واضح دون صعوبات أنه من المستحيل أن تنجز هذهالسيكولوجيا ما كان ينبغي أن تنجزه الفلسفة الترنسند نتالية، إذا كانعليها أن تحقق بالفعل مهمتها بوصفها علماً. إن مهمة السيكولوجياكانت دائماً إنجاز علم بالبشر والحيوانات الواقعيين في جوانب (119) وجودهم النفسي. هنا يتحرك كل تفكير على أرضية العالم الموجود تلقائياً انطلاقاً من التجربة هذا العالم يقيني مسبقاً، وهذا هو هدف كل علم موضوعي تخطي نسبية الاعتقادات والتجليات الذاتية ومعرفة الوجود الموضوعي كما هو في ذاته على الأقل في اقتراب نسقي.برى الفيلسوف الترنسند نتالي بدهشة أن هذه الموضوعية كلها مع جميع علومها هي مشكل ضخم والمشكل الجذري هو بالذات التلقائية التي يوجد بها دائماً العالم، عندما انعكس فلسفياً على ذاتي من حيث إنني أتوفر في التغير المنساب للتجارب، أرى أن حياة وعيي هيالمحل الذي انطلاقاً منه يستمد العالم، وسبق أن استمد، في كل مضامين تمثله المتغيرة معنى وصلاحية. هذا يصح بالنسبة لكل وجود موضوعي واقعي، وكذلك بالنسبة للناس والحيوانات والنفوس والجماعات الشخصية وغيرها. وعليه ينتمي الوجود النفسي الوجود الروحي الموضوعي من كل نوع وبالنتيجة السيكولوجيا ذاتها، إلى المشاكل الترنسند نتالية. إن محاولة معالجة المشاكل الترنسند نتالية على الأرضية الموضوعية وبمنهج العلم الموضوعي هي من دون شك خلف ودور لا يمكن أن يكون أي حكم موضوعي، أي قضية عن العالم بالمعنى الطبيعي للكلمة مقدمة لأي حكم ترنسندنتالي. إنني أتوفر، مثل كل ما هو شيئي، على معنى تأويلي (*) موضوعي له دائماً مسبقاً تاريخ بنائه الذي يمكن أن أكشفه إذا انعكست على ذاتي الموقف الترنسند نتالي ليس سوى موقف التساؤل الارتدادي الجذري خلف كل تأويلات العالم والذات واتخاذ موقع [120] فوق كل الصلاحيات التي سبق اكتسابها. إن المشكل الترنسند نتالي في معناه الحق هو دراسة منهجية في هذا الموقف لبناء الصلاحية الذي يكون فيه عالمنا، الذي يظهر هنا موضوعياً، إننا بالطبع عندما نؤول الذاتية الترنسند نتالية بوصفها أنا (Ego)‏ منعزلاً مغلقاً ونغفل انسجاما مع التقليد الكانطي، مهمة تأسيس الذات الجماعية الترنسند نتالية نضيع كل أمل في معرفة ترنسندنتالية للذات والعالم.إذا كان هو الأنا نفسه من دون شك، فإنني أنا نفسي الذي أنجز في الفلسفة الترنسندنتالية التمعن الذاتي الأخير، ومن جهة أخرى أعتبر ذاتي في السيكولوجيا هنا على أرضية العالم الذي له صلاحية جاهزة بالنسبة لي كوني أنا متموضع في العالم: إنسان بين الناس. وهذا يشير من دون شك إلى ترابط وثيق بين السيكولوجيا والفلسفة الترنسند نتالية. وهكذا يمكن أن تتنبأ أيضاً بأنه يجب أن يكون هناك طريق يقود إلى الفلسفة الترنسندنتالية عبر سيكولوجيا يتم إنجازها بكيفية عينية. ويمكن أيضاً أن نقول لأنفسنا : إذا أنجزت أنا نفسي الموقف الترنسند نتالي بكيفية تجعلني أرتفع فوق كل عالم وفوق تأويلي لذاتي لكي أدرس الإنجاز الذي أتملك فيه العالم، فإنني ينبغي أن أعثر من جديد على هذا الإنجاز في تحليل سيكولوجي داخلي، حتى وإن كان قد اندمج من جديد في تأويل يعتبره شيئاً نفسياً واقعياً تابعاً للجسد الواقعي، وبالضبط الوعيي البشري بالعالم وللعالم الذي يظهر فيه حسب كيفية ظهوره كل مرة، بصفته صورة العالم، كما يقال أيضاً، هذا البسط السيكولوجي ينبغي عند الانتقال إلى الموقف الترنسندنتالي أن يكتسب فوراً دلالة ترنسند نتالية، بمجرد ما أخذ الآن في درجة عليا بعين الاعتبار أيضاً التأويل الموضوعي الذي انطلاقاً منه يتخذ تمثل العالم معنى كائن واقعي معنى ما هو بشري - نفسي بناءً على ذلك، فإنه مما يثير الاستغراب في البداية أن الفلسفة الترنسند نتالية منذ كانط لم تجن بتاتاً أي فائدة من السيكولوجيا التي أرادت منذ زمان لوك أن تكون [121] سيكولوجيا على أساس التجربة الداخلية بالعكس، إنها اعتبرت أدنى تدخل للسيكولوجيا بمثابة خيانة لمسعاها الحقيقي وكانت في صراع دائم ضد النزعة السيكولوجية يتوخى نتيجة تمكن من بلوغها هي أنه لا يحق بتاتاً للفيلسوف أن يعبأ بالسيكولوجيا الموضوعية. إن إرادة معالجة مشاكل معينة لنظرية المعرفة معالجة سيكولوجية بقيت أيضاً بعدهيوم وكانط تغري كل أولئك الذين كانوا يشعرون بارتياح تام في غفوتهم الميتافيزيقية، واستمرت النزعة التجريبية الإنجليزية، أي نظرية المعرفة الساذجة السيكولوجية النزعة في أسلوب لوك في الانتشار، بل وفي تكاثر ضخم. وهكذا وجب بلا شك على الفلسفة الترنسند نتالية مع أسئلتها الجديدة تماماً أن تكافح دائماً أيضاً ضد هذه النزعة السيكولوجية. لكن لم يبق الأمر متعلقاً في سؤالنا الراهن بدعاة النزعة الطبيعية الفلسفية،