الأمن الخارجي والسياسية الخارجية وصك العملة والقضاء،مصالح عامة وطنية أمّا باقي المصالح الأخرى كالأمن الداخلي والتعليم والصحة والإسكان والثقافة ....فإنّها تعتبر مصالح محلية. ومع ذلك فإنّ الحكومات المركزية في بعض النظم قد ترى أنّ المصلحة العليا للدولة قد تقتضي إبقاء السياسات العامة الخاصة بهذه المصالح المحلية بيد الحكومة المركزية،مثل ما هو الشأن بالنسبة إلى الجزائر التي لا يحق للجماعات المحلية فيها وضع سياسات محلية خاصة بها،وإنّما تتحدد مهام هذه الجماعات وفق المخطّط العام الموضوع من طرف الدولة ومختلف البرامج الحكومية.
-الفرع الثاني:تتمتع الجماعات المحلية بالشخصية المعنوية.
الاعتراف بوجود مصالح محلية غير كاف لوحده لقيام نظام الجماعات المحلية،إذ يشترط أيضا تتمتع الوحدات المحلية القائمة على هذه المصالح بالشخصية المعنوية إذ تعد النتيجة الطبيعية لقيام اللامركزية ولحماية مصالحها القانونية،وهذا تماما ما يميز الإدارة المحلية عن الإدارة المركزية وذلك حسب الفقيه الفرنسي مارسيل فالينwalline بقوله:"من الضروري أن يكون هناك أشخاص إدارية خلاف الدولة تنسب إليها لا إلى الدولة تصرفها"،وعلى ذلك فإنّ ما أغفلت الحكومة المركزية أو رفضت منح الشخصية المعنوية،فإنّ ذلك يعني أنّها مازالت مرتبطة بالإدارة المركزية وتعد فرعا من فروعها ولا يمكن اعتبارها وحدات محلية بأي حال من الأحوال.
وبالتّالي فإنّ الشخصية المعنوية تُعد الطابع الذّي يُميّز الوحدة المحلية ويمنحها الصفة القانونية،وما الاعتراف بها إلا نتيجة منطقية للاعتراف باستقلالها وبوجود مصالح محلية خاصة بها.
ويترتب على تمتع الجماعات المحلية بالشخصية الاعتبارية عدة نتائج هامة نجملها فيما يلي:
أ-وجود من يعبر عن إرادة الشخص المعنوي ،وعادة ما يعهد بذلك إلى مجلس محلي يضم ممثلين عن أبناء إقليم يتولى التّعبير عن إرادتهم والتّصرف طبقا لمصالحهم من ذلك المجالس الشعبية البلدية و الولائية المنتخبة في الجزائر.
ب-يقتضي الاعتراف بالشخصية الاعتبارية أن تكون للوحدة المحلية ذمة مالية مستقلة متميزة عن أموال الدولة وعن أموال الوحدات المحلية الأخرى.
ج-من نتائج الاعتراف كذلك للجماعات المحلية بالشخصية الاعتبارية صلاحية تحمل الواجبات واكتساب الحقوق.
د-أهلية هذه الجماعات للتقاضي إذ يجوز لها أن تقاضي كمدعي وتقاضي كمدعي عليها، وسواء كانت أطراف الخصومة أشخاصا عامة كالدولة أو وحدات محلية أخرى أو أي من هيئات القانون العام أو كانت أطراف الخصومة أشخاصا خاصة كالأفراد أو الشركات.
-الفرع الثالث:تتمتع المجالس المحلية بالاستقلال في ممارسة اختصاصاتها.
لا يكفي وجود مصالح محلية متميزة وعن المصالح الوطنية ومنح الشخصية المعنوية لقيام التنظيم الإداري المحلي،إذ لابد أن يكون المجلس المحلي القائم على هذه المصالح مستقلا في ممارسته لوظائفه الإدارية عن الحكومة المركزية.
هذا الاستقلال الذي يتسم بالنسبة على اعتبار أنه يشمل الجانب الإداري فقط،و بالجزئية لممارسة رقابة على هذه الجماعات من طرف السلطة الوصية،تحديد نطاقه وحجمه بالدرجة الأولى يتعلق بنية المشرع المتأثرة بعدة عوامل تقنيه"مدى تطور وانتشار وسائل الاتصال بين المركز والإقليم،عوامل سياسية"الإدارة السياسية في بسط اللامركزية واحترامها،عوامل مالية كتوزيع الأعباء بين الدولة والمجموعات المحلية لصالح هذه أو تلك،كما أنّ ضمان تجسيده من النّاحية الفعلية يثير إشكالات عدة أهمها معرفة مدى نجاعة الأسلوب المتبع في اختيار أعضاء المجالس المحلية في ضمان ذلك؟
في هذا المجال يذهب الفقه إلى اتجاهين احدهما يحبذ اختيار أعضاء المجالس المحلية بطريق الانتخاب ويراه ضمانة عامة لتجسيد الاستقلال،وآخر لا يرى ثمة ما يحول دون اختيار هؤلاء الأعضاء بطريق التّعيين وبين استقلالهم الإداري،وهذا تماما ما سيتم تحليله فيما يلي:
-أولا:الاتجاه المؤيد للانتخاب.
أنصار هذا الاتجاه يذهبون إلى القول أنّ انتخاب أعضاء المجالس المحلية يعتبر شرطا ضروريا لوجود نظام الإدارة المحلية من جهة ولاستقلالها من جهة أخرى،ويستند أنصار هذا الرأي إلى الحجتين التّاليتين:
1-تعيين أعضاء المجالس المحلية بواسطة الحكومة المركزية يتنافى مع طبيعة النظام اللّامركزي ومبدأ مشاركة المواطن المحلي في تسييره لشؤونه.
2-إذا كان الاقتراع هو وسيلة التي يتم بها تحقيق الديمقراطية السياسية،وإذا كانت الإدارة المحلية هي التّطبيق الديمقراطي للإدارة،فإن الربط بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الإدارية يؤدي بالضرورة إلى أن يكون الانتخاب أيضا هو الوسيلة التي يتم عن طريقها تشكيل الجماعات المحلية.وفي هذا المجال يستحضرنا قول الأستاذ سليمان الطماوي في هذا المجال:"لا نعرف بلدا ديمقراطيا يشكل المجالس المحلية بغير الانتخاب".
-ثانيا:الاتحاد المؤيد للتعيين.
يرى أنصار هذا الرأي بأنه ليس ثمة ما يمنع من قيام السلطة المركزية بتعيين أعضاء المجلس المحلية دون أن يؤثر ذلك في استقلال المجالس المحلية أو حتى إهداره،وذلك شريطة توفير مجموعة من الضوابط والشروط،يذكر منها:
1-ضرورة توافر ضمانات تكفل لأعضاء المجالس المحلية المعنيين استقلالهم في مواجهة السلطة المركزية،ولعّل أهم وسيلة لتحقيق ذلك هي عدم قابليتهم للعزل قبل انتهاء مدتهم القانونية.
2-ضرورة مراعاة الحكومة المركزية في تعيين الأعضاء وجود رابطة حقيقية بين هؤلاء الأعضاء وتمثيل المصالح المحلية سواء كان أساس الرابطة جغرافي كالاشتراط مثلا الإقامة في الإقليم لمدة زمنية معينة،أو ممكن تقوم على أساس مالي كأن يكون للعضو بعض المصالح التجارية أو العقارية في الإقليم.
وبالإضافة إلى هذه الضمانات فإن أنصار اختيار أعضاء المجالس المحلية عن طريق التعيين يقدمون بعضا من الحجج تؤيد وجهة نظرهم في أن الأسلوب الانتخاب ليس شرطا لازما لقيام نظام الجماعات الإقليمية أو استقلال مجالسها في ممارسة اختصاصاتها ومن هذه الحجج يُذكر:
1-المجتمع المحلي غير مهيأ بطبيعته لتطبيق نظام اختيار أعضاء المجالس المحلية عن طريق الانتخاب،وذلك بسبب ضعف المستوى التعليمي،وهذا لقلة الثقافة الانتخابية للناخبين،وحتى سيادة النظام القبلي والعشائري على المستوى المحلي،ما يؤدي إلى صعوبة الانتخاب من الناحية العملية.
2-استعمال أسلوب الانتخاب في اختيار أعضاء المجالس المحلية قد لا يؤدي عادة إلى انتقاء الأكفأ إداريا،وبذلك نحرم هذه المجالس من الكفاءات الإدارية المتخصصة،إذ أنّ اختيار الأعضاء عن طريق هذا الأسلوب-الانتخاب-عادة ما يقوم على ما للمترشحين من مكانة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية،وليس على ما يتسع به العضو من خبرة أو تخصص،وبالتّالي فيكون التّعيين من طرف الحكومة المركزية هو الضمان للحصول على الكفاءات الجيدة.
3-لا يعد الانتخاب للضمان الوحيد لاستقلال أعضاء المجالس المحلية،إذ أنّ هذا الأخير يمكن أن يتحقق دون الأخد بذلك الأسلوب،إذ أن أعضاء مجالس الإدارات المؤسسات العامة والتّي تعد صورة اللامركزية المرفقة يتمتعون باستقلال في ممارسة مهامهم رغم أنّهم معنيون من قبل الحكومة.
ونفس القول ينطبق على القضاة،لذلك فيمكن النص على عدم قابلية أعضاء المجالس المحلية المعنيين للعزل قياسا على القضاة.
بالرغم من أنّ هذه الحجج المؤيدة لأسلوب للتّعيين،إلّا أنّه ينبغي القول أن الانتخاب حتى وإن كان تجربة سياسية تتعلم الجماهير من خلالها أبجديات العمل والممارسة السياسية،ولكون أنّ مجالس المحلية المنتخبة تعد إلى جانب كونها تدخل في بناء الدولة إداريا،نظما سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة فينبغي القول أن أسلوب الانتخاب لا ينظر إليه فقط كأساس لتجسيد فكرة استقلال الجماعات الإقليمية،بل يعد ركنا لوجود هذه الجماعات وحتى أنجح الطرق لتكريس مشاركة المواطن المحلي في تسييره لشؤونه.
-الفرع الرابع:الرقابة الممارسة على الجماعات الإقليمية.
مهما تعددت وتنوعت وحدات الإدارة المحلية وتمتعت بالاستقلال،فينبغي أن تعمل في إطار السياسية العامة للدولة طبقا لقوانينها وتنظيماتها،باعتبارها أجهزة مشاركة في جزء النشاط الإداري والتنفيذي للدولة.
وبالتالي فإن عدم الاعتراف بممارسة الرقابة من طرف السلطة المركزية على الوحدات المحلية يعوض وحدة الدولة ونسيجها الاجتماعي والسياسي لمخاطر جمة تتمس بطابعها الدستوري، ولهذا جرى العمل في مختلف الدول على تبنيها باعتبارها تدخل في الفلسفة الأساسية لتكوين مبدأ اللّامركزية الإدارية عامة،وان كانت مظاهرها تختلف من سياسة برلمانية،قضائية،وصائية فإنّ هذه الأخيرة تضيق أو تتسع حسب ظروف كل دولة،وفي هذا المجال يستحضرنا قول حسن عواضة عند حديثه عن نطاق هذه الرقابة بقوله:"انه لا يمكن للإدارة المركزية أن تصل في رقابتها على الإدارة المحلية إلى حد إصدار الأوامر،كما هو الحال في الرّقابة الرئاسية ذلك أن ممارسة سلطة إصدار الأوامر تصطدم باستقلال الإدارة المحلية وتمس جوهر اللامركزية نفسه".
هذه الرقابة التي تقوم في أساسها على فكرتي الإشراف والتعاون لها مجموعة من الأهداف يذكر منها:
1-تأكيد الوحدة السياسية والإدارية للدولة باعتبار أن الإدارة المحلية ما هي إلا نظام فرعي من النظام العام للدولة وأجهزتها.
2-التأكيد على أن الإدارة المحلية تعمل على وفق قوانين والأنظمة التي تصدرها الحكومة المركزية،إضافة إلى أن قرارات المجالس المحلية تكون موافقة ومطابقة لهذه القوانين والأنظمة وذلك لحماية الجميع،الحكومة المركزية والإدارة المحلية والمواطنين.
3-التأكيد على أنّ الإدارة المحلية تقوم بواجباتها ووظائفها في نطاق الحد الأدنى المطلوب وبدرجة من الكفاءة والفعالية،وذلك من خلال اطلاع الحكومة المركزية على ميزانية الجماعة الإقليمية التي تعتبر مؤشرا أساسيا من مؤشرات أدائها العام.
ودراسة الرقابة الممارسة على الجماعات الإقليمية وبخاصة الوصائية منها تدفعنا لتناول نماذجها كالتّالي:
أ-النموذج الإنجليزي:قد مر هذا النموذج بمرحلتين أساسيتين:
1-المرحلة الأولى:كانت بمقتضاه المجموعات الإقليمية الانجليزية تتمتع باستقلال واسع تجاه السلطة المركزية،والتي لا تقوم إلا بإشراف خفيف على أعمال هذه الجماعات والتي تكمن مظاهرها في:
-القيام بإجراءات التفتيش الدوري:وهو عبارة عن تفتيش يقوم به ممثلو الوزارات التي لها علاقة بالوحدات المحلية،على أن يتوج بتقديم تقرير عن كيفية أداء الخدمات،على ضوئه يتم تحديد نسبة الإعانات المالية المقدمة من طرف الحكومة المركزية إذ في حالة إقرار نقص المعونة بسبب إهمال المحلي في أداء الخدمات الناتج عن تخفيض الإعانة ما يؤدي إلى عدم رضا الناخبين.
-كان يحق للسلطة المركزية طلب إلغاء القرارات الصادرة عن وحدات المحلية تجاوزا للقانون المحدد لاختصاصاتها من طرف القضاء،الذي كان له تصحيح أخطاء الجماعات الإقليمية.
2-المرحلة الثانية:منذ أواسط القرن التاسع عشر هذا الأسلوب شهد تراجعا لصالح السلطة المركزية، ما أدى إلى التقليص من درجة الاستقلال المحلي،والتي تظهر مظاهره في:
-إنشاء هيئات حكومية متخصصة لتحويل بعض المهام الإدارية من الجماعات الإقليمية إلى السلطة المركزية.
-النّص على آليات لرقابة السلطة المركزية على الوحدات المحلية تتمثل في سلطة التصديق اللّاحق على الأعمال المالية والإدارية لها سلطة الحلول،و إمكانية مخاصمة القرار المحلي أمام الوزير المختص.
-رفع نسبة إعانة الحكومة على هذه الجماعات لتصل إلى ½ تقريبا من جملة موارد ميزانية الجماعات المحلية،ما يعطي للسلطة المركزية حق المتابعة ومراقبة أوجه صرف هذه الأموال وهذا ما يُعرف برقابة المنحة.
ب-النموذج الفرنسي:مرّ كذلك بمرحلتين قبل سنة1982 وبعدها.
1-النموذج الفرنسي القديم للرقابة "قبل1982":
بالإضافة إلى خضوع قرارات الجماعات الإقليمية للطعن القضائي،فإنّها كانت تخضع لرقابة إدارية "وصائية" شديدة تمارسها السلطة المركزية،وتشتمل هذه الرقابة أعضاء المجالس المحلية،المجالس المحلية ذاتها،وأخيرا أعمالها.
-فعلى مستوى الأعضاء:تمثل مظاهر الرّقابة الوصائية في كل من الإقالة،التّوقيف،وحتى الإقصاء.
-على مستوى المجالس المحلية:كهيئات فتمثل في وقفها وحلها.
-على مستوى الأعمال:تبرز مظاهرها في:
-التّصديق:ويتمثل في الموافقة على تصرفات الوحدة المحلية يمكن أن ينقلب في التّطبيق العملي إلى أسلوب قريب الشبه من الرخصة المسبقة،ما يؤدي إلى شلل المجالس المحلية التي لا تتحرك إلّا عندما تشعر مسبقا بموافقة السلطة الوصية.
-الإلغاء:وهو حق السلطة المركزية في إعدام قرارات الجماعات الإقليمية الصادرة خلافا للقانون دون اللجوء إلى القضاء.
-الحلول:ومفاده قيام السلطة المركزية بالحلول محل السلطة المحلية في أداء عمل ما،وعادة ما يكون في إدراجها للنفقات الإلزامية أو إعادة توازن الميزانية عندما تنبه السلطة المحلية إلى ذلك وترفض.
-الوصاية التقنية:من مظاهر التدخل في الشؤون المحلية إجراءات تنفيذ الأعمال التي ابتكرتها الوصاية التقنية التي تتطلب أشكالا نموذجية معينة لإتمام العمل،وهي بمثابة تصرفات أو أعمال تملي الدولة بموجبها على الجماعات الإقليمية السلوك الواجب الإتباع في التسيير، حتى قبل اتخاذ القرار وكل هذه الصور من الرقابة جعل مفهوم الرقابة الوصائية نفسه وكأنه مظهر من مظاهر السلطة الرئاسية،ما أدى بالفقه الفرنسي إلى انتقاده والمطالبة لمراجعته وهو ما تمّ فعلا.
2-النموذج الفرنسي بعد سنة 1982:ويتمثل في:
أ-إلغاء الرقابة الوصائية واستبدالها بالرقابة القضائية:إذ يحق لكل شخص طبيعي أو معنوي أو ممثل الدولة اللّجوء إلى القضاء لطلب إلغاء القرارات المحلية عير المشروعة،إذ لهذا الأخير مهملة شهرين من تاريخ تبليغه القرار للقيام بذلك،وبعد مرور20 يوما على اطلاعه المجلس المحلي بنيته في الطعن إذا لم يعدل مواطن المخالفة في القرار.
ب-إلغاء الوصاية المالية:التي كانت تقوم بها السلطة المركزية على الميزانيات المحلية وتحويل اختصاص تقدير حسابات الميزانية والرقابة على تسييرها إلى الغرف الجهوية للمحلية باعتبارها هيئات قضائية.
-المطلب الثاني:مقومات الإدارة المحلية.
وتتمثل في الإقليم المحلي"الفرع الأول"،التمويل الذاتي "الفرع الثاني"،مشاركة المواطن المحلي في تسييره شؤونه المحلية"الفرع الثالث".
-الفرع الأول:الإقليم المحلي أو كما يعرف بالتقسيم المكاني للسلطة.
ينبغي لقيام الجماعات الإقليمية وجود إقليم أو رقعة أرضية تمارس عليها سلطتها طبقا للقوانين والتنظيمات،يسمى الإقليم المحلي تمييزا له عن إقليم الوطني بحيث يعتبر–الإقليم المحلي-احد الملامح الهامة المميزة للإدارة المحلية لتأثيراته المختلفة في خصائص السكان أو الاقتصاد أو التاريخ أو الثقافة المحلية.
-أولا:الأصول الفكرية للتوزيع المكاني للسلطة:
التعرض له هو الإجابة على التساؤل التالي: كيف ظهرت الجماعات المحلية ولماذا؟فقد شغل تقسيم السلطة الحكومية تفكير الفقهاء والباحثين منذ زمن بعيد،إذ ظهرت أولى محاولات هذا التوزيع في تقسيم السلطة الحكومية من الناحية الوظيفية إلى ثلاث:تشريعية،تنفيذية،وقضائية،أما تقسيمها مكانيا ما بين الدولة والمدن والأقاليم فلم يكن محل اهتمام المفكرين إلا في القرن التاسع عشر،إذ ظهرت عدة مواقف بخصوص ذلك يذكر منها:
1-الرأي الأول:يذهب أصحابه إلى القول أن الوحدات المحلية تعد المخلوق السياسي الطبيعي الذي يجب أن يكون مستودع السلطة ومقرها.
2-الرأي الثاني:ذهب إلى القول أن الدولة لا ضرورة لها ولابد من تشجيع الكيانات المحلية الصغيرة كبديل سياسي عنها.
3-البعض الآخر يذهب إلى القول أنه لا مكان لنظام الإدارة المحلية في التركيب السياسي للدولة المعاصرة على اعتبار أن هذه الأخيرة هي التي تعبر عن الإدارة العامة للأمة ولا ولاء إلا لها.
4-وهو الاتجاه الراجح يذهب إلى القول أن توزيع السلطة مكانيا عن طريق وحدات محلية يتفق مع مقتضيات التطور الحديث،إذ أصبح من الضروري مساهمة هذه الوحدات بصفة جدية في إدارة وتسيير الدولة الحديثة.
-ثانيا:الأشكال المنتهجة للتقسيم المكاني لنظم الإدارة المحلية:
عادة ما يأخذ التوزيع المكاني للسلطة أحد الشكلين الرئيسين الفدرالية و الإدارة المحلية،فإن كان النظام الفدرالي يقوم على أساس توزيع السلطة السياسية على أقاليم عدة طبقا للدستور الذي يُخول له تنظيم العلاقة بينهما.فإنّ التّشريع العادي في الغالب–وليس الدستور-هو الذي ينظم العلاقة ما بين وحدات الإدارة المحلية بالسلطة المركزية،إذ لا تجزأ إلا السلطة التنفيذية،أما السلطتين التشريعية والقضائية فتبقيان بيد السلطة المركزية.وعموما تأخذ نظم الإدارة المحلية في الدول المختلفة ثلاث أشكال:
1-المحافظات أو المقاطعات:وهي عبارة عن مساحات جغرافية كبيرة نسبيًا تضم عددا من المدن والقرى،يستهدف تجميعها معا الإقتصاد في النفقات و التّحكم في التخطيط و تسهيله،كما أنّ دولا عديدة تأخذ بهذا التقسيم من ذلك انجلترا،مصر،الولايات المتحدة،الجزائر و فرنسا.
2-المدن والعواصم:فقد عرفت المدينة في تطورها أشكالا ثلاثة عكست كل منها المرحلة الحضارية التي عرفها المجتمع البشري.هذه الأشكال تتمثل في مدينة العصر القديم،مدينة العصور الوسطى،المدينة الحديثة.وتمثل المدينة أهم وحدة محلية في المجتمع المعاصر،وتأتي هذه الأهمية من معدل الزيادة في اتساع المدن وكثرة القاطنين بها وكثرة المشاكل التي تواجهها و التي من أهمها التخطيط العمراني، المرور،الإسكان،المرافق العامة وخدماتها كالكهرباء وغيرها.
3-القرى أو المناطق الريفية:تختلف القرية عن المدينة اختلافا كيفيا و اختلافا كميا في نفس الوقت،ومن بين العوامل الداخلة في التّفرقة بينهما حجم المجتمع المحلي،كثافة السكان،الحرف،المهن،الممتهنة من طرف السكان،البيئة والتباين الاجتماعي و غيرها،و نظرا للطبيعة الخاصة للمناطق الريفية تلجأ بعض الدول إلى إنشاء مجالس قروية تضم قرية واحدة أو عدة قرى في وحدات مجتمعة،و من بين هذه الدول الآخذة بهذا النظام نجد مصر التي تعترف نصوصها بما يسمى بمجلس القرية الذي يضم عددا من القرى المجاورة.
-الفرع الثاني:التّمويل المحلي الذاتي.
يعتبر من أهم مقومات الإدارة المحلية،إذ أنّ قيام الجماعات الإقليمية بمهامها التّنموية لا يتأتى إلا بوجوده،كما يُعد في ذات الوقت من الضمانات الهامة لتجسيد استقلال هذه الجماعات،وعادة ما ينبغي توافر مجموعة من المتطلبات حتى يتسم التّمويل المحلي بالنجاعة،يُذكر منها:
-مدى كفاية الموارد المحلية و مرونتها.
-القدرة الإدارية لجهاز الجماعة الإقليمية على إدارة المورد.
-العدالة ومقتضى ذلك توزيع الأعباء المحلية توزيعا عادلا.
-ضرورة أن يتوافر لدى جهاز الإدارة المحلية القدرة السياسية على فرض الأعباء و الضرائب.
-أن تكون الموارد المحلية داخلة في النّطاق الجغرافي لإقليم الوحدة المحلية.
أمّا عن مصادر التّمويل المحلي فتذهب النّصوص نصوص الجماعات الإقليمية في أغلب الدّول إلى تناولها كما يلي:
أ-الضرائب والرسوم: وتتلّخص في مجمُوع الموارد التّي تحصُل عليها الجماعات الإقليمية في إطار نطاقها التُرابي الخاص،أو هي التّي يعترف القانُون بأحقية الاستفادة منها للجماعات الإقليمية كالضرائب والرسوم.
ب-موارد خارجية:وتتمثل في:
-القروض: يُعّرّف القرض بصفة عامة بأنّه عقد دين مالي تستدينه الدّولة أو إحدى الهيئات العامة من الجُمهُور سواء "الأفراد الطبيعيين أو المعنويين"أو المصّارف أو الدُّول أو الهيئات الدُّوليّة المُتخصّصة على أساس رد قيمته مع دفع فوائد عنه طيلة فترة العقد من التّاريخ المُحدّد وفقًا لشُرُوط العقد.و بذلك يُعتبر عقد القرض المحلي مصدرًا تلجأ إليه الجماعات الإقليميّة بصُورة استثنائية من أجل تغطية النّفقات غير العادية،لذلك فهُو مورد تنتفي بصدده صفة الدّورية والانتظام.
-الإعانات:تُعرّف الإعانات أو كما يُطلق عليها بالإمدادات، بأنّها كُل مُساعدة مالية تمنحها الدولة للجماعات الإقليميّة بهدف تغطية العجز الحاصل على مُستوى ميزانياتها.وتعمل أغلب الأنظمة على منح مُساعدات مالية للمجمُوعات المُكوّنة للإدارة المحليّة بها حتى تتمكّن من تقديم خدمات للسُكان لتكُون في مُستوى تطلُعاتهم، كما قد يكُون الغرض من هذه الإعانات تمكين الجماعات الإقليميّة ذات الموارد المالية الضعيفة من مُوازنة إيراداتها مع نفاقاتها.
-الهبات والوصايا:تُعد الهبات والوصايا من الموارد الخارجية للجماعات الإقليميّة وتشترك مع القُرُوض باعتبارها من الأصول العرضية غير المُنتظمة ولا المُستقرة،وعادة ما يكُون مصدرها حُكُوميًا أو شخصًا (طبيعيًا أو معنويًا) وطنيًا أو أجنبيًا.
-الفرع الثالث:مشاركة المواطن المحلي في تسييره لشؤونه المحلية.
يقصد بهذا المبدأ إعطاء المواطن المحلي الفرصة لصياغة شكل إدارته للجماعة الإقليمية التّي ينتمي إليها و التّأثير في هذه الإدارة و مساعدتها في اتّخاذ القرارات و تنفيذها،وحتى رسم السياسات التّي من شأنها أن تتجاوب مع احتياجاتهم،وقد أخذت معظم الأنظمة السياسية بهذا المبدأ سواء التّي كانت قائمة على نظام الحزب الواحد كما كان الشأن في الجزائر قبل التّعددية السياسية،أو تلك المعتنقة للتعددية السياسية من ذلك الديمقراطيات الغربية أو حتى بالنظر إلى القانون المتعلق بالبلدية في الوقت الحالي،والذّي كرّس هذا المبدأ في ظل المواد من 11 إلى 14 منه.كما أكدّته كذلك سابقا المادة21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان باعتباره حقا بنصها:"لكل إنسان الحق في المشاركة في حكومة بلاده ،وأن لكل إنسان الحق في دخول مجال الخدمة العامة في بلاده بشكل متكافئ".
أمّا عن أهمية المبدأ فتظهر من خلال:
1-الدولة لا تنمو إلا بمواردها المحلية الذي يعد الإنسان أثمنها،و بالتّالي فإن الجماعات الإقليمية هي الأخرى لا تنمو و لا تتطور إلّا من خلال مشاركة المواطن المحلي و بتواجده على المستوى الاجتماعي بحكم طبيعته كإنسان،وعلى المستوى السياسي من خلال انضمامه إلى الأحزاب السياسية،وعلى المستوى التّنظيمي من خلال انتسابه إلى الجماعة الإقليمية طبيعيا باعتباره أحد ساكنيها أو رسميا بتواجده كعضو منتخب في مجالسها المحلية.
2-مشاركة المواطن المحي تعتبر وسيلة أساسية لتنشئة السياسية للفرد،على اعتبار أن الجماعة الإقليمية تعد مدرسة لتكوين القيادات السياسية المحلية و حتى الوطنية.
3-هذا المبدأ يؤدي إلى الحفاظ على الكيان السياسي للدولة،على اعتبار أنها تخفف من حدة التوتر بين الأقليات العرقية أو الدينية أو السياسية و بين النظام السياسي القائم في الدولة.
أمّا عن صور التّعبير عن هذا المبدأ فقد ظهرت عدة نظريات:
أ-نظرية الدّيمقراطية المباشرة:أخذت بهذه النظرية المدن اليونانية القديمة،ومفادها حضور المواطنين عند اتخاذ القرارات التي تهتم و بصورة أوضح،فهذه النظرية تجسد حكم الشعب نفسه بنفسه بطريقة مباشرة دون برلمان أو أي وسيط آخر،و تعد هذه الصورة من الناحية البحتة أـكثر نظم الحكم ديمقراطية.
ب-نظرية الديمقراطية النيابية أو التّمثيلية:لصعوبة تطبيق الديمقراطية المباشرة من النّاحية العملية،ذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أنّه لا مانع من لجوء الجماعة الإقليمية إلى اختيار ممثلين في المجالس المحلية،ينوب كل عضو منهم عن عدد من الناخبين المحليين،و بالتّالي ووفقا لهذه النّظرية فدور الجماهير لا يتعدى سوى المشاركة في عملية الانتخاب،أمّا الدّور الحقيقي فيناط بالأعضاء المنتخبين فقط.
ج-نظرية الديمقراطية التّعددية:مضمونها يتعلق بانضمام الأفراد إلى منظمات محلية سواء كانت أحزابا سياسية،جماعات ضغط نقابات عمالية،جمعيات خيرية بهدف الارتقاء بالجماعة الإقليمية من ناحية،و الدفاع عن مصالح الأفراد و شرح أرائهم و التّعبير عن اتجاهاتهم من ناحية أخرى
د-نظرية الصّفوة أو النّخبة:فكرتها تنبني على أنه لا يمكن النظر إلى الديمقراطية المحلية نظرة مثالية بل يجب النظر إلى ما يحدث في الواقع السياسي المحلي،إذ أنّه حسبها و سواء شاركت الجماهير فرادى أو جماعات بصفة منظمة أو غير منظمة،فهناك اتجاه في كل عمليات المشاركة الجماهيرية نحو بزوغ قلة تسمى بالنخبة أو الصفوة تسيطر على
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
دشنت السلطة المحلية بمحافظة لحج، اليوم، قافلة غذائية وإغاثية مصحوبة بدعم لوجستي، انطلقت من مديرية تب...
الدراسة الأولى ...الدراسة الأولى [1]: (الحارثي، 2022): أثر تطبيق حوكمة الشركات على استقرار السوق المالية السعودية. تنب...
This definition...This definition creates a direct ultimatum for Malone: to win Gladys's love and avoid losing her to ...
The Unlucky Thi...The Unlucky ThiefI strongly agree with the saying "Crime doesn’t pay" because criminals always make...
א...אא א W אאאאאא...
سأرتب لك الفصل ...سأرتب لك الفصل الأول Chapter 1 – Overview of Computing and Information Systems بطريقة تساعدك على الف...
وأفاد بانه لم ي...وأفاد بانه لم يقم باستلام أي مبلغ من الشاكي كما اقر في إيصال الامانه حيث انه قام بالتوقيع عليه بسبب ...
الصحة البدنية و...الصحة البدنية والنفسية من السمات المهمة في الميثاق الوطني للتعليم، وتهدف إلى مساعدة الطالب على المحا...
من الغريب جدًا ...من الغريب جدًا إن دولة المنبع تطلب من دولة المصب تفسير بناء السد العالي من غير موافقتها استخدام السد...
١- مصر من الحكم...١- مصر من الحكم البيزنطي (الروم) إلى الوالية اإلسالمية:ف س ث هد� ت مصر � ت�ولً� س�ياس�ي ً ا مهم ً ا ...
يُعدّ الدستور ا...يُعدّ الدستور الوثيقة القانونية الأساسية والسامية في الدولة؛ إذ يُرسخ مبادئ النظام السياسي، ويُحدد ط...
يُعدّ الدستور ا...يُعدّ الدستور الوثيقة القانونية الأساسية والسامية في الدولة؛ إذ يُرسخ مبادئ النظام السياسي، ويُحدد ط...