لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (70%)

أولا: الإكراه (تعريفه وعناصره) ا. تعريف الإكراه ص (۱۸۷)، أو رهبة، ص ۲۸٦)، أما مجلة الأحكام الشرعية، فقد عرفته في مادتها رقم ١٥٤٢ بأنه الإجبار على عمل أو تصرف بواسطة أو سجن أو أخذ مال ونحوه أو بتهديد بشيء من ذلك من قادر عليه. ويقال لمن أجبر مجبرًا، ولذلك العمل مكرها عليه، وللشيء الموجب للخوف مكره به". الأساس القانوني لاعتبار الإكراه عيبا من عيوب الإرادة. تأخذ القوانين الحديثة بمبدأ سلطان الإرادة، الذي يقوم على أساس أن الإرادة حرة تصنع ما تشاء من التصرفات القانونية وتعد الحرية شرطا أساسيا لصحة هذه التصرفات، ولذلك عندما تقرر القوانين الوضعية الحديثة بطلان التصرف بسبب الإكراه فإنما ينظرون بشأن ذلك إلى تعييب إرادة الشخص الواقع تحت تأثير الإكراه وما تولده في نفسه من رهبة تدفعه إلى إبرام التعاقد تجنبا للتهديدات التي تمارس عليه من قبل المكره، بغض النظر عن جسامة أعمال الإكراه أو الوسيلة المستخدمة في ذلك، فالمعيار هنا معيار ذاتي شخصي، وعليه، إذا هدد شخص شخصا آخر بتوقيع "السحر" عليه لإيذائه أو ممارسة الحسد عليه، وكان هذا الأخير يعتقد بالسحر أو يؤمن بالحسد فقبل التصرف تحت تأثير الخوف منه - فيعد حينها قد وقع تحت تأثير الخوف الذي عاب إرادته ودفعه إلى التعاقد، ٢. أنواع الإكراه: للإكراه ثلاثة أنواع: الأول، ۱۹۹۸م، ص (٦٩)، ۲۰۰۳م). وحكم هذا النوع من الإكراه؛ سواء في الفقه الإسلامي أو القانوني، وعليه فلا يُعد الإكراه الملجئ عيبا من عيوب الإرادة؛ ۲۰۱۱م، ص (۲۳۳)، إذ يبطل العقد بطلانا مطلقا وهذا قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على خلاف الأحناف (حسني، ۱۹۹۳م). وعلى هذين النوعين نصت المادة (٩٤٩) من مجلة الأحكام العدلية، حيث جاء فيها: الإكراه على قسمين: القسم الأول: هو الإكراء الملجئ الذي يكون بالضرب الشديد المؤدي إلى إتلاف النفس أو قطع عضو، والثاني: هو الإكراه غير الملجئ الذي يوجب الغم والألم فقط كالضرب غير المبرح والحبس غير المديد. الثالث الإكراه الذي يعيب الإرادة ولا يعدمها : فتكون الإرادة موجودة لكنها غير مختارة، ويستوي في هذه الحالة أن يكون الإكراه حسيا ؛ أو يكون نفسيا كالتهديد بالإيذاء أو القتل، أو يكون معنويا يمس السمعة والشرف. لكي يعتد بالإكراه كعيب في الإرادة، ومن ثم يجوز لمن وقع عليه الإكراه أن يطالب بفسخ العقد أو بطلانه، أحدهما: العنصر المادي المتمثل في استعمال وسائل للإكراه تهدد بخطر محدق والثاني هو العنصر المعنوي الذي يقصد به القصد أو النية للوصول إلى غرض غير مشروع. العنصر المادي في الإكراه هو عبارة عن الوسيلة التي تستخدم في الإكراه وما يجب أن تحدثه في نفس المكره من أثر الصده، ١٩٦٠م)، فيجب إذن لقيام هذا العنصر أن يقوم المكره باستخدام وسيلة للإكراه تهدد المكره بخطر جسيم؛ سواء عليه أو على ماله أو على غيره؛ يترتب عليها تولد الرهبة والخشية في نفسه، وهذا يعني أن الإكراه ليس على صورة واحدة وإنما له العديد من الصور المكونة للعنصر المادي فيه؛ وهي على النحو التالي: الإكراه الحسي والإكراه النفسي يعرف الفقه الإكراه الحسي بأنه هو الذي تقع وسيلة الإكراه فيه على جسم المكزه كالضرب والتعذيب، أما الإكراه النفسي فهو الذي تقتصر وسيلته على مجرد التهديد بإلحاق الأذى؛ سواء بالمكره نفسه أو بغيره في الجسم أو النفس أو الشرف أو المال (الصده ١٩٦٠م). والإكراه النفسي هو الأكثر وقوعًا من الناحية العملية، ومن الأمثلة التي يضربها الفقه لذلك: تهديد شخص بالضرب أو الجرح أو تشويه الخلقة، أو تهديده بخطف أحد أبنائه أو قتله، وكذلك يُعد إكراها نفسيا تهديد الشخص بنشر صور فاضحة له أو تشويه سمعته وشرفه، ففي جميع هذه الصور نجد أن الأذى لم يقع بعد وما زال محض تهديد يمارسه المكره على المكره ولا فرق من الناحية القانونية بين كلا النوعين من الإكراء؛ فكلاهما يعيب إرادة المكره ويجعل العقد قابلا للبطلان لمصلحته. النفوذ الأدبي: النفوذ الأدبي يقصد به الخشية الواقعة من صاحب سلطة في نفس المكره، ومن أمثلة النفوذ الأدبي نفوذ الوالدين على أبنائهما، وشوكة الزوج على زوجته، وسلطان الرئيس على مرؤوسه، وتعظيم رجال الدين من قبل المتدينين، فهذه جميعها قد تكون مجرد احترام قد يولد خشية في النفوس، غير أنه إذا اقترن ذلك الاحترام والتوفير بوسائل إكراه أخرى كانت هي السبب في بعث الرهبة والخشية في نفس المتعاقد - فيمكن القول بوجود الإكراه في هذه الحالة، ومثال ذلك: تهديد الزوج لزوجته بتطليقها إن لم تقم بالتنازل له عن ملكية بيتها، وتهديد الأب لابنه بالمنع من التعليم إن لم يقم بتطليق زوجته. وفي كل الأحوال، إذا اقتصر الأمر على مجرد النفوذ الأدبي وكان من شأن هذا النفوذ أن يدفع الشخص إلى إبرام عقد ما كان ليبرمه لولا تأثره بذلك النفوذ وخشيته من صاحبه - جاز له المطالبة بإبطال العقد أو فسخه بحسب الأحوال للإكراه الصده، ١٩٦٠م). اشتراط الرهبة في نفس المكره لقيام حالة الإكراه لكي يكتمل العنصر المادي في الإكراه، لا بد من أن تولد الوسائل المستخدمة فيه الخشية أو الرهبة في نفس المكره؛ والعبرة بجسامة الرهبة لا جسامة الوسائل المستخدمة في الإكراه، فالمعيار ذاتي كما أسلفنا، فالإنسان الساذج قد يخشى أشياء يسخر منها الإنسان العادي، وكذلك المرأة بطبيعتها الخلقية قد تخشى أمورًا يراها الرجل عادية، بالإضافة إلى أنه يتم مراعاة الظروف المحيطة في تقدير جسامة الرهبة المتولدة في نفس المكره، كظرف الليل، ومكان التهديد، وكلها أمور تخضع لتقدير قاضي الموضوع. ولا يشترط أن يكون الخطر الجسيم المحدق واقعا على الشخص نفسه أو ماله أو عرضه، وإنما يمكن أن يكون وشيك الوقوع على الغير، ويستوي في هذه الحالة أن يكون هذا الغير بينه وبين المكزه صلة قرابة من عدمه فكما يقولون "رب" أخ لك لم تلده أمك"، أما إذا كان الإكراه واقعا على غير ذوي القربى ففي هذه الحالة يشترط للمطالبة بإبطال العقد للإكراه أو حتى فسخه إثبات أن الخطر الذي هدد هذا الغير ولد رهبة وخشية في نفس المتعاقد مما دفعه إلى التعاقد. العنصر المعنوي في الإكراه ويقصد بالعنصر المعنوي هنا، اتجاه إرادة المكره إلى تحقيق غرض غير مشروع من خلال استخدام وسائل الإكراه، وبناء عليه لا يُعد إكراها ما أراد المكره من خلاله تحقيق مصلحة أو غرض مشروع حتى ولو كانت الوسيلة المستخدمة غير مشروعة، ولذلك فنحن أمام فرضيات أربع لا خامس لها : وهذا يُعد إكراها معيبًا للإرادة، ومثالها : أن يهدد شخص آخر بحرق بيته إن لم يبرم معه العقد. الفرضية الثانية: استخدام وسائل مشروعة لتحقيق أغراض غير مشروعة، وهذا أيضًا يُعد إكراها معيبًا للإرادة، ومثالها : أن يهدد الدائن مدينه بالمطالبة القضائية بالدين إن لم يقم بزيادة مبلغ الدين. الفرضية الثالثة: استخدام وسائل مشروعة لتحقيق أغراض مشروعة، فهذا لا يُعد إكراها معيبًا للإرادة، ومثالها : أن يهدد الدائن مدينه بشهر إفلاسه إن لم يقم بسداد الدين في موعده. الفرضية الرابعة: استخدام وسائل غير مشروعة لتحقيق أغراض مشروعة، فهذا لا يُعد إكراها أيضًا ما لم تكن الوسائل غير المشروعة تشكل جريمة جنائية، إذا ما توافر في الإكراه عنصراه المادي والمعنوي على النحو الذي عرضنا له في المحاضرة الأولى من هذه الوحدة، وأن يكون الإكراه صادرا من المتعاقد الآخر أو أن يكون على علم به الشرط الثاني، بالإضافة إلى أنه يجب أن يكون المكره قادرا على تحقيق تهديده وتنفيذه (الشرط الثالث)، ويشترط أخيرا أن يغلب على ظن المستكره تنفيذ المكره لتهديده (الشرط الرابع). الشرط الأول: أن تكون الرهبة المتولدة عن الإكراه هي التي دفعت المكره إلى التعاقد : ذكرنا سابقا أن الذي يعيب الإرادة في الإكراه ليس وسائل الإكراه المستعملة للضغط على إرادة المتعاقد الآخر، وإنما ما تولده تلك الوسائل من رهبة في نفس المكره تدفعه إلى التعاقد رغما عنه خشية التخلص من التهديد أو الخطر المحدق الذي سيلحق به إن لم يقم بإبرام العقد. وبناء عليه، لا يجوز المطالبة ببطلان العقد أو فسخه إلا إذا كان المكره قد تعاقد تحت سلطان أو تأثير هذه الرهبة، وهذه هي المسألة الجوهرية في العقد. (الصده، (١٩٦٠م) وكما ذكرنا سابقا، المعيار في تقدير ما إذا كانت الوسائل المستعملة في الإكراه تولد الرهبة من عدمه في نفس المكره معيار ذاتي يختلف من شخص إلى آخر، بحسب الجنس والسن والحالة الصحية والحالة الاجتماعية وأي ظروف أخرى قد تؤثر في جسامة الإكراه. ولا يشترط للطعن بإبطال العقد أو فسخه بسبب الإكراه أن يكون الخطر أو الأذى المهدد به قد وقع بالفعل؛ بل يكفي أن يكون مجرد تهديد بوقوع أذى وشيك بالشخص المكره، وعليه، فإن إعمال هذا الشرط يتجاهل بعض التوجهات الفقهية التي تؤسس بطلان العقد للإكراه على أساس الخطأ الواقع من المكره الذي يمارس وسائل الإكراه للوصول إلى غرض غير مشروع، إذ لا ينظر إلى جسامة الوسائل المستخدمة في الإكراه ولا إلى مشروعيتها من عدمه، وإنما العبرة بالغرض أو الغاية التي يسعى من يمارس تلك الوسائل إلى الوصول إليها، والتي يجب أن تكون كما أسلفنا غير مشروعة، فإذا كانت الرهبة والخوف الذي ولدته وسائل التهديد في نفس المكره هي التي دفعته إلى التعاقد فيمكن القول هنا بوجود عيب الإكراه، لكن شريطة أن يكون الإكراه صادرا من المتعاقد الآخر أو على الأقل على علم به، وهذا ما نعالجه في الشرط الثاني من شروط الإكراه. الشرط الثاني: اتصال الإكراه بالمتعاقد الآخر سواء كان صادرا عنه أو كان على علم به بعض القوانين الوضعية القديمة كانت تفرق بين الإكراه الواقع من المتعاقد نفسه والإكراه الواقع من الغير على علم من المتعاقد الآخر، فكانت تجعل العقد قابلا للبطلان في الحالة الأولى، ولا يُعد كذلك في الحالة الثانية، غير أن تلك القوانين عدلت عن هذا التوجه وأصبح يمكن للمكزه المطالبة بإبطال العقد؛ وهذا الشرط يقتضيه مبدأ حسن النية، فلو تم إبطال العقد رغم ذلك لوجب له التعويض، وخير تعويض له بقاء العقد صحيحًا، وينتقد الفقه اشتراط أن يكون الإكراه الصادر من الغير متصلا بالمتعاقد الآخر أو كان على علم به، إذ من شأن ذلك أن يجعل شروط عيب الإرادة لازمة في إرادة أخرى غير الإرادة المعيبة، وذلك من خلال اشتراط علم المتعاقد الآخر الذي لم يقع عليه الإكراه بالإكراه، وكان من الأولى النظر فقط إلى إرادة الطرف الواقع عليه الإكراه وليس إلى أي إرادة أخرى سواها. وقد عدلت العديد من القوانين الوضعية عن هذا الشرط كالقانون المدني الفرنسي الصادر عام ١٨٠٤م الذي أصبح يأخذ بالإكراه كعيب للإرادة حتى ولو كان صادرًا من الغير ولم يشترط علم المتعاقد مع المكره بذلك. هل يقوم الإكراه في حالة الضرورة؟ يراد بحالة الضرورة هنا أن ظروفا تتهيأ مصادفة فيستغلها المتعاقد للضغط على إرادة المتعاقد الآخر وحمله على التعاقد، ومثالها : أن يحترق منزل وفي داخله زوجة الرجل وأبناؤه فيطلب المنقذ مبلغا كبيرا من المال مقابل إنقاذهم، مما يضطر الأول إلى الموافقة تحت وطأة حالة الضرورة. الرأي الأول: فذهب البعض إلى القول بعدم قيام الإكراه كعيب في الإرادة هنا، ومن ثم لا موجب لإبطال العقد بسبب الإكراه. وسندهم في ذلك، أن وسيلة الإكراه يجب أن يهيئها ويرتب لها شخص لإجبار المتعاقد الآخر على التعاقد دون إرادته، فإذا ما تهيأت تلك الظروف مصادقة فاستغلها أحدهم، إلا أنهم اختلفوا في تحديد طبيعته القانونية؛ ما إذا كان إكراها يترتب عليه انعدام الإرادة ومن ثم بطلان العقد، وإنما تم انتزاعه من صاحبه كرها، ولا يمنع من ذلك كون الأخطار التي تهدد المكره أخطارًا خارجية غير صادرة عن المكره ما دام هذا الأخير قد استغلها للضغط على إرادة المكزه وحمله على التعاقد الصده، ١٩٦٠م، ص ٢١٦). الشرط الثالث: أن يكون المكره قادرًا على تحقيق تهديده وهذا الشرط لم تأخذ به العديد من القوانين الوضعية، إلا أن القوانين ذات الأصول الإسلامية أخذت به تطبيقا لأحكام الشريعة الإسلامية فاشترط أبو حنيفة لاعتبار الإكراء أن يكون صادرا عن ذي سلطان؛ لأن المستكره بإمكانه أن يفزع إلى السلطان ويستجير به في هذا الشأن، وهذا على خلاف ما أخذ به باقي الأئمة الذين يرون أن الإكراه يتحقق؛ سواء صدر من السلطان أو غيره (داود، ۲۰۱۱م). الشرط الرابع: أن يغلب على ظن المستكره تنفيذ المكره ما هدد به ويكفي لتحقق هذا الشرط أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سيوقع عليه التهديد ويلحق به الأذى الذي يتعهده به، إذ لا يشترط التأكد والقطع في هذه الحالة، فإذا ظن المتعاقد المستكره، وغلب على أكثر ظنه أنه إن لم يستجب إلى ما دعي إليه فإن المكره سينفذ ما توعده به كالزوجة التي يتوعدها زوجها بالطلاق إن لم توقع له على عقد بيع بيتها إليه، وكان قد طلقها قبلها مرتين فيغلب على ظنها أنه سينفذ تهديده إن لم تنفذ له ما يريد. ٢- جزاء الإكراه يختلف حكم الإكراه في القانون الوضعي عنه في الفقه الإسلامي: ومن ثم يؤدي إلى بطلان العقد من أصله وعدم انعقاده. أما أنصار الإمام أبي حنيفة والفقه المالكي، ومن ثم يترتب عليه توقف العقد وعدم ترتيب نتائجه الشرعية المقصودة (العلايلي، ۲۰۱۱م). في القانون الوضعي بعض التشريعات الوضعية أخذت بالإكراه باعتباره عيبا من عيوب الإرادة، وجعلت العقد المعيب بالإكراه قابلا للبطلان لمصلحة من أكره على العقد فيكون له الحق في التمسك ببطلان العقد، وفي المقابل إذا لم يُجزه فله الحق في فسخ العقد ومن ثم زواله بأثر رجعي واعتباره كأن لم يكن. ثالثا : الغبن وتأثيره على العقد ا. مفهومه ولا يتصور الغين إلا في عقود المعاوضات المحددة التي يعلم فيها كل متعاقد مقدار ما سيأخذ ومقدار ما سيعطي، ينظر فيه إلى ما بين الأداءات المتقابلة من تفاوت في القيمة المادية المحسوبة على سعر السوق، أو ثمن المثل، إذا تجاوزها التفاوت كان الغين موجودا. الاتجاه الأول: لا يعتد بالغبن مهما كانت جسامته وهذا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل والشافعي، الاتجاه الثاني: يُعتد بالغبن الفاحش في حالات معينة؛ وهي الغبن في مال المحجور، أو مال الوقف، وهذا ما نصت عليه المجلة العدلية في المادة ٣٥٦ التي جاء فيها: إذا وجد غبن فاحش في البيع ولم يوجد تغرير ، فليس للمغبون أن يفسخ البيع، إلا إن وجد الغبن وحده في مال اليتيم لا يصح البيع ومال الوقف وبيت المال، حكمه حكم مال اليتيم". وهذا هو مذهب أبي حنيفة، وهذا هو مذهب الإمام مالك، ولعل اشتراط اقتران الغبن بالغلط الاعتباره عيبا في الإرادة ينطوي على نوع من استغلال عدم خبرة المتعاقد المغبون أو غبائه أو رعونته، بغية الحصول على منفعة أو فائدة تؤدي إلى الإخلال بالتوازن العقدي - عينا من عيوب الإرادة الجمال، الغبن في مجلة الأحكام الشرعية: لم تشترط مجلة الأحكام الشرعية اقتران الغبن بأي عيب آخر من عيوب الإرادة؛ سواء الغلط أو التغرير، كسبب يجيز للمتعاقد المغبون المطالبة بفسخ العقد للغبن، فالمرجع فيه العرف، فما يتعارفه التجار غبنا في العادة يوجب الخيار. أما اليسير الذي لا يخرج عن العادة فلا خيار فيه، كذلك نصت المادة ٤٠٨ منها على: يثبت خيار الغين للركبان إذا تلقاهم حاضر فباع أو اشترى بغين فاحش. ع الغبن في القانون الوضعي: العين الموضوعي القاعدة والاستثناء في العين الموضوعي أو المادي المقصود بالغبن الموضوعي (المادي) هو التفاوت المادي بين البدلين في العقود الملزمة للجانبين، وهو عدم التعادل بين الالتزامات المتقابلة في عقود المعاوضة العلايلي، ۲۰۱۱م، ص ٣٧٤). القاعدة الأصل أن الغبن الموضوعي أو المادي الذي يقتصر النقص فيه على الثمن في عقود المعاوضات أو حتى التفاوت في الالتزامات المتقابلة - لا يعد عيبا في معظم القوانين الوضعية، خاصة أن التسعير الجبري نهى عنه الرسول - عليه الصلاة والسلام - حين غلت الأسعار وطلب الناس إليه أن يسعر لهم، فقال: (إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقِ، وَإِنِّي لأرجو أن أَلْقَى رَبِّي، وبناء عليه، فإن القانون ليس له أن يتدخل بصورة مباشرة من أجل إقامة العدل في العقود. الاستثناء : وعلى سبيل الاستثناء، عدت القوانين الوضعية الغبن الموضوعي عيبا يمنح من وقع فيه الخيار بين الفسخ أو البطلان، العقود التي يكون موضوعها أموال القصر والمحجور عليهم، أو أموال الوقف أو بيت المال. فالربا ما هو إلا نوع من أنواع الغبن. الغبن في بيع العقار: وقد اختلفت القوانين الوضعية في شأن هذه الحالة. الاتجاه الأول: فذهب بعضها إلى إعطاء الحق للبائع للمطالبة بإبطال العقد بسبب الغبن في ثمن العقار، ولم تعط الحق ذاته للمشتري باعتبار أن المشتري لا يضطر إلى الشراء بثمن مرتفع بخلاف من يبيع الذي قد تضطره أوضاع السوق والأوضاع الاقتصادية إلى البيع بسعر بخس أو حتى منخفض، وهذا الجانب من القانون الوضعي لم يشترط أن يكون المغبون بالغا أو قاصرًا، ومن هذه القوانين القانون المدني الفرنسي، والقانون المدني الجزائري الاتجاه الثاني: يتفق هذا الاتجاه من القوانين الحديثة مع الاتجاه الأول في جواز المطالبة بفسخ العقد للغين الموضوعي إن كان محل البيع عقارا، كما يتفق الاتجاهان في اشتراط قصر هذا الحق على البائع دون المشتري، إلا أن هذا الاتجاه يقصر هذا الحق في حالة واحدة وهي إذا كان العقار مملوكا لشخص لا تتوافر فيه الأهلية، بمعنى كان ناقص الأهلية، ه. تقدير الغبن لم يحدد الفقه الإسلامي مقدارًا معينا للغين، وإنما ترك الأمر للعرف، وعلى ذلك نصت مجلة الأحكام الشرعية في مادتها رقم ٤٠٧ التي نصت على: "ليس للغين حد شرعًا فالمرجع فيه العرف . وعلى ذلك جمهور الفقهاء، باستثناء بعض الحنابلة الذين يحددون الغين برقم حسابي ثابت كالثلث أو السدس، وهذا رأي غير مألوف لخروجه عن الرأي المشهور في المذهب العلايلي، ۲۰۱۱م). فيكتفى في الفقه الإسلامي أن يكون الغبن فاحشا، أما إذا كان يسيرا فلا يعتد به. أما القوانين الوضعية، ومن هذه القوانين القانون المدني اللبناني وقانون المعاملات المدنية الإماراتي وغيرهما. ومنها من حدد الغبن برقم معين ثابت كالخمس أو الثلث، وفي هذه الحالة يتم تقدير الغين على أساس قيمة الشيء الحقيقية أو ثمن المثل. 1. أثر الغبن على العقد وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، إذا توافرت حالة من حالات الغين كان لمن وقع فيه الخيار بين أن يفسخ العقد أو يمضيه وعلى ذلك نصت المادة ٤١٣ من مجلة الأحكام الشرعية التي نصت على للمغبون خيار الفسخ والإمساك، وإذا اختار الإمساك لا يستحق أرشا"، كما نصت المادة ٤١٦ منها على: إذا علم المغبون بالغين فرضي، أو تصرف في المبيع تصرفا دالا على الرضا سقط خياره"، وهذا يعني أن استعمال المغبون الخيار الإمساك يُقبل أن يُعبر عنه صراحة أو ضمنا، من خلال اتخاذ موقف معين لا يدع مجالا للشك في نية صاحب الإرادة. أما القوانين الوضعية، ومن هذه القوانين القانون المدني المصري والجزائري والسوري وغيرها. وبعضها الآخر أجاز للمغبون الحق في المطالبة بفسخ العقد إذا كان الغبن فاحشا، ومن هذه القوانين القانون المدني الأردني والإماراتي وغيرهما. ٧- الغبن ذو الطابع النفسي والأخلاقي (الاستغلال): مفهوم الاستغلال: الاستغلال: أمر نفسي لا يُعد الغبن إلا مظهرا ماديا له، فهو عبارة عن استغلال أحد المتعاقدين للعاقد الآخر نتيجة ما يتميز به الأخير من ضعف، ويتضح من ذلك، الفارق الجوهري بين الغين والاستغلال، فالغين مجرد عدم التعادل بين ما يعطيه المتعاقد وما يأخذه، وهو لذلك لا يتطلب بحثا في نفس أي من المتعاقدين، أما الاستغلال، فهو عمل نفسي يمارسه أحد المتعاقدين على المتعاقد الآخر ويكون من نتائجه عدم التعادل في الالتزامات. ويترتب على ذلك بعض أوجه الاختلاف بين الاستغلال والغين؛ ومن أبرزها: أن الغبن لا يمكن أن يتوافر إلا في عقود المعاوضات، ومن الممكن وجوده في عقود المعاوضات. أن الغبن لا يمكن أن يكون إلا في العقود المحددة التي يعرف فيها كل متعاقد مسبقا مقدار ما سيأخذ ومقدار ما سيعطي، أما الاستغلال فيمكن أن يقع في العقود المحددة والعقود المستمرة على حد سواء. عناصر الاستغلال للاستغلال عنصران أحدهما هو العنصر النفسي، العنصر الأول، العنصر النفسي: فالاستغلال يفترض حالة من الضعف لدى المتعاقد المغبون يستغله المتعاقد الآخر،


النص الأصلي

أولا: الإكراه (تعريفه وعناصره)


ا. تعريف الإكراه


عرف الفقه القانوني الإكراه بأنه "ضغط يقع على الشخص تتأثر به إرادته فتولد في نفسه رهبة تدفعه إلى التعاقد" (شرف لدين، ۲۰۰۳م، ص (۱۸۷)، وبالتوسع في تعريف الإكراه يمكن القول بأنه ضغط مادي أو معنوي يقع على شخص فيبعث في نفسه خوفًا، أو رهبة، يحمله على إبرام التصرف القانوني" (العلايلي، ۲۰۱۱م، ص ۲۸٦)، وقد عرفه فقهاء الشريعة الإسلامية بأنه حمل الإنسان على ما يكرهه ولا يريد مباشرته لولا الحمل عليه والوعيد" (حسني، ۱۹۹۳م، ص (۱۵۰) . أما مجلة الأحكام الشرعية، فقد عرفته في مادتها رقم ١٥٤٢ بأنه الإجبار على عمل أو تصرف بواسطة أو سجن أو أخذ مال ونحوه أو بتهديد بشيء من ذلك من قادر عليه. وقد عرفته كذلك المادة ٩٤٨ من المجلة العدلية بأنه إجبار أحد على أن يعمل عملا بغير حق من دون رضاه بالإخافة ويقال له المكره (بفتح الراء)، ويقال لمن أجبر مجبرًا، ولذلك العمل مكرها عليه، وللشيء الموجب للخوف مكره به".


الأساس القانوني لاعتبار الإكراه عيبا من عيوب الإرادة.


تأخذ القوانين الحديثة بمبدأ سلطان الإرادة، الذي يقوم على أساس أن الإرادة حرة تصنع ما تشاء من التصرفات القانونية وتعد الحرية شرطا أساسيا لصحة هذه التصرفات، ولذلك عندما تقرر القوانين الوضعية الحديثة بطلان التصرف بسبب الإكراه فإنما ينظرون بشأن ذلك إلى تعييب إرادة الشخص الواقع تحت تأثير الإكراه وما تولده في نفسه من رهبة تدفعه إلى إبرام التعاقد تجنبا للتهديدات التي تمارس عليه من قبل المكره، بغض النظر عن جسامة أعمال الإكراه أو الوسيلة المستخدمة في ذلك، فالمعيار هنا معيار ذاتي شخصي، وهذا ما أكدته نصوص القوانين المدنية الحديثة كالقانون المدني المصري لعام ١٩٤٨م الذي نص في الفقرة الثالثة من المادة ۱۲۷ على ويراعى في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه هذا الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه" الشرقاوي، ۱۹۹۵م، ص ١٦٢). وعليه، إذا هدد شخص شخصا آخر بتوقيع "السحر" عليه لإيذائه أو ممارسة الحسد عليه، وكان هذا الأخير يعتقد بالسحر أو يؤمن بالحسد فقبل التصرف تحت تأثير الخوف منه - فيعد حينها قد وقع تحت تأثير الخوف الذي عاب إرادته ودفعه إلى التعاقد، ويكون الأمر كذلك حتى ولو كان الشخص العادي لا يعتقد بالسحر أو يُعوّل على الحسد في حياته.


٢. أنواع الإكراه:


للإكراه ثلاثة أنواع:


الأول، الإكراه الملجئ وهو ما يكون التهديد فيه بقتل النفس أو إتلاف عضو من الأعضاء أو ضرب مبرح موجع يهدر الإرادة، ويترتب عليه سلب الإرادة والاختيار " (الزحيلي، ۱۹۹۸م، ص (٦٩)، ويعرف القانون الوضعي هذا النوع من الإكراه بأنه الذي يترتب عليه انتزاع الإرادة فيه؛ كما لو أمسك شخص بيد آخر وأجبره على أن يبصم بإصبعه على عقد ببيع أمواله إليه شرف الدين، ۲۰۰۳م). وحكم هذا النوع من الإكراه؛ سواء في الفقه الإسلامي أو القانوني، هو بطلان العقد بطلانا مطلقا لانعدام الإرادة، وعليه فلا يُعد الإكراه الملجئ عيبا من عيوب الإرادة؛ لأنه لا يعيبها ولكنه يعدمها.


الثاني الإكراه غير الملجئ وهو الذي يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار" (داود، ۲۰۱۱م، ص (۲۳۳)، ويستوي في هذه الحالة الإكراه الملجئ مع غير الملجئ في الحكم؛ إذ يبطل العقد بطلانا مطلقا وهذا قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على خلاف الأحناف (حسني، ۱۹۹۳م).


وعلى هذين النوعين نصت المادة (٩٤٩) من مجلة الأحكام العدلية، حيث جاء فيها: الإكراه على قسمين: القسم الأول: هو الإكراء الملجئ الذي يكون بالضرب الشديد المؤدي إلى إتلاف النفس أو قطع عضو، والثاني: هو الإكراه غير الملجئ الذي يوجب الغم والألم فقط كالضرب غير المبرح والحبس غير المديد.


الثالث الإكراه الذي يعيب الإرادة ولا يعدمها : فتكون الإرادة موجودة لكنها غير مختارة، ويستوي في هذه الحالة أن يكون الإكراه حسيا ؛ أي واقعا على الجسد كالضرب والجرح، أو يكون نفسيا كالتهديد بالإيذاء أو القتل، أو يكون معنويا يمس السمعة والشرف.


. عناصر الإكراه المعيب للإرادة


لكي يعتد بالإكراه كعيب في الإرادة، ومن ثم يجوز لمن وقع عليه الإكراه أن يطالب بفسخ العقد أو بطلانه، توافر عنصرين؛ أحدهما: العنصر المادي المتمثل في استعمال وسائل للإكراه تهدد بخطر محدق والثاني هو العنصر المعنوي الذي يقصد به القصد أو النية للوصول إلى غرض غير مشروع.


العنصر المادي في الإكراه


هو عبارة عن الوسيلة التي تستخدم في الإكراه وما يجب أن تحدثه في نفس المكره من أثر الصده، ١٩٦٠م)، فيجب إذن لقيام هذا العنصر أن يقوم المكره باستخدام وسيلة للإكراه تهدد المكره بخطر جسيم؛ سواء عليه أو على ماله أو على غيره؛ يترتب عليها تولد الرهبة والخشية في نفسه، وهذا يعني أن الإكراه ليس على صورة واحدة وإنما له العديد من الصور المكونة للعنصر المادي فيه؛ وهي على النحو التالي:


. الإكراه الحسي والإكراه النفسي


يعرف الفقه الإكراه الحسي بأنه هو الذي تقع وسيلة الإكراه فيه على جسم المكزه كالضرب والتعذيب، أما الإكراه النفسي فهو الذي تقتصر وسيلته على مجرد التهديد بإلحاق الأذى؛ سواء بالمكره نفسه أو بغيره في الجسم أو النفس أو الشرف أو المال (الصده ١٩٦٠م). والإكراه النفسي هو الأكثر وقوعًا من الناحية العملية، ومن الأمثلة التي يضربها الفقه لذلك: تهديد شخص بالضرب أو الجرح أو تشويه الخلقة، أو تهديده بخطف أحد أبنائه أو قتله، وكذلك يُعد إكراها نفسيا تهديد الشخص بنشر صور فاضحة له أو تشويه سمعته وشرفه، ففي جميع هذه الصور نجد أن الأذى لم يقع بعد وما زال محض تهديد يمارسه المكره على المكره ولا فرق من الناحية القانونية بين كلا النوعين من الإكراء؛ فكلاهما يعيب إرادة المكره ويجعل العقد قابلا للبطلان لمصلحته.


. النفوذ الأدبي:


النفوذ الأدبي يقصد به الخشية الواقعة من صاحب سلطة في نفس المكره، ومن أمثلة النفوذ الأدبي نفوذ الوالدين على أبنائهما، وشوكة الزوج على زوجته، وسلطان الرئيس على مرؤوسه، وتعظيم رجال الدين من قبل المتدينين، وتوقير الأستاذ من قبل التلميذ، فهذه جميعها قد تكون مجرد احترام قد يولد خشية في النفوس، لكنه لا يرقى إلى درجة الإكراه المعيب للإرادة ولا يكفي للمطالبة بإكراه العقد بسببه، غير أنه إذا اقترن ذلك الاحترام والتوفير بوسائل إكراه أخرى كانت هي السبب في بعث الرهبة والخشية في نفس المتعاقد - فيمكن القول بوجود الإكراه في هذه الحالة، ومثال ذلك: تهديد الزوج لزوجته بتطليقها إن لم تقم بالتنازل له عن ملكية بيتها، وتهديد الأب لابنه بالمنع من التعليم إن لم يقم بتطليق زوجته. وفي كل الأحوال، إذا اقتصر الأمر على مجرد النفوذ الأدبي وكان من شأن هذا النفوذ أن يدفع الشخص إلى إبرام عقد ما كان ليبرمه لولا تأثره بذلك النفوذ وخشيته من صاحبه - جاز له المطالبة بإبطال العقد أو فسخه بحسب الأحوال للإكراه الصده، ١٩٦٠م).


. اشتراط الرهبة في نفس المكره لقيام حالة الإكراه


لكي يكتمل العنصر المادي في الإكراه، لا بد من أن تولد الوسائل المستخدمة فيه الخشية أو الرهبة في نفس المكره؛ فالعبرة ليست بجسامة وسائل الإكراه وإنما بالرهبة التي تولدها في نفس المكره، فيجب لذلك أن يشعر المكره بأن خطرًا جسيما وشيك الوقوع يهدده في نفسه أو جسده أو ماله أو نفس الغير أو جسده أو ماله، والعبرة بجسامة الرهبة لا جسامة الوسائل المستخدمة في الإكراه، فالمعيار ذاتي كما أسلفنا، فالإنسان الساذج قد يخشى أشياء يسخر منها الإنسان العادي، وكذلك المرأة بطبيعتها الخلقية قد تخشى أمورًا يراها الرجل عادية، بالإضافة إلى أنه يتم مراعاة الظروف المحيطة في تقدير جسامة الرهبة المتولدة في نفس المكره، كظرف الليل، ومكان التهديد، وكلها أمور تخضع لتقدير قاضي الموضوع. ولا يشترط أن يكون الخطر الجسيم المحدق واقعا على الشخص نفسه أو ماله أو عرضه، وإنما يمكن أن يكون وشيك الوقوع على الغير، ويستوي في هذه الحالة أن يكون هذا الغير بينه وبين المكزه صلة قرابة من عدمه فكما يقولون "رب" أخ لك لم تلده أمك"، غير أنه إذا كان الخطر يهدد الغير من ذوي القربي كالزوج والأصول والفروع قامت قرينة على وجود الإكراه، أما إذا كان الإكراه واقعا على غير ذوي القربى ففي هذه الحالة يشترط للمطالبة بإبطال العقد للإكراه أو حتى فسخه إثبات أن الخطر الذي هدد هذا الغير ولد رهبة وخشية في نفس المتعاقد مما دفعه إلى التعاقد.


العنصر المعنوي في الإكراه


ويقصد بالعنصر المعنوي هنا، اتجاه إرادة المكره إلى تحقيق غرض غير مشروع من خلال استخدام وسائل الإكراه، ويستوي هنا أن تكون وسائل الإكراه المستخدمة وسائل مشروعة أو غير مشروعة، وبناء عليه لا يُعد إكراها ما أراد المكره من خلاله تحقيق مصلحة أو غرض مشروع حتى ولو كانت الوسيلة المستخدمة غير مشروعة، ولذلك فنحن أمام فرضيات أربع لا خامس لها :


الفرضية الأولى استخدام وسائل غير مشروعة لتحقيق أغراض غير مشروعة، وهذا يُعد إكراها معيبًا للإرادة، ومثالها : أن يهدد شخص آخر بحرق بيته إن لم يبرم معه العقد.


الفرضية الثانية: استخدام وسائل مشروعة لتحقيق أغراض غير مشروعة، وهذا أيضًا يُعد إكراها معيبًا للإرادة، ومثالها : أن يهدد الدائن مدينه بالمطالبة القضائية بالدين إن لم يقم بزيادة مبلغ الدين.


الفرضية الثالثة: استخدام وسائل مشروعة لتحقيق أغراض مشروعة، فهذا لا يُعد إكراها معيبًا للإرادة، ومثالها : أن يهدد الدائن مدينه بشهر إفلاسه إن لم يقم بسداد الدين في موعده.


الفرضية الرابعة: استخدام وسائل غير مشروعة لتحقيق أغراض مشروعة، فهذا لا يُعد إكراها أيضًا ما لم تكن الوسائل غير المشروعة تشكل جريمة جنائية، ومثال الإكراه الذي يشكل جريمة جنائية أن يهدد الدائن مدينه بخطف ابنه إن لم يقم بسداد الدين في موعده.


ا. شروط الإكراه:


إذا ما توافر في الإكراه عنصراه المادي والمعنوي على النحو الذي عرضنا له في المحاضرة الأولى من هذه الوحدة، فإن الإكراه يكون قائما ومعيبا للإرادة إذا توافرت شروطه، إذ يشترط أن تكون الرهبة هي التي دفعت المكره إلى التعاقد الشرط الأول)، وأن يكون الإكراه صادرا من المتعاقد الآخر أو أن يكون على علم به الشرط الثاني، بالإضافة إلى أنه يجب أن يكون المكره قادرا على تحقيق تهديده وتنفيذه (الشرط الثالث)، ويشترط أخيرا أن يغلب على ظن المستكره تنفيذ المكره لتهديده (الشرط الرابع).


الشرط الأول: أن تكون الرهبة المتولدة عن الإكراه هي التي دفعت المكره إلى التعاقد :


ذكرنا سابقا أن الذي يعيب الإرادة في الإكراه ليس وسائل الإكراه المستعملة للضغط على إرادة المتعاقد الآخر، وإنما ما تولده تلك الوسائل من رهبة في نفس المكره تدفعه إلى التعاقد رغما عنه خشية التخلص من التهديد أو الخطر المحدق الذي سيلحق به إن لم يقم بإبرام العقد. شرف الدين (۲۰۰۳م).


وبناء عليه، لا يجوز المطالبة ببطلان العقد أو فسخه إلا إذا كان المكره قد تعاقد تحت سلطان أو تأثير هذه الرهبة، وهذه هي المسألة الجوهرية في العقد. (الصده، (١٩٦٠م) وكما ذكرنا سابقا، المعيار في تقدير ما إذا كانت الوسائل المستعملة في الإكراه تولد الرهبة من عدمه في نفس المكره معيار ذاتي يختلف من شخص إلى آخر، بحسب الجنس والسن والحالة الصحية والحالة الاجتماعية وأي ظروف أخرى قد تؤثر في جسامة الإكراه.


ولا يشترط للطعن بإبطال العقد أو فسخه بسبب الإكراه أن يكون الخطر أو الأذى المهدد به قد وقع بالفعل؛ بل يكفي أن يكون مجرد تهديد بوقوع أذى وشيك بالشخص المكره، فالعبرة بالخوف والرهبة التي يوقعها التهديد في نفس المكره وليس بوقوع الخطر المهدد به فعلا.


وعليه، فإن إعمال هذا الشرط يتجاهل بعض التوجهات الفقهية التي تؤسس بطلان العقد للإكراه على أساس الخطأ الواقع من المكره الذي يمارس وسائل الإكراه للوصول إلى غرض غير مشروع، إذ لا ينظر إلى جسامة الوسائل المستخدمة في الإكراه ولا إلى مشروعيتها من عدمه، وإنما العبرة بالغرض أو الغاية التي يسعى من يمارس تلك الوسائل إلى الوصول إليها، والتي يجب أن تكون كما أسلفنا غير مشروعة، فإذا كانت الرهبة والخوف الذي ولدته وسائل التهديد في نفس المكره هي التي دفعته إلى التعاقد فيمكن القول هنا بوجود عيب الإكراه، لكن شريطة أن يكون الإكراه صادرا من المتعاقد الآخر أو على الأقل على علم به، وهذا ما نعالجه في الشرط الثاني من شروط الإكراه.


الشرط الثاني: اتصال الإكراه بالمتعاقد الآخر سواء كان صادرا عنه أو كان على علم به


بعض القوانين الوضعية القديمة كانت تفرق بين الإكراه الواقع من المتعاقد نفسه والإكراه الواقع من الغير على علم من المتعاقد الآخر، فكانت تجعل العقد قابلا للبطلان في الحالة الأولى، ولا يُعد كذلك في الحالة الثانية، غير أن تلك القوانين عدلت عن هذا التوجه وأصبح يمكن للمكزه المطالبة بإبطال العقد؛ سواء كان الإكراه صادرا من المتعاقد الآخر أو كان صادرًا من الغير شريطة أن يكون على علم من المتعاقد الآخر أو كان من المفروض حتمًا أن يعلم به.


وهذا الشرط يقتضيه مبدأ حسن النية، إذ لا يجوز المطالبة ببطلان العقد بسبب الإكراه الواقع من الغير إذا كان المتعاقد المستفيد من الإكراه لا يعلم به أو لم يكن من المفترض به أن يعلم، فلو تم إبطال العقد رغم ذلك لوجب له التعويض، وخير تعويض له بقاء العقد صحيحًا، وليس أمام من وقع عليه الإكراه سوى الرجوع على الغير الذي مارس عليه الإكراه بالتعويض على أساس المسؤولية التقصيرية.


وينتقد الفقه اشتراط أن يكون الإكراه الصادر من الغير متصلا بالمتعاقد الآخر أو كان على علم به، إذ من شأن ذلك أن يجعل شروط عيب الإرادة لازمة في إرادة أخرى غير الإرادة المعيبة، وذلك من خلال اشتراط علم المتعاقد الآخر الذي لم يقع عليه الإكراه بالإكراه، وكان من الأولى النظر فقط إلى إرادة الطرف الواقع عليه الإكراه وليس إلى أي إرادة أخرى سواها. وقد عدلت العديد من القوانين الوضعية عن هذا الشرط كالقانون المدني الفرنسي الصادر عام ١٨٠٤م الذي أصبح يأخذ بالإكراه كعيب للإرادة حتى ولو كان صادرًا من الغير ولم يشترط علم المتعاقد مع المكره بذلك.


هل يقوم الإكراه في حالة الضرورة؟


يراد بحالة الضرورة هنا أن ظروفا تتهيأ مصادفة فيستغلها المتعاقد للضغط على إرادة المتعاقد الآخر وحمله على التعاقد، ومثالها : أن يحترق منزل وفي داخله زوجة الرجل وأبناؤه فيطلب المنقذ مبلغا كبيرا من المال مقابل إنقاذهم، مما يضطر الأول إلى الموافقة تحت وطأة حالة الضرورة.


وفي هذه الحالة، ثمة خلاف فقهي:


الرأي الأول: فذهب البعض إلى القول بعدم قيام الإكراه كعيب في الإرادة هنا، ومن ثم لا موجب لإبطال العقد بسبب الإكراه. وسندهم في ذلك، أن وسيلة الإكراه يجب أن يهيئها ويرتب لها شخص لإجبار المتعاقد الآخر على التعاقد دون إرادته، فإذا ما تهيأت تلك الظروف مصادقة فاستغلها أحدهم، فلا يُعد ذلك إكراها معينا للإرادة.


الرأي الثاني: يرى جانب آخر من الفقه أن الإكراه يتحقق في مثل هذه الصورة، إلا أنهم اختلفوا في تحديد طبيعته القانونية؛ ما إذا كان إكراها يترتب عليه انعدام الإرادة ومن ثم بطلان العقد، أم أن الإرادة موجودة وما الإكراه هنا سوى عيب جعل من العقد قابلا للبطلان وقد استقر القضاء في فرنسا على الأخذ بالرأي الثاني باعتبار أن الرضا لم يصدر مختارا، وإنما تم انتزاعه من صاحبه كرها، ولا يمنع من ذلك كون الأخطار التي تهدد المكره أخطارًا خارجية غير صادرة عن المكره ما دام هذا الأخير قد استغلها للضغط على إرادة المكزه وحمله على التعاقد الصده، ١٩٦٠م، ص ٢١٦).


الشرط الثالث: أن يكون المكره قادرًا على تحقيق تهديده


وهذا الشرط لم تأخذ به العديد من القوانين الوضعية، إلا أن القوانين ذات الأصول الإسلامية أخذت به تطبيقا لأحكام الشريعة الإسلامية فاشترط أبو حنيفة لاعتبار الإكراء أن يكون صادرا عن ذي سلطان؛ لأن غير السلطان لا يتمكن من تحقيق ما هدد به؛ لأن المستكره بإمكانه أن يفزع إلى السلطان ويستجير به في هذا الشأن، وهذا على خلاف ما أخذ به باقي الأئمة الذين يرون أن الإكراه يتحقق؛ سواء صدر من السلطان أو غيره (داود، ۲۰۱۱م).


الشرط الرابع: أن يغلب على ظن المستكره تنفيذ المكره ما هدد به


ويكفي لتحقق هذا الشرط أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سيوقع عليه التهديد ويلحق به الأذى الذي يتعهده به، إذ لا يشترط التأكد والقطع في هذه الحالة، فإذا ظن المتعاقد المستكره، وغلب على أكثر ظنه أنه إن لم يستجب إلى ما دعي إليه فإن المكره سينفذ ما توعده به كالزوجة التي يتوعدها زوجها بالطلاق إن لم توقع له على عقد بيع بيتها إليه، وكان قد طلقها قبلها مرتين فيغلب على ظنها أنه سينفذ تهديده إن لم تنفذ له ما يريد.


٢- جزاء الإكراه


يختلف حكم الإكراه في القانون الوضعي عنه في الفقه الإسلامي:


في الفقه الإسلامي: ذهب الفقه الشافعي والحنبلي والظاهري إلى اعتبار الإكراه بمثابة عيب يعدم الرضا وليس مجرد تعييبه، ومن ثم يؤدي إلى بطلان العقد من أصله وعدم انعقاده. أما أنصار الإمام أبي حنيفة والفقه المالكي، فينظرون إلى الإكراه بأنه مجرد سبب يعيب الإرادة ولا يعدمها، ومن ثم يترتب عليه توقف العقد وعدم ترتيب نتائجه الشرعية المقصودة (العلايلي، ۲۰۱۱م).


في القانون الوضعي بعض التشريعات الوضعية أخذت بالإكراه باعتباره عيبا من عيوب الإرادة، وجعلت العقد المعيب بالإكراه قابلا للبطلان لمصلحة من أكره على العقد فيكون له الحق في التمسك ببطلان العقد، فإذا قُضِي ببطلانه زال بأثر رجعي وزالت معه الآثار القانونية كافة المترتبة عليه، وفي المقابل له الحق في إجازته فيستقر العقد بصورته النهائية. أما البعض الآخر من التشريعات التي تستمد أحكامها من الفقه الإسلامي، فتأثرت بما أخذ به فقهاء الشريعة الإسلامية فجعلت العقد موقوفا على إرادة المكره، فإن أجازه نفذ في مواجهته وترتبت جميع آثاره، وفي المقابل إذا لم يُجزه فله الحق في فسخ العقد ومن ثم زواله بأثر رجعي واعتباره كأن لم يكن.


ثالثا : الغبن وتأثيره على العقد


ا. مفهومه


الغين هو عدم التعادل بين ما يعطيه العاقد وما يأخذه، ولا يتصور الغين إلا في عقود المعاوضات المحددة التي يعلم فيها كل متعاقد مقدار ما سيأخذ ومقدار ما سيعطي، ولا يمكن تصوره في عقود التبرعات؛ لأن المتعاقد فيها يعطي ولا يأخذ. ومعيار الغبن معيار مادي، ينظر فيه إلى ما بين الأداءات المتقابلة من تفاوت في القيمة المادية المحسوبة على سعر السوق، أو ثمن المثل، ولذلك يقدر المشرع عادة مقدار الغبن بنسبة معينة، إذا تجاوزها التفاوت كان الغين موجودا.
٢. موقف الفقه الإسلامي من الغبن


للفقه الإسلامي في هذا الصدد ثلاثة اتجاهات متباينة


الاتجاه الأول: لا يعتد بالغبن مهما كانت جسامته وهذا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل والشافعي، والظاهر في مذهب الإمام أبي حنيفة" الجمال، ۱۹۹۹م، ص (۱۷٥)


الاتجاه الثاني: يُعتد بالغبن الفاحش في حالات معينة؛ وهي الغبن في مال المحجور، أو مال الوقف، أو بيت المال، وهذا ما نصت عليه المجلة العدلية في المادة ٣٥٦ التي جاء فيها: إذا وجد غبن فاحش في البيع ولم يوجد تغرير ، فليس للمغبون أن يفسخ البيع، إلا إن وجد الغبن وحده في مال اليتيم لا يصح البيع ومال الوقف وبيت المال، حكمه حكم مال اليتيم". وهذا هو مذهب أبي حنيفة، وعنه أخذت مجلة الأحكام العدلية.


الاتجاه الثالث: يُعتد بالغين إذا صحبه الغلط ولو لم يصحبه التغرير، وهذا هو مذهب الإمام مالك، ولعل اشتراط اقتران الغبن بالغلط الاعتباره عيبا في الإرادة ينطوي على نوع من استغلال عدم خبرة المتعاقد المغبون أو غبائه أو رعونته، وهذا الأمر هو الذي أعطى للفقه الإسلامي فرصة جديدة للتواصل مع الفقه المعاصر الذي يجعل من استغلال أحد المتعاقدين، لضعف في المتعاقد الآخر، بغية الحصول على منفعة أو فائدة تؤدي إلى الإخلال بالتوازن العقدي - عينا من عيوب الإرادة الجمال، (۱۹۹۹م).


.. الغبن في مجلة الأحكام الشرعية:


لم تشترط مجلة الأحكام الشرعية اقتران الغبن بأي عيب آخر من عيوب الإرادة؛ سواء الغلط أو التغرير، وإنما اكتفت به وحده، إن كان فاحشا، كسبب يجيز للمتعاقد المغبون المطالبة بفسخ العقد للغبن، واستبعدت من ذلك النطاق ما كان يسيرًا منه، فنصت في المادة ٤٠٧ على ليس للغين حد شرعا، فالمرجع فيه العرف، فما يتعارفه التجار غبنا في العادة يوجب الخيار. أما اليسير الذي لا يخرج عن العادة فلا خيار فيه، كذلك نصت المادة ٤٠٨ منها على: يثبت خيار الغين للركبان إذا تلقاهم حاضر فباع أو اشترى بغين فاحش.


ع الغبن في القانون الوضعي:


العين الموضوعي القاعدة والاستثناء في العين الموضوعي أو المادي


المقصود بالغبن الموضوعي (المادي) هو التفاوت المادي بين البدلين في العقود الملزمة للجانبين، وهو عدم التعادل بين الالتزامات المتقابلة في عقود المعاوضة العلايلي، ۲۰۱۱م، ص ٣٧٤).


القاعدة الأصل أن الغبن الموضوعي أو المادي الذي يقتصر النقص فيه على الثمن في عقود المعاوضات أو حتى التفاوت في الالتزامات المتقابلة - لا يعد عيبا في معظم القوانين الوضعية، خاصة أن التسعير الجبري نهى عنه الرسول - عليه الصلاة والسلام - حين غلت الأسعار وطلب الناس إليه أن يسعر لهم، فقال: (إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقِ، وَإِنِّي لأرجو أن أَلْقَى رَبِّي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ في دم ولا مال) (أخرجه الترمذي). وبناء عليه، فإن القانون ليس له أن يتدخل بصورة مباشرة من أجل إقامة العدل في العقود.


الاستثناء : وعلى سبيل الاستثناء، عدت القوانين الوضعية الغبن الموضوعي عيبا يمنح من وقع فيه الخيار بين الفسخ أو البطلان، وإجازة العقد؛ ومن هذه الاستثناءات


. العقود التي يكون موضوعها أموال القصر والمحجور عليهم، أو أموال الوقف أو بيت المال.


. العقود الربوية في الفقه الإسلامي، فالربا ما هو إلا نوع من أنواع الغبن.


. الغبن في بيع العقار: وقد اختلفت القوانين الوضعية في شأن هذه الحالة.


الاتجاه الأول: فذهب بعضها إلى إعطاء الحق للبائع للمطالبة بإبطال العقد بسبب الغبن في ثمن العقار، ولم تعط الحق ذاته للمشتري باعتبار أن المشتري لا يضطر إلى الشراء بثمن مرتفع بخلاف من يبيع الذي قد تضطره أوضاع السوق والأوضاع الاقتصادية إلى البيع بسعر بخس أو حتى منخفض، وهذا الجانب من القانون الوضعي لم يشترط أن يكون المغبون بالغا أو قاصرًا، فالحماية مقررة له على الإطلاق؛ ومن هذه القوانين القانون المدني الفرنسي، والقانون المدني الجزائري


الاتجاه الثاني: يتفق هذا الاتجاه من القوانين الحديثة مع الاتجاه الأول في جواز المطالبة بفسخ العقد للغين الموضوعي إن كان محل البيع عقارا، كما يتفق الاتجاهان في اشتراط قصر هذا الحق على البائع دون المشتري، إلا أن هذا الاتجاه يقصر هذا الحق في حالة واحدة وهي إذا كان العقار مملوكا لشخص لا تتوافر فيه الأهلية، بمعنى كان ناقص الأهلية، وهذا هو التوجه الغالب في القوانين الوضعية، إذ تأخذ به كل القوانين ما عدا القانون المدني الفرنسي والقانون المدني الجزائري


ه. تقدير الغبن


لم يحدد الفقه الإسلامي مقدارًا معينا للغين، وإنما ترك الأمر للعرف، وعلى ذلك نصت مجلة الأحكام الشرعية في مادتها رقم ٤٠٧ التي نصت على: "ليس للغين حد شرعًا فالمرجع فيه العرف ......، وعلى ذلك جمهور الفقهاء، باستثناء بعض الحنابلة الذين يحددون الغين برقم حسابي ثابت كالثلث أو السدس، وهذا رأي غير مألوف لخروجه عن الرأي المشهور في المذهب العلايلي، ۲۰۱۱م). وعليه، فيكتفى في الفقه الإسلامي أن يكون الغبن فاحشا، أما إذا كان يسيرا فلا يعتد به.


أما القوانين الوضعية، فمنها من حذا حذو الفقه الإسلامي ولم يحدد الغبن برقم ثابت وإنما ترك تحديده لقاضي الموضوع بحسب كل حالة على حدة؛ ومن هذه القوانين القانون المدني اللبناني وقانون المعاملات المدنية الإماراتي وغيرهما. ومنها من حدد الغبن برقم معين ثابت كالخمس أو الثلث، ومن هذه القوانين القانون المدني المصري والجزائري والسوري وغيرها، وفي هذه الحالة يتم تقدير الغين على أساس قيمة الشيء الحقيقية أو ثمن المثل.



  1. أثر الغبن على العقد


وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، إذا توافرت حالة من حالات الغين كان لمن وقع فيه الخيار بين أن يفسخ العقد أو يمضيه وعلى ذلك نصت المادة ٤١٣ من مجلة الأحكام الشرعية التي نصت على للمغبون خيار الفسخ والإمساك، وإذا اختار الإمساك لا يستحق أرشا"، كما نصت المادة ٤١٦ منها على: إذا علم المغبون بالغين فرضي، أو تصرف في المبيع تصرفا دالا على الرضا سقط خياره"، وهذا يعني أن استعمال المغبون الخيار الإمساك يُقبل أن يُعبر عنه صراحة أو ضمنا، من خلال اتخاذ موقف معين لا يدع مجالا للشك في نية صاحب الإرادة.


أما القوانين الوضعية، فبعضها لم يعط المغبون خيار الفسخ وإنما قصر حقه على استكمال الثمن إلى الحد المنصوص عليه في القانون الرفع الغبن؛ ومن هذه القوانين القانون المدني المصري والجزائري والسوري وغيرها. وبعضها الآخر أجاز للمغبون الحق في المطالبة بفسخ العقد إذا كان الغبن فاحشا، وهو مسلك الفقه الإسلامي ذاته كما قدمنا؛ ومن هذه القوانين القانون المدني الأردني والإماراتي وغيرهما.


٧- الغبن ذو الطابع النفسي والأخلاقي (الاستغلال):


مفهوم الاستغلال:


الاستغلال: أمر نفسي لا يُعد الغبن إلا مظهرا ماديا له، فهو عبارة عن استغلال أحد المتعاقدين للعاقد الآخر نتيجة ما يتميز به الأخير من ضعف، بهدف الحصول على مزايا لا تقابلها منفعة للطرف الواقع عليه الاستغلال.


ويتضح من ذلك، الفارق الجوهري بين الغين والاستغلال، فالغين مجرد عدم التعادل بين ما يعطيه المتعاقد وما يأخذه، وهو لذلك لا يتطلب بحثا في نفس أي من المتعاقدين، أما الاستغلال، فهو عمل نفسي يمارسه أحد المتعاقدين على المتعاقد الآخر ويكون من نتائجه عدم التعادل في الالتزامات.


ويترتب على ذلك بعض أوجه الاختلاف بين الاستغلال والغين؛ ومن أبرزها:


. أن الغبن لا يمكن أن يتوافر إلا في عقود المعاوضات، أما الاستغلال فغالبا ما يوجد في عقود التبرعات، ومن الممكن وجوده في عقود المعاوضات.


. أن الغبن لا يمكن أن يكون إلا في العقود المحددة التي يعرف فيها كل متعاقد مسبقا مقدار ما سيأخذ ومقدار ما سيعطي، أما الاستغلال فيمكن أن يقع في العقود المحددة والعقود المستمرة على حد سواء.


عناصر الاستغلال


للاستغلال عنصران أحدهما هو العنصر النفسي، والآخر العنصر المادي:


العنصر الأول، العنصر النفسي: فالاستغلال يفترض حالة من الضعف لدى المتعاقد المغبون يستغله المتعاقد الآخر، وقد حددت القوانين الوضعية صور هذا الضعف في صورتين وردتا على سبيل الحصر؛ وهما: الطيش البين، والهوى الجامح. ويبدو من خلال هذه الصور حرص المشرع على عدم التوسع في تطبيق الاستغلال، ولذلك قيد الطيش بشرط أن يكون بينا، والهوى أن يكون جامخا، وبمفهوم المخالفة إذا لم يكن الطيش بينا والهوى جامحا، فلا يجوز الادعاء بوجود الاستغلال.


الطيش: ويقصد بالطيش الإقدام على العمل دون اكتراث بنتائجه أيا كان سبب هذه الحالة، ويستوي أن تكون ناشئة عن طبيعة الشخص ذاته كأن يكون أرعن ومتسرعًا، أو كانت ناشئة عن ظرف عارض يمر به كلحظة من لحظات اليأس والاستفزاز والتحدي.


الهوى: أما الهوى، فيقصد به الرغبة التي تتسلط على الشخص فتجعله يتعلق بشخص آخر أو أمر ما تعلقا يفقده سلامة الحكم على هذا الشخص أو الأمر. ويضرب الفقه على ذلك مثلا تقليديا بذلك الشيخ الكبير الذي يتزوج بامرأة شابة فتستغل ولهه بها في إقناعه بأن يبيع أو يهب لها ماله أو جزءا من ماله الجمال (۱۹۹۹م). ولكي يمكن الطعن بالاستغلال، لا بد أن يكون المتعاقد الآخر على علم بهذا الطيش أو الهوى في المتعاقد معه، وأن يكون قد استغل ذلك الضعف لمصلحته وتحقيق منافعه ومصالحه الشخصية.


العنصر الثاني العنصر المادي فلا بد أن يقترن الاستغلال بغين يتمثل في عدم التناسب بين ما حصل عليه المتعاقد الضعيف وما أعطاه، ولا بد في هذه الحالة أن يكون الغين فاحشاء أما إذا كان يسيرا فلا يتم النظر إليه لإبطال التصرف، والأمر متروك لتقدير القاضي فهو الذي يحدد ما إذا كان الغبن يسيرًا أو جسيما بحسب كل حالة على حدة.


أثر الاستغلال على العقد:


للمتعاقد المستغل إذا ما اقترن الاستغلال بغبن فاحش أن يطلب بطلان العقد، والبطلان هنا مقرر لمصلحته وحده، وله أيضا أن يطالب بتصحيح العقد من خلال إنقاص التزاماته إلى الحد الذي يرفع ما ألم به من غبن؛ بل وفي بعض الأحيان تجيز التشريعات الوضعية للقاضي الذي ينظر دعوى البطلان أو الفسخ أن يرفض البطلان ويقضي بالتصحيح، وذلك إذا ما تبين له تعسف الطرف المستغل في التمسك بالبطلان، غير أنه يجب أن نلاحظ أن التصحيح لا يكون إلا من خلال إنقاص التزامات الطرف المستغل، ولا يجوز أن يكون من خلال زيادة التزامات الطرف الآخر ؛ وذلك لأن الزيادة قد تؤذي هذا الطرف، الأمر الذي يدفعه إلى اختيار التحلل من العقد، ولا يجوز للقاضي إذا طلب المغبون تصحيح العقد أن يقضي هو من تلقاء نفسه بالبطلان وإلا يكون قد قضى بما لم يطلبه الخصم.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

نصنع الموضة بشغ...

نصنع الموضة بشغف وتفاصيل لا تُنسى. "𝙉𝙞𝙣𝙟𝙖 𝙎𝙩𝙤𝙧𝙚" ليس مجرد براند ملابس، بل هو وجهتك الأولى للأزياء ال...

تقرير اليوم الث...

تقرير اليوم الثالث من الدورة الوطنية لتكوين الأساتذة في برنامج دعم التعلمات الأساس مقدمة خصص اليوم ا...

Aim: To underst...

Aim: To understand the importance of insulin adherence and factors affecting patients’ use of insuli...

* كيف اسوي rout...

* كيف اسوي route لل domain بحيث افعل تحديثات ثم احوله على موقعي وهكذا * لتحقيق ذلك، أفضل طريقة هي ا...

تــعلّق الــشعب...

تــعلّق الــشعب الــجزائري بالحرية : إذا كان الأحرار في كل الشعوب المستعمرة قد تغنوا بالحرية ...

The competition...

The competition section of the business plan aims to show who you are competing with, and why the be...

قُتل شاب، الثلا...

قُتل شاب، الثلاثاء، برصاص مجهولين في مدينة إب، وسط اليمن، في حادثة جديدة تعكس تصاعد حالة الانفلات ال...

إن معنى الحياة ...

إن معنى الحياة الأبدية، هذا يظهر جليا في الفصل الذي يتحدث عن قيامة لعازر من آمن بي وإن مات، فسيحيا، ...

استناداً إلى كت...

استناداً إلى كتاب السيد محافظ حمص رقم 4128/ط تاريخ 31/12/2025 وحاشيتكم المسطرة عليه بتكليفي بإجراء ا...

Side panel Sayl...

Side panel Saylor University History of Psychology Back to '1.2: History of Psychology\' Completion...

شهدت الأبحاث ال...

شهدت الأبحاث الطبية والنفسية في السنوات الأخيرة زيادة في الاهتمام بالأمراض المزمنة، بسبب ما تسببه من...

محادثة مع Gemin...

محادثة مع Gemini اريد الاجابة المنطقية والواقعية لديوان المحاسبة الاردني الوحدة 3: كيف يمكن لمدقق في...