خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
تزداد ذكاء وثراء البشرية يوما بعد يوم، وهذا مثبتٌ بدراساتٍ كثيرة، مثل دراسة فلين حول زيادة معدل الذكاء، ودراسة روسلينج حول زيادة الناتج المحلي. مع ذلك، تزداد حاجتها للسماء، فالإنسان -كما تقول الأديان الإبراهيمية- مخلوق من طين وروح، يتغذى الطين من الأرض والروح من السماء. يشهد نمو الإسلام بنسبة 12% سنويا على هذه الحاجة الدائمة. مهما تقدمت البشرية، ستبقى محتاجة إلى السماء وهداها، ومكة رمزٌ ماديٌّ لهذه الحاجة. تُعدّ مكة، برمزياتها الخمسة (الكعبة، زمزم، القرآن، جبل النور، الحرم)، الحلّ الأمثل لهذه الحاجة، وهذه الورقة محاولةٌ لتقديم تصوّر تسويقي حديث لها. طور الإنسان الحياة على الأرض بشكلٍ مذهل، لكنّه ابتعد عن السماء أحيانًا. مكة ورمزياتها تُمثل منارةً للبشرية، تُرشد الحائر وتهدي الضالّ. تُرمز الكعبة للوحدة والحركة، فالوحدة في المعبود والاتجاه والجماعة، والحركة في العبادات كالحج والعمرة والصلاة، وهذه الحركة تحتاج لطاقة عالية، وهنا يأتي دور جبل النور، رمز التعبد والصبر، حيث يستجمع الإنسان قواه ويستلهم النور من السماء. القرآن، كرمزٍ ماديّ، يحمل رمزيين: الرسالة واليقظة، فهو رسالةٌ سماويةٌ خاتمةٌ يجب أن تكون متاحة للجميع، لكنّ فهمها يحتاج إلى يقظة. زمزم يرمز للتدفق والبركة، فهو ماء الحياة، والبشرية تحتاج للتدفق بالخير والعطاء. الحرم، كرمزٍ أخير، يُمثل الأمان المادي والمعنوي، حيث يجد الإنسان السلام والراحة والسكينة، ويتصل بروحه بالسماء. مكة ورموزها تُلهم البشرية قيمًا لتعمر الحياة بجمالٍ وحبٍّ وسلام.
مكة.. الحاجة الدائمة للسمـــاء
يزداد ذكاء الانسانية يوما بعد يوم! هذا ليس رأي بل حقيقة! فقد أثبتت الدراسات الكثيرة ذلك، ولعل أشهرها دراسة العالم جيمس فلين حيث أثبت أن معدل الذكاء للأجيال من عام 1932 وحتى 1978 ازداد بنسبة 13%
ليس هذا فقط!
بل يزداد ثراء الانسانية يوما بعد يوم! هذا أيضا ليس رأي، بل حقيقة ثابتة! فقد أثبتت الدراسات ذلك، ولعل أشهرها دراسة عالم الإقتصاد الدكتور هانس روسلينج حيث أثبت أن الناتج المحلي للإنسانية جمعاء قد ازداد على مر السنوات بنسبة 7%
يزداد ذكاء الإنسانية، ويزداد مالها، ومع ذلك تزداد حاجتها إلى السماء! فالإنسان في أصل خلقته -كما تعتقد الأديان الإبراهيمية الثلاثة- مخلوق من طين وروح، وكما يتغذى الطين على ما أحل له من طيبات الطعام من مكنونات الأرض التي هي أصله، فإن الروح ولابد تتغذى على طيبات السماء من كلام الله تعالى وذكره وتجلياته وأنواره. وعندما ننظر في الإحصائيات نجد أن الإسلام ينمو 12% سنويا بينما تنمو المسيحية 0,5% وأقل من ذلك تنمو اليهودية.
وفي أعتقادي الشخصي إن الإنسان سيظل مهما تقدمت به الحياة ومهما تربع على عرشها بما اكتشفه من اختراعات وسبكه من الآت وطوره من تقنيات، سيظل محتاجا إلى السماء وإلى هديها ونورها. فكما تشهد النظريات العلمية وقبل ذلك القران أن الكون كان ظلاما ثم تفتق بالنور ثم جاء الانسان بما وهبه الله من العقل والحكمة فصنع وطور وأبدع، لتظهر الحياة مبهجة بهذا الشكل البديع الذي نراه " الدنيا حلوة خضرة".
وفي ظني -كمسلم- تبقى الإنسانية محتاجة إلى السماء، وتمثل مكة الرمز المادي لاحتياج الإنسانية الدائم إلى السماء، ليس هذا فقط! بل أن في مكة ورمزياتها المادية الخمسة ما تحتاج إليه البشرية في كل عصر ووقت ومايساعد البشرية على الإرتقاء روحيا وماديا وحضاريا لتعمر الأرض والكون بشكل أفضل وأجمل. مكة برمزياتها الخمسة (الكعبة، زمزم، القران، جبل النور، الحرم) تعد الحل الأمثل لحاجة البشرية الدائمة للسماء وهذه الورقة محاولة لصياغة تصور "تسويقي" حديث لمكة المكرمة.
والناظر لمشوار البشرية على الأرض والممتد أكثر من 200 ألف سنة يجد أن البشرية أبدعت في عمارة الأرض بل والوصول إلى الفضاء، فكما يعبر عالم التاريخ د.يوفييل نوح: "يمتلكك العجب في كيف تطور الإنسان من كائن هامشي على سطح الأرض مقارنة بالديناصورات مثلا إلى كائن يتحكم في الأرض وفي مخلوقاتها وفضائها". والحق أن الدكتور يوفييل لم يجاوز الحقيقة، فقد طور الإنسان الحياة على الأرض تطورا مذهلا! فلست ترى أمامك الآن إلا اختراع للبشرية دون غيرها من المخلوقات، أنت الآن تستمتع به أو من خلاله، شعرت أم لم تشعر. وأنت الآن تقرأ هذه السطور من خلال هذا الجهاز الذي بين يديك، فانت تقرأه من خلال اختراع بشري بديع سواء كان جوالا او حاسوبا أو لوحيا..إلخ. والحق أن الجهاز الذي بين يديك الآن هو اختراعات عدة في اختراع واحد فإن نظرت إلى حسن تركيبه وتطويره، أوشاشته وإزرته ومكوناته وتراكيبه الداخلية أو حتى في الانترنت الذي تتصل من خلاله، كل ذلك اختراعات بشرية بديعة. بل الكتابة نفسها اختراع بشري بديع آخر! وإن رفعت رأسك وأجلت بنظرك فوجدت البناء والسيارة والطيارة والملبس وغير ذلك، كلها اختراعات بشرية طور الإنسان من خلالها الحياة على الأرض وخارجها. كل هذه الاختراعات محصورة على الإنسان والإنسان فقط دون غيره من المخلوقات.
فالانسانية أجملت في عمارة الأرض، لكنها لفترات متباعدة تطول وتقصر أبعدت عن السماء فتاهت " إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب". ومع تيه البشرية، يرسل الله أحدهم لإرجاعهم إلى الحق، فأرسل الله أكثر من ثلاثمائة رسولا ثم ختمهم بأفضلهم عليه الصلاة والسلام وترك مكة ورمزياتها الخمسة لتبقى منارة للبشرية جمعاء، ترشد الحائر وتهدي الضال وتأخذ بيد المجتهد، وهل البشرية إلا أحد هذه الثلاث؟!
فمكة هي الرمز المادي لحاجة الانسانية للسماء، ورمزياتها الخمسة تحتوي رمزيات أعمق تمثل هذه الرمزيات أحد الحاجات الضرورية للبشرية لتعمر الأرض وتؤدي الأمانة التي احتملتها " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض وأشفقن منها وحملها الإنسان". رمزيات مكة المادية الخمسة ترمز إلى قيم أعمق، فالكعبة ترمز إلى الوحدة والحركة، والقرآن يرمز إلى الرسالة واليقظة، وجبل النور يرمز إلى التعبد والصبر، وزمزم يرمز إلى التدفق والبركة، والحرم يرمز إلى الأمان بنوعيه المادي والمعنوي وإليك البيان!
الكعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبة
فالكعبة أحد الرموز العظيمة لمكة التي لا تخطأها عين! بل هي الرمز الأشهر! فحولها يطوف المسلمون وهم في حرمها، وإليها يتجهون وهم في صلاتهم حيث كانوا منتشرين على الكرة الأرضية أو خارجها. هذه الصلاة هي عمود الدين وركنها الثاني التي لا تسقط عن الإنسان مهما كانت سوء حاله حتى لو يصليها بأصبع يتحرك أو عين تطرف. وبقدر ما تشغل الصلاة حيزا كبيرا في يوم الإنسان فهي تربطه روحيا بالكعبة بشكل يومي، وبقدر ما يشغل الحج الإنسان في عمره، فهو يربطه بالكعبة ماديا على المستوى العمري للانسان.
عندما تتأمل تعاطي الانسان مع الكعبة سواء معنويا من خلال الصلاة أو ماديا من خلال الحج والعمرة تجد الوحدة والحركة رمزيين واضحيين في التعاطي مع الكعبة. فالوحدة تجدها في كل شيء وتجد الحركة ترافقها في كل شيء، وكأن البشرية تحتاج إليها في إعمارها الكون، فلابد أن تواصل البشرية حركتها في إعمار الكون ولابد أن تكون الحركة في اتجاه واحد.
الوحدة تجدها في كل شيء وفي كل ناحية، فالوحدة في المعبود، فالمتجه إلى مكة يؤمن بوحدة المعبود، وحدة لا شريك معه ولا ولي له. والوحدة في الاتجاه\القبلة، فالمتجه إلى مكة يتجها إليها رمزيا ويتجه إلى ربها معنويا، ولا يتجه لغيره، خاصة إن ضاقت به الأرض وتاهت به السبل. والوحدة في الجماعة، فهو يؤمن أنه فرد في جماعة عالمية يتساوى معهم في كل شيء، ويتميز عنهم فقط بسعيه "إن سعيكم لشتى" "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى". هذه الجماعة الواحدة تتساوى في كل شيء "كأسنان المشط" بل "يسعى بذمتهم أدناهم" اختاروا أحدهم ليقودهم " اسمعوا واطيعوا حتى لو أمر عليكم عبد حبشي"،بل أن وحدة القيادة تمتد إلى الصلاة لتعزز وحدة القيادة! فلا رمزية أكثر مما ترمز إليه الصلاة فوحدة الإمامة فيها بينة فهناك أمام يهتدى به ويتبع في الصلاة، بل "ولو سابق الإمام فصلاته باطلة".
هذا عن الوحدة، فما بال الحركة؟!
مع الوحدة تجد الحركة، فأن تاملت بالعبادات الخاصة بالكعبة تجد فيها الحركة، بل والحركة الدؤوب؟
فالعمرة والحج بما فيها من طواف وسعي ورمي وانتقال بين المشاعر تعلن عن حركة دؤؤوب، بل ولها أوقات محددة لاتتجاوزها مما يجعلك تكثف الحركة لتدرك أوقاتها. والصلاة، وأنت في أقاصي الأرض، تعلن عن ذات الشيء! فهل أكثر من خمس فروض بما تحتويه من قيام وركوع وسجود وبما تستوجبه من وضوء وطهارة في المحل والبدن إلا حركة دؤؤب بينة.
ويلتقي الرمزان "الوحدة" و"الحركة" سويا ليحث الانسان على التحرك الدائم الذي لا يتوقف وأن تكون الحركة باتجاه واحد وهدف واحد ضمن جماعة واحدة، وبذلك تتسق حركة الفرد مع حركة الجماعة بشكل بديع. بل وتتسق مع حركة الكون، أوما علمت أن حركة الانسان في الطواف هي نفسها حركة الالكترون حول النواة وهي نفسها حركة الكواكب حول الشمس، نفسها شكلا واتجاها. كل ذلك يشير صراحة الى اتساق الانسان حركة واتجاها مع الكون من أصغره إلى أعظمه، وبذلك يتسق بناؤه وإعماره للأرض. وهذا أحوج ما تكون إليه البشرية، فما الاستنزاف الجائر للموارد، والاحتباس الحراري والتوزيع غير العادل للدخل حول العالم إلا مؤشرات واضحة لما تعانيه البشرية في إعمارها للكون.
هذه الحركة الدؤوب ووحدة الاتجاه تحتاج طاقة عالية للإلتزام بها، وبطبيعة الحركة أنها تربكك، تبعثرك، تشتتك، لذلك لابد من مرحلة هدوء ذاتي تستجمع فيها قواك، تلم فيها شتاتك، تعيد ترتيب أوراقك، وتشحن نفسك بالطاقة لتنطلق إلى الحركة من جديد.
يأتي هنا جبل النور.. حيث التعبد وحيث الصبر
يأتي مرتفعا عاليا سامقا بل ويتسامى بالنور لأنك تحتاج الطاقة ومعها تحتاج النورلترتب أوراقك من جديد. تحتاج الوقوف بعيدا عن الحياة تراقبها وتراقب ذاتك.. ترصدها وترصد سعيك وتكشف ما بها من أخطاء وخطايا،ومابك من احتياج وألم..تبتعد عن كل شيء ليبقى معك أهم شيء! لتبقى روحك تلج بها غار حراء لتتعبد وتتحنث وتستلهم الصبر من داخل الغار..
جبل النور يلهمك أن تقف شامخا بعيدا عن الحياة، واقرب ما تكون إلى السماء تستلهم من نورها وتأخذ من بركتها وتشحن من طاقتها.. جبل النور يرقيك إلى السماء من خلال تعبدك، من خلال روحك، روحك التي ظمأت كثيرا في حركتها الدؤوبة في هذه الحياة.. هذه الحركة التي بعثرتك شتتك آلمتك.. ومع كثرة إنشغالك في إعمار الكون وإصلاح الأرض والمال والولد، قسيت على روحك كثيرا، فظمأت كثيرا وتعبت كثيرا وتاهت كثيرا.. آن لك أن تأتي إلى الغار، لتتحنث إلى ربك فتقتبس من نوره وتستلتهم من عطاءاته وتسأله الإعانة والسداد.. "إياك نعبد وإياك نستعين".
في تحنثك ستتعرف أكثر إلى الحياة، وستتعرف أكثر على ربها وعظيم عطائه واختياره، وستتعرف إلى ذاتك. ستعرف أنه كريم لطيف عظيم حنان شكور.. هل تريد أكثر من ذلك؟
نعم تريد! في هذه الحياة المتموجة دائبة الحركة كثيرة الطلب، في تحنثك ستعرف أنه السلام أنه الرحيم أنه اللطيف أنه القدوس أنه المنان.. مجرد ذكرك لهذه الصفات ستتغشاك السكينة، ستحيط الرحمة ستترقى إلى السماء. ستتصل بعالم نوراني جميل، مليء بهذه المعاني الرائقة، بل وتحرسه الملائكة، بل وتحرسك أيضا.. "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله".. " مجالس العلم تغشاها الملائكة".. "من بات طاهرا بات في شعاره ملك" حتى في نومك هناك من يحرسك.. ما أحوج البشرية إلى من يطمأنها.. مكة تطمئن البشرية.
تعال إلى جبل النور، ادخل الغار.. تعبد وتحنث واقترب من السماء.. لتنشر عليك من انوارها وبركاتها وعطاءاتها وتجليتاها..
فجبل النور هو التعبد والتحنث.. وجبل النور هو الصبر..
ستظل تراوح بين التعبد هنا وبين الحركة هناك.. ستمتلئ بالطاقة هنا، ويأخذ منك الجهد كل مأخذ هناك، ستعود بالنجاح والجراحات،وترجع بالطاقة والأمل..وفي الذهاب والإياب، بل في السعي كله تحتاج الصبر، ف"كل الأمور الرائعة تستحق الانتظار".. ألم تر إلى الشجرة قوية الجذع ناضجة الثمرة وارفة الظل..قد كانت بذرة.. وكان وقتا طويلا وحركة دائبة لتصل إلى ما تراه الآن.. وكان الصبر رفيق الرحلة.
لماذا الصبر؟!
لأن "الإنسان خلق عجولا".. وعلاج العجلة الصبر.. لإن الإنسان "خلق ضعيفا"، وعلاج الضعف القوة التي تأتي مع الصبر. لإن الانسان "خلق هلوعا" وعلاج الهلع الطمأنينة التي تاتي من التعبد والصبر.. ولذلك تجد الصبر مبثوثا في الرسالة الخاتمة بشكل لافت جدا.. تجد في القران وبشكل واضح "واستعينوا بالصبر والصلاة" ليس ذلك فقط.. بل" إن الله مع الصابرين".. بل تجده عكس الصبر المألوف أنه صبر جميل! الصبر هنا على الأمل في الحياة، الصبر على الأشياء الجميلة التي تنتظرنا، على المستقبل الباهر الذي سنصنعه، على كرم السماء الذي سيتدفق قريبا.. صبر جميل لإن الحياة بطبيعتها جميلة.
تحتاج البشرية الصبر الجميل، وإلا فما تحلل انتحار 700 ألف انسان سنويا. من يعرف جبل النور، لن ينتحر أبدا. بلاشك، ستضيق الحياة، لكن جبل النور سيخرج كل واحد منا نورانيا قويا قادرا على الحركة والتفاعل مع الحياة.
القران..
ستخرج من الغار وتنزل من الجبل.. وأنت تعرف قيمة السماء وتثق بها مشحونا بالطاقة متسلحا بالصبر الجميل وأنت معك " القرآن"..
القران – كرمز مادي من مكة- يحمل رمزيين عظيمين، الرسالة واليقظة!
لإن الإنسان مخلوق من "طين وروح"..ولأنه حمل أمانة إعمار الأرض، ولانه سيعاني كثيرا، وسيتوه كثيرا، جاءت الرسالة الخاتمة من السماء لترشده وتدله، وتعهد الله بحفظ هذه الرسالة عن التلف والضياع والتزوير لتبقى ما بقيت البشرية.. وهنا قمة العدل لأن تجد أول البشرية وآخرها، نفس الرسالة لم تتغير ولم تتبدل..بقي أن تتفاعل هذه البشرية مع هذه الرسالة وأن تكون يقظة لمحتواه واشاراتها.
والعجيب في هذه الرسالة، جاءت بعد رسائل عدة للبشرية.. وبذلك ترقت البشرية لتصل إلى هذه الرسالة. فمع ثلاثمائة رسول أرسلهم الله للبشرية في مشوراها الممتد لأكثر من 100 ألف سنة، تفاعلت البشرية مع السماء ورسالتها ومع الأرض ومكنوناتها وما بينهما من مخلوقات، لتترقى في استعداداها لتلقي الرسالة الخاتمة. ويبدو لي أن الله كافئ البشرية بالتعهد بحفظ الرسالة الخاتمة.
ليس هذا فقط! بل أن الرسالة الأخيرة- وعلى عكس الرسائل الأخرى- تنزلت على فترة طويلة، وليس جملة واحدة. "قالوا لولا نزل عليه القران جملة واحدة!" فأخذت الرسالة الخاتمة 23سنة لتكتمل واستطاعت أن تصل البشرية لحالة مثالية في الكون. "استقال عمر بن الخطاب من القضاء في عهد أبي بكر لأنه وخلال سنتين لم يأته أحدا يشتكي" . هذه الحالة المثالية لن تصل إليها البشرية مرة أخرى، لكن بمقدورها ان تقترب منها كثيرا كما كان في عهد عمر بن عبدالعزيز.
عند تقليب الصفحات الأولى من هذه الرسالة، تجد التأكيد الصارخ " ذلك الكتاب لا ريب فيه"، فلا ريب ولاشك ولا أدنى معلومة خاطئة، فإن تظاهر لك أي خطأ أو تعارض فاختبر فهمك أو "ارجع البصر كرتين" أو أن البشرية لم تصل بعد لما يؤهلها لفهم المراد. وعند تقليب الصفحات الأولى في هذه الرسالة، يأتيك النداء الأول " يا أيها الناس"، فهو نداء لكل الناس لكل البشرية، فهي إذا رسالة عالمية تخاطب البشرية جمعاء بإنسانيتها العظيمة والتي -الآن- تعد مصدرا ملهما لتطور البشرية، وما حقوق الانسان إلا أحد نفحات الانسانية العظيمة. هذه الرسالة تقولك من ضمن ما تقول " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"، وفي موضع آخر تحصر هذه الأسوة الحسنة بوصف عظيم " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، أي أنت لست إلا رحمة للعالمين، والأعجب كل العالمين أي كل العوالم، من بشر ونبات وطير وحجر، ألا يذكرك هذا بحقوق الحيوان! وهي نفحة أخرى من نفحات الانسانية العظيمة. هذه الرحمة المهداة قالت فيما قالت: "في كل كبد رطبة أجر" وهو تجلي عظيم للرحمة، البشرية أحوج ما تحتاج إليه ولم تصل إليه بعد. لم تصل البشرية إلى هذا المستوى الراقي من التعامل مع الكون.
ليس بعد.. ليس بعد.. مكة ستأخذنا إلى هناك.
الرسالة توحي لك فيما توحي " إلا تكون أمعة". ما الأمعة؟ " إذا أحسن الناس أحسنت وإن أساؤؤا أساءت". الرسالة توحي لك أن تكون لك رسالتك الخاصة لتصنع أثرا في هذه الحياة، الرسالة تقول لك أن هناك تشويش عالي في هذه الحياة "لكل امة جعلنا منسكا هم ناسكوه" لكن دع التشويش وركز على الرسائل "فلا ينزعنك الامر" لأنه "لكل وجهة هو موليها". الحياة مليئة بالرسائل ولابد أن تكون يقظا وسط كل هذا التشويش لتتلقف هذه الرسائل وتتفاعل معها فتصنع أثرا وتعيش بسلام وسعادة دائميين.
القران – كرمز مادي ملموس من مكة- يرمز أيضا إلى اليقظة! لأنه رسالة ولأنه رسالة سماوية خاتمة أبدية، لابد أن تكون متاحة للجميع -رسالة دافنشي- وليست في نفس الوقت متاحة للجميع! نعم، لابد ان تكون كذلك! وهذا ليس تناقضا!فالكل يستطيع الوصول إلها " ولقد يسرنا القران للذكر"، ولكن لن يحصل على رسائلها الخاصة ومغزاها إلا اليقظ "وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم" انظر الصبر هنا أيضا. فلتفهم القران ولتعرف رسالتك تحتاج إلى قلب تحتاج إلى حضور تحتاج إلى يقظة عالية " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".
واليقظة ليست هنا لفهم القران فقط، بل لمعرفة رسالتك في الحياة، فستلقي الحياة في طريقك الكثير من المواقف والأحداث والتفاصيل الدقيقة والتلميحات اللطيفةالتي تدلك على شيء ما ولا بد أن تكون يقظا لالتقاطها وفهمها والاستفادة من فرصها المتاحة. واليقظة تتطلب هدوءا كبيرا وتركيز عاليا ونباهة حادة، حينها ستفهم شيئا ستدرك شيئا ستدرك معنى ستلمح فرصة ستكشف طريقا. انظر للحظات اليقظة في تاريخ البشرية فقد صنعت كثير من الانجازات والاختراعات والتقدم البشري. كل ذلك نتيجة اليقظة.
من صفات القران – كرمز مادي من مكة-الامتلاء! فكلماته مملؤة بالمعاني والاشارات والايحاءات وتحتاج الصبر واليقظة لتتلقف بعض معانيه وتفك بعض أسراره. ألا يملكك العجب أن هذا الكتاب له أكثر من 1400 سنة وثلث البشرية الآن يرددونه بحبور!
ألا يملكك العجب أكثر أن ثلث االبشرية على مر التاريخ ليفهمون رسائل متعددة وفتوحات مختلفة من هذه الرسالة؟! إنها اليقظة، ألا تريد أن يفتح "لك فتحا مبينا" .
حين تنزل من جبل النور وتعيش مع القران.. ومع قليل من الصبر وكثير من اليقظة ستعمل برسالتك وتكون نورانيا بتعبدك.. حينها فقط ستتدفق بالبركة.. تمام كزمزم.
إن زمزم – كرمز مادي آخر من مكة- يعلم البشرية فيما يعلمها التدفق والبركة. فهو ماء والماء سر الحياة، وهو متدفق منذ زمن طويل، كذلك البشرية. فمكة ترى أن البشرية هي محور الكون " سخر لكم مافي السموات والارض"، بل كانت تتسأل بوضوح " ألم تروا أن الله سخر لكم مافي السموات والأرض"، والبشرية احتملت الامانة التي " عرضنا على السموات والأرض وأشفقن منها"، ولذلك لا بد أن تتدفق البشرية. فبعد النور في جبل النور وبعد الرسالة من القران، يأتي التدفق، والتدفق مرحلة أعلى من العطاء.. فالعطاء محدود بإمكانية الانسان ومحيطه، لكن التدفق نهر جار من العطاء لا تحده حدود وليس له مصدر واحد فقط، فهو ينبع من اليدين فتبني وتتصدق وتصافح وتميط الاذى عن الطريق. وهو ينبع من الروح فتذكر وتستنكر وتتدبر وتبتسم.. وهو ينبع من الفكر فهو يتأمل ويحلل ويكتب ويترك علما نافعا واختراعات بديعة كصدقة جارية.. وهو ليس محصورا على التدفق من الانسان للانسان فقط! بل يشمل كل الانسان والحيوان والشجر وحتى الحجر والجماد. فالانسان العصري يحتاج ان يكون متدفقا لكل من حوله بالخير والسلام والنفع حتى الجمادات يفيض عليها تدفقا. " كان سيفه ذي الفقار وكان يحبه حبا شديدا" حتى مع الجمادات حب! بل تسمية وعلاقة عاطفية عالية. ماهذا التدفق!
وعندما ننظر إلى غير الجمادات، نجد التدفق أيضا " فقد حن إليه الجذع وجاءه فمسح عليه" ونهى عن اللعن في كل شيء حتى لعن الحيوان "لا تصحبنا ناقة ملعونة".. لأن البشرية تحتاج ان تكون رحمة على بعضها وعلى كل العوالم حولها وتحتاج أن تتدفق ليعم الخير كل العالم. هل بعد هذا سيكون في البشرية توزيع غير عادل للدخل؟ هل تسنتزف الموارد؟
عندما تتملئ من النور في جبل النور وتنطلق في حركة دؤؤب من الكعبة ستتدفق كزمزم.. حينها – كزمزم- أيضا ستكون مباركا ويتضاعف أثرك، "فزمزم لما شرب له".
إن البركة تخبرك أن حياتك وأفعالك أعلى من قوانين الأرض، وأكبر من احصائيتها وأرقامها. فالبركة أن يتضاعف أثر الشيء فيكون أكبر بكثير من ماهو متوقع ومن ماهو معروف. فوقتك يتبارك فتنجز في ساعات قلائل ما ينجزه غير ك في أيام.. ويتبارك فعلك فيحقق من الأثر ما يفوق خيالك. إن البركة تخبرك ان ترتبط بالسماء فتاعود الارتباط بها كل مرة، لأن مكة واقعية تعرف أنك ستسعى في هذا الكون وأن سعيك وحركتك الدؤؤوب تتطلب أثرا، ومن الجميل أن يكون أثرك متعاظما! أليست هذه هي الاستدامة! ومكة تربطك بالسماء لأنها مصدر الطاقة مصدر البركة مصدر الأثر الممتد. أن البركة تخبرك أن هناك وقت وأن هناك وقت مبارك.وأن هناك خارج الوقت. أن البركة تخبرك ان هناك فعل، وأن هناك فعل مبارك.. وأن هناك أثر ممتد.
ولأن كل هذه الرموز مترابطة فالقران يأمرك أن تقول " واجعلني مباركا حيثما كنت"، وقد قال عمر " إني لا أسأل الله الرزق، ولكني أسأله البركة فيه"، وقد ألمح الرسول الخاتم لهذا بقوله: " البيعان بالخيار، فإن صدقا وبينا بورك لها في بيعهما" ألا ترى كل اقتصاديات العالم ألأ ترى أنها تحتاج البركة! والبركة عمادها النية، والنية هي المقصد الخفي الذي لا يعلمه أحد سوى صاحب السماء لإن " لكل أمرؤ ما نوى" وزمزم مبارك والقران "كتاب مبارك" ومكة مباركة.. وجماع ذلك كله قول النبي الخاتم "وبارك لي فيما أعطيت".
بعد هذه المسيرة الطويلة والطويلة جدا في الحياة، بعد هذه المسيرة المليئة بالحركة الدوؤبة والملتزمة بوحدة الاتجاه الصاعدة في الجبل للتعبد والعائدة بالنور الباحثة عن الرسالة المتيقظة لرسائل الكون و المتدفقة على كل شيء الطالبة للبركة، بعد كل هذه المسيرة بل وأثنائها، لابد من منطقة آمنة تأوب إليها. آمنة ليس لك فقط، بل لجميع من حولك. هنا يأتي الحرم!
الحرم – كرمز مادي أخير من مكة- جاء للإطمئنان. جاء ليصنع السلام ليس لك فقط! ليس لعائلتك! ليس لأصدقائك! ليس للبشرية! بل لكل شيء. في الحرم، حتى الشجر " لا يعضد". في الحرم يطمئن كل شيء وتجد السلام. هناك تصنع حرما صغيرا لمحيط كالحرم الكبير في مكة. فالحرم الكبير في مكة يصنع الأمان بنوعية المادي والمعنوي، وحرمك الصغير حيثما كنت لابد أن يصنع لك ذلك.
وهو عين ما تحتاج! فمع تدفق الحياة وسريانها وتموجاتها وعنفوانها هل تحتاج إلا إلى منطقة آمنة تأمن فيها على جسدك وروحك وعقلك وأهلك ويأمن كل من فيها من حجر وطير وشجر. بل أنك تتنفس الأمان في كل شيء.
في المساحة الآمنة ستتصل روحك بالسماء، سيراجع عقلك مسيرتك في الأرض، وسيجد جسدك الراحة في تلك المساحة. ستتناغم ثلاثتيك مع بعضها لتتناغم مع الجماعة الكبيرة من البشرية التي غالبا ما تكون اكتست بالبياض لتعكس السلام وتعكس المساواة بين أفرادها. وهل تحتاج البشرية لأكثر من السلام والمساواة؟! هناك ستجد شهيتك للخير مفتوحة فالحسنة "بمائة ألف حسنة" والسر هنا أن تنفتح نفسك للخير فتتحفز للإكثار منه وتفتح لك أبواب السماء من الخيرات والبركات والعطاءات والأنوار، ثم تشعر بالراحة والسكينة والطمأنينة، فيكون هذا عونا لك على المواصلة خارج حدود الحرم.
إنك حين تأمن على نفسك وتتناغم ثلاثتيك لتستيطع الوصول إلى أمكان مجهولة عميقة في داخلك، تستطيع أن تصل إليها فتضع عليها النور، وتكتشف مابها من خير فتنميه ومابها من عطب فتصلحه. إن الحرم يوحي إليك من خلال أمانه إن تنسجم مع ملكوت الله العظيم، لأنك خلق من خلقه، لأنك جميل كما هم جميلين لإن الجميل لا يخلق إلا جميلا، لأن سيد هذا الكون قد قال لك في الرسالة الخاتمة :"وما من دائبة في الأرض ولا طائر يطير بجانحيه إلا أمم أمثالكم" أمثالكم في حاجاتهم وطموحاتهم وآمالهم ولهم أيضا – مثلك مالك- من مخاوف وجراح. كل ما حولك له مثلك، لكننا في حياتنا ومع حركتنا الدؤؤب ننسى نتناسى ننشغل، فيأتي الحرم ليناغم بين ثلاثيتنا ويناغمنا مع الكون، مع كامل ملكوت الله.
ستديم في الحرم التأمل، ستديم عمل الخير، ستديم قراءة الرسالة، ستراجع حركتك الدؤوب، ستراجع اتجاهك، ستتأمل تدفقك، ستسأله البركة، ستراجع رسالتك بل ستبحث عنها بشكل أفضل. ستحاول أن تزيد من يقظتك، ستتعبد وتتحنث لتتزود من طاقة السماء ومن نورها. ستلهم الصبر وتخرج من الحرم آمانا والكل- كل الكون- يأمنك لتعمر الكون بجمال وحب وسلام.
هذه مكة..
وهذه رموزها..
وهذه وما توحي به للبشرية من قيم لتعمر الحياة بجمال وحب وسلام
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
Side panel Saylor University History of Psychology Back to '1.2: History of Psychology\' Completion...
شهدت الأبحاث الطبية والنفسية في السنوات الأخيرة زيادة في الاهتمام بالأمراض المزمنة، بسبب ما تسببه من...
محادثة مع Gemini اريد الاجابة المنطقية والواقعية لديوان المحاسبة الاردني الوحدة 3: كيف يمكن لمدقق في...
الفصل بين السلطات والتعاون فيما بينهما . نظام الحكم في دولة الكويت ، يعمل في ظل هيكل دستوري فريد ، ي...
السيادة في الدولة الفدرالية لا يمكن أن يتوافق مفهوم السيادة في الدولة الدستورية مع الفصل بين السلطات...
كخلاصة لما جاء في هذا الفصل، فالسياسة الخارجية الجزائرية بمقارباتها المختلفة حققت العديد من المكاسب ...
لن يعود شيء كما كان بعد نهاية العصر الجليدي، حيث عُزلت جيوب كبيرة من البشرية على جانبي الكرة الأرضية...
كما مٌكن ب عٌ الأصل التجاري الإلكترون ،ً فإنه مٌكن تقد مٌه حصة ف شركة والمقصود بتقد مٌ الأصل التجاري...
تغزو سهول شرق أفريقيا موطن الغابات التقليدي لأسلافنا من القردة، حيث تقل الأشجار وتتسع المسافات بينها...
الكود الزائف يشبه لغات البرمجة مثل C++ ، لكنك لستِ مجبرة على الالتزام بقواعدها الصارمة (Syntax). نحن...
الأصالة: قوة أن تكون حقيقي فالأصالة هي حجر الزاوية للقيادة الفعالة. تخلق القيادات النسائية اللواتي ي...
تفرض طبيعة الحياة الإنسانية على الفرد مواجهة سلسلة مستمرة من التغيرات والتحديات التي تترافق مع ضغوط ...