كنت مع عائلتي البسيطة المكونة من خمسة أشخاص. أنا وأخوتي الاثنين وأمي وأبي كنا عائلة سعيدة إلى حدٍ ما. كانت أمي في المطبخ تحضر الفطور لأن علينا الذهاب إلى المدرسة. كان أبي جالسًا بجانبي أنا وأخوتي، يحدق بي ويقول: "كيف حال واجباتك؟" أجيبِه جوابًا اعتياديًا: "إنها بخير". نهضتُ لعند أمي وأخبرتها بأن تُعد لي بيضًا على شكل عيون لأني أحبه، وعدتُ إلى جانب أبي واصلنا حديثنا عن المدرسة والواجبات. يقطع حديثنا صوتٌ مرعب، كأنه صوت صفير قوي إلى درجة هائلة. كان ذلك صاروخًا في مدينة إدلب. وجدتُ نفسي تحت والدي وهو يضمنا أنا وأخوتي ويحاول حمايتنا. كان الغبار والدمار في كل مكان. أصرخ بصوت عالٍ: "أمي، أمي لا تجيب. نهض والدي بعد عدة دقائق ليرى أمي أين هي وماذا حصل معها. ردي علي يا حنان!". نعم، أمي ملقاة على الأرض ودمها يغرقها. انهرتُ من البكاء على أمي: "أين ذهبتِ يا أمي وتركتِ طفلًا لم يتجاوز عمره ثلاثة عشر عامًا؟" يصارع هذه الحياة من بعد رحيل أمي. بعد سنة، لم أكن أدري ماذا أصابه. كرهته إلى درجة مرعبة. كنتُ أبغضه. كان والدي من الناس الميسورين الحال. في يوم من الأيام، كنا أنا وأصدقائي نلعب في ساحة المدينة، ويمر حينها شاب لم يتجاوز السابعة عشر عامًا يركب سيارة فارهة باهظة الثمن. سمعتُ أصدقائي يقولون: "لولا أبوه لما امتلك هذه السيارة". ظلت هذه الجملة البسيطة على بالي، لكنني كنتُ أراها بمنظور آخر. أنا لا أريد أن أكون تحت اسم والدي القاسي، ويقولون: "لولا أبوه لما كان ضياء يملك شيئًا". بعد أسبوع من تلك الجملة التي كانت لا تفارق ذهني، لكنه وافق. بدأتُ رحلتي في هذه الحياة القاسية لتكوين ذاتي المستقلة عن أي أحد. مضت الأيام وأنا أتعلم بسرعة كبيرة، وفي خلال ثلاثة أشهر أصبحتُ متقنًا عملي. مع أن زملائي في العمل الذين يعملون في نفس المكان منذ سنتين لا يعرفون بقدري، فأنا كنتُ سريع التعلم. طلبتُ أجرًا إضافيًا فرفض أن يعطيني بحجة أنني لم أتقن العمل بعد، على عكس رأي زملائي الذين كانوا يروني متقن العمل جيدًا. استقلتُ فورًا ورفضتُ أن أكمل. سألني والدي بقسوة وصراخ لماذا فعلتُ هذا. كان ينهال عليّ بالضرب المبرح. أنا أصبحتُ رجلًا. لم أكن أنا الأكبر، فقد كان أخي خالد هو الأكبر. إلا أنا لم أكن خاضعًا. وهذا ما كان يزيدُ الحال سوءًا. أتي الأسبوع التالي وأنا بدأتُ بعمل جديد في ميكانيك السيارات. كانت صعبة جدًا على شاب صغير. وهذا ما كان يميزني عن غيري. في يوم من الأيام، ذهبتُ إلى العمل بعد أن انتهتْ مدرستي، وكنتُ أدرس وأعمل في نفس الوقت. فقال لي: "ما هذه الحلاقة الشنيعة؟" صرختُ في وجهه قائلاً: "وأنْتَ ما شأنك في حلاقتي؟" قال: "أنا هنا أتدخل في كل شيء لا يعجبني". أنا لم أكن أحبه، ولكن أنا كان يجب عليّ أن أكون رجلًا يصرف على نفسه ولا يحتاج أحدًا. وبدأ بشتم البنطال وشتمني. لأني اعتدتُ أن من يعتدي عليّ أعتدي عليه. ونقول في سوريا: "ما برميها واطية لحدا"، أي بمعنى لا أجعل أحدًا يعتدي عليّ ولا أفعل شيئًا. وفور دخولي، هذه المرة في كهرباء المنزل. وبعد فترة قصيرة أصبحتُ ماهرًا في مجالي. وبعد عدة سنوات من المجالات والخبرات، قررتُ أن أفتح مشروعي الصغير: مكان لتصليح الأدوات الكهربائية. ظننتُ حينها أنني قد جمعتُ خبرات كافية تؤهلني لكي أفتح مشروعي. لم أكن أدرك أن المرء يبقى جاهلاً كل ما ظن أنه يعلم. فشل. كان الناس يقولون لي: "لماذا لا تطلب من والدك أن يساعدك؟". وإن كانت جبالًا فوقي". فشل المشروع وأغلقتُ المحل الصغير. مع أن هذا الأمر لا يرضيني. إلى تاريخ 1/12/2018 كان في ذلك اليوم أخبرني والدي أن المنزل بحاجة إلى صيانة كهربائية. فقال: "لم لا؟". إلى الساعة الواحدة ظهرًا، إذ يرده اتصال مفاجئ لأبي من عمي قائلاً بأن أخي الكبير خالد في المستشفى. ذهب أبي مسرعًا ليجهز نفسه للذهاب إلى مدينة (سرمدا). ذهب أبي وجلسنا قليلاً لكي نرتاح من العمل. لم أكن متفاجئًا أن أخي في المستشفى لأنه كان كثير الذهاب إليه وكان أمرًا اعتياديًا بالنسبة لي. مضت ساعة وحان وقت أن أعود إلى العمل. لا الرجل الذي يعمل معي ولا الصبي الذي يساعدنا. خرجت إلى الشارع وإذ بي بين حشد من الناس. رأيت أبي قادمًا من بعيد في السيارة مسرعًا. حينها أدركت أنه حصل شيء لأخي. لا أحد يجيبني وأنا أسأل الناس. انهرت بالبكاء وأقدامي لم تعد تحملني. دموعي تذرف. تركني وحيدًا أصارع هذه الحياة. أدركت حينها أن كل أخ كبير يتمنى أن يكون له أخ كبير. حينها قررت أن أسافر بعد ثلاثة أشهر من وفاة أخي وأترك كل الألم الذي أعيشه. لم يكن والدي مكترثًا إلى سفري من قساوته وقال: "اذهبوا حيثما شئتم". نمت في ذلك اليوم ورأيت منامًا غريبًا. أرى فيه أفاعي في المنزل وأشكالًا غريبة ولم أكن خائفًا في الحلم. استيقظت في الصباح وكان تفكيري مشغولًا. أريد أن أعرف ما معنى هذا الحلم الغريب. ذهبت إليه وأخبرته ما رأيت في المنام. وجلس يسألني ماذا حصل في عائلتي. وأخبرته بأن والدتي توفت وأصبح والدي قاسًا بعد أن تزوج بأخرى. فقال لي: "أتعلم ما معنى الحلم؟". أجبتُه قائلاً: "لا". وهنا كانت الصدمة. ثم أخبرتُ الشيخ أنه يجب أن يأتي معي فورًا. فذهب معي إلى عند عمي الكبير وأخبرناه بالقصة كاملة. بعد ذلك، طلق والدي زوجته وعاد طبيعيًا حنونًا. كنتُ فرحًا لدرجة كبيرة جدًا. أخذت مني قصة والدي أكثر من شهر وهذا ما جعلني أن أؤجل سفري. وحزمتُ أمتعتي لاني سوف أسافر بعد بضعة أيام. وكان في ذلك الحين يحاول والدي أن يطلب مني أن أسامحه، وعدك أني سوف أعوضك عن كل ما عشته. أعطيك بيتًا وسيارة وزوجك وأرى أطفالك". رفضتُ بشدة وأخبرته: "إن كان السحر موجودًا أو لا، فأنا سوف أذهب لاني لا أريد أن أكون تحت اسمك. الجمعة. ذهبت إلى المنزل ونظر إلي والدي نظرة الندم والألم الذي عاشه. فليس له ذنب فيما عشته". ذهبت إليه وحضنته وقبلت يده وقلت: "إني أسامحك يا أبي". حينها أدمعت. ابقَ بجانبي". لكني كنتُ مصراً على السفر في صباح اليوم التالي. ودعت إخوتي وأبي وذهبت إلى حدود تركيا مع المهرب الذي سيهرّبني إلى هناك. كانت سوريا في حرب وجواز السفر الذي أملكه لا ينفعني بشيء سوى أنه يثبت أنني سوري. بدأنا في المشي أنا والناس الذين كانوا برفقتي في الساعة العاشرة ليلاً إلى الساعة الواحدة. كنا على وشك الوصول إلى المكان الذي ستأتينا سيارة لِتأخذنا. كنت خائفاً من هول المظهر، لم يكن يؤثر فيّ. اجتمع الكثير من الجنود وبدأوا بضربنا، وكان الضرب أكثر قسوة من الذي تعرضنا له في البداية عندما كنا في الغابة. كنت أنا طويلاً، مما جعلني ملفتاً للنظر بين الناس الذين معي، وكنت أنا أكثر الأشخاص الذين تعرضوا للضرب. كان الدم ينزل من كل مكان في جسمي. أنزلت رأسي وجلست على الأرض. يأتي ضابط ويقول لي باللغة التركية "انظر إلي". كنت أفهمه لأنني كنت أتعلم القليل من اللغة قبل أن أسافر. رفعت رأسي وضربني على وجهي بقدمه بقوة. أصبحت عيني منفوخة وتنزف الدماء. أدخلونا على الصالة التي كانوا يجمعون الناس فيها. كان هناك بعض البطانيات والخشب الذي يجب أن ننام عليه. كنا نحن الناس الجدد، وكان هناك أشخاص قبلنا. ويضربهم الجندي بقوة. كنت أحاول أن أتماسك نفسي لكي لا أضرب مجدداً. أغمي عليّ من شدة الألم والنعس. كنت نائماً على الأرض وكان الجو بارداً جداً. استيقظت بعد عدة ساعات على صراخ الشباب الذين كانوا معي. ويضرب الناس به. لم أرى طوال حياتي أسوأ من هذا التعذيب. وصل إلى عندي وضربني. كانت الضربة قوية لدرجة أنها حفرت مكاناً في بدني. وضرب كل ساعة، إلى أن أخرجونا ووضعونا خلف الحدود. لكن رغم كل الذي مررت فيه، وأنني لن أستسلم أبداً. فأنا ضياء الذي لا يخشى أي ألم. كنت أعاني في كل مرة، في المحاولة العشرين، بعد أن خرجت من الحدود وذهبت إلى والدي الذي كان ينتظرني بفارغ الصبر، أخبرته بكل ما حدث انتقلت إلى مدينة أخرى بسبب القصف على مدينتنا. ابق هنا معي ونعيش معاً. قلت له: "إنني إما أذهب إلى مدينتي وأموت فيها أو أسافر. ولكن عليك أن ترتاح قليلاً. أجبته: "سوف أرتاح وبعدها أعود للمحاولة، أما الآن فأنا ذاهب إلى مدينتي إدلب. لكنني كنت مصراً. ذهبت إلى المدينة وكان الوضع خطيراً جداً. كان يوم الجمعة. اتصل بي والدي يوم الأربعاء عند الساعة السابعة والنصف مساءً وقال لي: "بأنه لم يأخذ معه جهاز الإنترنت، أجبته: "حسناً" وأغلقت الخط. كان بجانبي اثنان من أصدقائي، كنا جالسين في الغرفة ونتبادل الأحاديث العامة. فقال لي صديقي غيث: "لماذا لا ننزل إلى القبو، فأجبته: "غيث، فستموت في أي مكان. ونهض. سمعت أصواتًا مرعبة وفجأة اصبح ماهر فوقي والحطام والدمار في كل مكان نرى أجسامنا، إنْ حصل بها شيء، فأتى إلينا وأخرجنا من تحت الحطام قال لي: "يا بني، إن كنت مصابًا أو ميتًا، بيوت الدنيا ومالها لن ينفعوني بشيء. فحاولت مرارًا وتكرارًا، لربما البعض منكم قال: "لماذا ضياء لم يقع في غرام أي فتاة أو حبها؟" ببساطة، كان فراغًا هائلًا، وكنت دائمًا ما أكرر جملة: "أنني لن أحب إلا فتاة تحبني أكثر ما أحب نفسي. إلى أن أتى ذلك اليوم. كنت أعمل مع خالي الذي كان لديه مكتبة يبيع الدفاتر ومستلزمات المدارس. كنت أعمل معه وأحاول السفر. إلى أن أتى يوم أخبرني فيه خالي أنه اشترى سلعًا من مدينة أخرى ويريدني أن أذهب لإحضارها لأنه ليس متفرغًا. جهزت نفسي وذهبت إلى مدينة الدانا. دخلت إلى المكان وكان هناك فتاة هادئة بجانب والديها. لم أستطع أن أنزل عيني عنها فقد فتنتني برائتها وعفويتها الجميلة. أخذت الأغراض بعد أن قال لها والدها: "فرح، هيا لنذهب. العفوية، لا يتوقف. مضت الأيام وأنا قررت أن أذهب إلى نفس المكان. "آه يا فرح، نعم، وقفت مذهولًا، سمعت الصوت الذي بداخلي وتتبعتهم إلى المكان الذي يعيشون فيه. نعم، أخيرًا عرفت المنزل. مضت الأيام بشكل عادي، وبدأت أسأل الناس عن صاحب ذلك البيت. أخبروني بأنه يملك محلًا للصرافة، بدأت في البحث على ذلك المحل إلى أن وجدته. وأنا لست أدري لماذا. مضت الأيام وأنا لا زلت أفكر في فرح، التي كنت أقول في نفسي نعم، هذه فرح التي ستجعل أيامك كلها فرح. وحان الوقت على أن أعيد المحاولة وأسافر. حزمت أمتعتي وذهبت إلى الحدود. بدأنا المشي بعد المغرب بقليل، " جلسنا، واتت السيارة. أكاد أموت من الفرحة، وأخيرًا سأسافر. دخلت إلى تركيا وأنا لم أكن أتوقع ذلك، أخبرني بأنه يعرف شخصًا يأخذ الناس إلى أوروبا بمبلغ أقل من غيره، أعطني رقمك وسوف أتواصل معه. ما يهمني هو الوصول نفسه. جهزت نفسي لأذهب في تاريخ 2020/2/3. بعد ثلاثة أيام من المشي، تحملتُ وصمدتُ، وأخيراً أتى اليوم الخامس. وصلنا إلى المكان الذي ستأتي سيارة لأخذنا. ثم قال المهرب: "سنستقر هنا وفي اليوم التالي ستأتي السيارة". حلقتُ في السماء من الفرحة لأني سوف أرتاح أخيراً. صوت العصافير التي تزقزق بداخلي يختفي مع صوت الرصاص. هاجمنا البلغاريون وضربونا وسرقوا كل ما نملك. لم يتركوا لنا سوى ملابسنا الداخلية، ثم رمونا في غابات تركيا بعد أن مشينا ست ساعات عراة تمامًا في البرد القارس. عدت إلى منزل صديقي الذي كنت أعيش معه، تساءلتُ في نفسي، لماذا كل هذا العذاب؟ ماذا فعلتُ لأستحق كل هذا؟". وهكذا استمرت حالتي حتى المرة الثامنة. عشتُ مغامرات صعبة في الغابة. في آخر محاولة، وكالعادة، قال المهرب: "سنبيت هنا حتى اليوم التالي"كنتُ أنتظرُ قدومَ السيارةِ تلكَ الليلةَ وأنا أفكرُ في أنَّ الجيشَ سيأتي ويقبضُ علينا. لأنَّني لم أعدْ أستطيعُ البقاءَ في تركيا. فقد تعرّضتُ للكثيرِ من الضربِ والسرقةِ خلالَ رحلتي. وانطلقنا بها إلى العاصمةِ البلغاريةِ صوفيا. لم أصدقْ عينيّ في البدايةِ، كان عليَّ بعد ذلكَ التوجّهُ إلى الوجهةِ التاليةِ، حاولتُ الدخولَ ثلاثَ مراتٍ، ونجحتُ في المرةِ الثالثةِ. وبالفعلِ حققتُ ذلكَ سلّمتُ نفسي للشرطةِ، وقاموا بإجراءاتِ اللجوءِ. تمّ الأمرُ بنجاحٍ، قالوا لي بعض الاصدقاء : "تعالَ لنلعبَ البلياردو". قلتُ لهم: "لا أعرفُ كيف ألعبها". وأنتَ ما زلتَ شابًا". ثمّ قالوا لي: "حسنًا، تعالَ لنلعبْ كرةَ القدم". قلتُ أيضًا: "لا أعرف". كان يجبُ عليَّ أن أستمتعَ بحياتي وأن أتعلمَ وألعبَ في الأيامِ التي مضتْ. لكنّه كان محزنًا في نفسِ الوقتِ. وبالفعلِ، ففتحتُ الحسابَ وبدأتُ أبحثُ عن حسابِها في أصدقائهِ. وبعدَ عدّةِ أيامٍ من البحثِ والتنقيبِ، أرسلتُ طلبَ صداقةٍ، لأنَّني رأيتُ أنَّهُ لا يوجدُ أيُّ شابٍ في حسابِها. مضى يومانِ، وقبلَ طلبِ الصداقةِ، ولدي منزلي الخاص الذي يقع في مدينة أوريبرو في السويد. بدأت حياتي تتحسن رويدًا رويدًا. اكتشفتُ شغفًا بالقراءة، وأصبحتُ أقرأ الكثير من كتب التنمية البشرية. في يومٍ من الأيام، أتتني رسالة على حسابي على إحدى منصات التواصل الاجتماعي. كانت ردًا على حالةٍ نشرتُها، تضمنت أبيات شعرٍ لنزار قباني اخترتها بعنايةٍ. كانت الأبياتُ تقول: ما زلتِ في فنِّ المحبةِ طفلةً بيني وبينَكَ أبحرٌ وجبالُ لم تستطيعي بعدَ أن تتفهمي سرًّا يمزقُني وليسَ يقالُ نظرتُ إلى الهاتف فوجدتُ رسالةً من فرح تقول فيها: "فتاة لم أستطع أن أصل إليها، فقالت: أجبتُها: فهي على الأغلب نسيتني ولم تعد تتذكر شيئًا عني. فأجابت: كأنَّكَ لم تغبْ، لمْ تَسافرْ في خيوطِ الشمسِ أنتَ مُشرقٌ كأنَّكَ لم ترحلْ، لمْ تُفارقْ أكاد لا أصدق عينيّ أنَّها تذكرني وتحبّني كما أحببتُها. ثمّ سألتُها: "فعلاً لم تنسيني؟" قالت: "تذكرين حين التقيتُ بكِ أول مرة؟" وسارت الأمور على ما يرام، وبعد عدّة أشهر من كلامنا، وأقولُ لها: "هل تشعرين بالنعاس؟" ولكن هذهِ المرة كانت مختلفةً، حيثُ إنّها لم تتصلْ في الصباحِ وتخبرني كم هي آسفةٌ لأنّها نامتْ رغمًا عنها. لم تجبْ. اتصلتُ مرارًا وتكرارًا، سهرتُ طوالَ الليلِ، وأنا لستُ أدري ماذا أفعلُ. في الصباحِ، أنا ضياء. قالتْ: "لا، ذهبتْ بالفعل، فأبرحها ضربًا. لا أعرفُ ماذا أفعلُ. أجابتْ: "حسنًا. مضى أسبوعٌ، لا أستطيعُ النومَ ولا أن أعملَ، إنّها فرحٌ، كنتُ غاضبًا منها، وسرعان ما تقولُ لي: "عليّ أن أغلقَ الهاتفَ، فقالتْ: "يبدو أنّك اشتقتَ لي. فأجبتُ: "أنا لم أشتقْ لكِ، أنا عطشانُكِ، حزنتُ كثيرًا، تُحادثني نصف ساعةٍ أو ساعةً من هاتفِ أخيها في وقتٍ متأخرٍ من الليلِ، لأنّ والدها حرمها من كلّ شيء، يا فرح. قالتْ لي: "كيف؟ والدي يعرفُ شكلك وصورتك. قلتُ لها: "الآن أم بعد وقت؟ لن يتغيّر شيء. وافقتْ. وقالتْ لي: "متى سوف تخبرُ أهلك؟" لكنتُ تحدّثتُ مع أهلي أولًا. ولكنّ هذا سيكونُ موقفًا صعبًا لوالدي، وافقتْ، وكان عليّ أن أُحادثَ والدها في أقربِ وقتٍ. بعد عشراتِ المحاولاتِ، لأنّي لم أتقدّم لخطبةِ فتاةٍ من قبل. بدأتُ أسأله عن حاله وعمله، "ضياء؟ من ضياء؟" وأتمنّى أن تفكرَ قبلَ أن تجيبني. وأنا لا أزوّجُ ابنتي لشخصٍ مثلكَ، وأغلقَ الهاتفَ في وجهي. وانتظرتُ فرحَ لكي تأتي لكي تخبرني إذا حصلَ معها شيءٌ. أتتْ فرحُ وسألتُها: "ماذا قالَ لكِ والدكِ؟"فقالتْ: "هل تحدّثتَ معه؟" تحدّثتُ. "ماذا قالَ لكَ؟" فقالتْ: "ماذا جرى؟ لم يحدثني أبدًا. فقلتُ: "لقد رفضَ رفضًا قاطعًا. وانهارتْ من البكاءِ، فقلتُ لها: "لا تقلقي، سوف أجدُ حلًا، ارتاحتْ وهدأتْ قليلاً، وأريدُ منكَ أن تخطبَ لي إيّاها. وما هذا الهراءُ الذي تتحدّثُ عنه؟ حبّ ومشاعر؟"أرجعَ إلى وعيي وأغلقَ الهاتفَ في وجهي. لم أستطعْ أن أجدَ حلًا، فأخبرتها بأنّني فعلتُ ما بوسعي، وليس لديّ ما أفعله. فقالتْ لي: "هل تريدُ أن تذهبَ يا كُلي ومُكمّلي؟" فقلتُ: "يا مهجتي، وفي النهايةِ افترقنا. لم يكنْ سهلاً عليّ فراقُها، اكتشفتُ أنّني أحبّ القراءةَ والكتابةَ. أتتْني فكرةٌ: "لماذا لا تنزلُ إلى سوريا وتخطبُها بنفسكَ؟ لربّما والدُها عندما يراكَ يوافقُ. لكنّ هذا الخيارَ كانَ يهدّدُ مستقبلي، لأنّ الحكومةَ السويديةَ تمنعُكَ من أن تذهبَ إلى سوريا، عدتُ وقابلتُ والدي وإخوتي. وطلبتُ يدَها منهُ مجدّدًا، فرفضَ وطردني. لكنّني لا يهمني الطريقُ الذي سأسلكهُ، ما يهمني الوصولُ. فأنا أريدُ سلاحًا. وبالفعلِ، وجدنا مسدسًا مرخصًا عند صديقٍ قديمٍ، وأخذتهُ منهُ. وقلتُ لهُ: "إنْ رفضتَ، فقد كنتُ أخيفهُ فقط، جلسنا، ودخلتْ فرحُ، وبالفعل، وذهبنا. وتزوجنا. وبدأتُ بإجراءات لمّ الشمل.