ولا تستهين باليسير من حقه عند مُهم (أمر مقلق مفزع ) يعرض له أو حادث يحدث به. فأما في أوقات الرخاء فينبغي أن تلقاه بالوجه الطلق والخُلق الرحب وأن تظهر له في عينك وحركاتك وفي هشاشتك وارتياحك عند مشاهدته إياك ما يزداد به في كل يوم وكل حال ثقة بمودتك وسكوناً إليك ويرى السرور فيها في جميع أعضائك التي تظهر السرور فيها إذا لقيك ؛ ثم ينبغي أن تفعل مثل ذلك بمن تعلم أنه يؤثره ويحبه من جار أو صديق أو ولد أو تابع أو حاشية ، المداهنة) الذي يمقته عليك ويظهر له منك تكلف (تصنع ، دققت) الصدق في كل ما تثنى به عليه . فإن ذلك يجلب المحبة الخالصة ، ويُهديك محبة الغرباء ومن لا معرفة لك به وكما أن الحمام إذا ألف بيوتنا وأنس لمجالسنا وطاف بها يجلب لنا أشكاله وأمثاله ، فكذلك حال الإنسان إذا عرفنا واختلط بنا اختلاط الراغب فينا الآنس بنا ، وانظر عند ذلك إن أصابته نكبة أو لحقته مصيبة أو عثر به الدهر كيف تكون مواساتك له بنفسك ومالك وكيف يظهر له تفقدك ومراعاتك ولا تنتظرن بأن يسألك تصريحاً أو تعريضاً بل اطلع على قلبه واسبق إلى ما في نفسه وشاركه في مضض (ألم) ما لحقه لتخفف عنه. ابتعاداً) أو نقصاناً مما عهدته فاختلط به واجتذبه إليك فإنك إن أنفت من ذلك (استكبرت) أو داخلك شيء من الكبر والصَّلَف (العجرفة) عليهم انتقض (انقطع) حبل المودة وانتكثت (ضعفت) قوته ومع ذلك فلست تأمن أن يزول عنك الغنى فتستحي منهم وتضطر إلى قطيعتهم حتى لا تنظر إليهم ، ثم حافظ على هذه الشروط بالمداومة عليها لتبقى المودة على حال واحد. وليس هذا الشرط خاصاً بالمودة بل هو مطرد في كل ما يخصك أعنى أن مركوبك وملبوسك ومنزلك متى لم تراعها مراعاة متصلة فسدت وانتقضت. تنفر) من ترجوه لكل خير وتنتظر مشاركته في السراء والضراء ومع ذلك فإن ضرر تلك يختص بك بمنفعة واحدة ، وإذا راعيت شروطه وحافظت عليها بالمداولة أمنت جميع ذلك . ثم احذر في صديقك وإن كنت متحلياً بأدب وعلم أن تبخل عليه بهما أو يرى فيك أنك تحب الاستبداد دونه والاستئثار عليه. فليس أحد ينقص من العلم ما يأخذه غيره بل يزكو على النفقة ويربو مع الصداقة ويزيد على الإنفاق فإذا بخل صاحب علم بعلمه فإنما ذلك لأحوال فيه كلها قبيحة. وهي أنه إما يكون قليل البضاعة منه فهو يخاف أن يفنى ما عنده أو يرد عليه ما لا يعرف فيزول تشرفه عند الجهال ، وإما أن يكون مكتسباً به فهو يخشى أن يضيق مكسبه به وينقص حظه منه. وأنت عينه وقلبه وخليفته على الناس كلهم بل أنت هو فإنه إن بلغه شيء مما حذرتك منه لم يشك أن ذلك كان عن رأيك وهواك فينقلب عدواً وينفر عنك نفور الضد. ويضربون له الأمثال الكثيرة المشبهة بحديث الثور مع الأسد في كتاب (كليلة ودمنة) ونحن نكتفي بهذا القدر من الإيماء (التلميح) ولست أترك مع الإيجاز والاختصار تعظيم هذا الباب وتكريره عليك لتعلم أن القدماء إنما ألفوا فيه كتب وضربوا له الأمثال وأكثروا فيه من الوصايا لما وراءه من النفع العظيم على السامعين من الأخيار ولما خافوه من الضرر الكثير على من يستهين به .