أولاً : الحصر اضافي : كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله ) هنا أن الكوامل من النساء أربع لايظهر منه الحصر النهائي بمعنى أنه لن توجد امرأةٌ كاملةٌ بعد هذه الأربع ، فلو فرضنا أنه جاء خبرٌ معتبرٌ من معصومٍ في الثناء على إحدى النساء وأنها كاملة مثل ما استفاد بعضهم مما ينقل عن الإمام السجاد سلام الله عليه في قوله لعمته زينب : ( وأنت بحمد الله عالمةٌ غير معلمة وفهمةٌ غير مفهمة ) استفاد البعض من هذا النص ومن غيره ما يثبت كمال السيدة زينب عليها السلام . فإذا فرضنا وجود هكذا نصوص فهي لا تعارض كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله ) لأن كلام النبي ليس حاصرًا إلى الأخير وإنما لجهةٍ من الجهات جاء بهؤلاء الأربع وهذا بحسب اصطلاح العلماء يقولون الحصر هنا ليس حقيقيًا وإنما هو حصرٌ إضافيٌ . يعني بالنسبة إلى قضيةٍ من القضايا هذا حصرٌ لا بالنسبة إلى كل الجهات وكل القضايا . ثانيًا : الجامع المشترك وهي نقطة أهم وهي أنه عندما نلاحظ أن النبي أو المعصوم عمومًا يتكلم عن مجموعة خصال أو مجموعة أسماء أو عدة عناصر ويصفهم كلهم بصفة واحدة ، صلى الله عليه وآله ) فإذا رأينا مجموعة أشخاص رأيهم مختلف تقاتلوا أو تشاتموا أو تضاربوا أو ضلل بعضهم بعضًا أو فسق بعضهم بعضًا فكل منهما يتعطش ليقتل الثاني ومع ذلك كلهم مبشرون بالجنة ، فكيف يكونون كلهم مبشرون بالجنة ؟ لابد أن نكتشف ما هي نقطة الاشتراك عندما يسوق المعصوم خصالاً أوأسماء في حديث واحد فإذا رأينا هذه الخصال لا تجتمع بجامع أو الأسماء بينها من التفارق ما هو أكثر من نقاط الاجتماع فلا بد أن نضع علامة استفهام على هذا الحديث . يظهر أن نقطة الاشتراك بينهن جميعًا دفاعهن عن حجة الله في ذلك الزمان الذي عشنه سواءً كان نبيًا أو إمامًا ، ونفس الكلام بالنسبةِ لآسية بنت مزاحم فقد حمت نبي الله موسى عليه السلام وقالت لفرعون وقومه ( لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا ) ومرارًا كان فرعون يريد أن يقتله ولكنها كانت تقف أمامه وتتصدى إلى هذا إلى أن اشتد عوده واستطاع أن ينهض بنفسه وأن يتحرك في أداء رسالته دفاعًا عن نبي الله حجة الله في ذلك الزمان . وهم أيضًا كانوا يمارسون هذا الفعل الشائن ولا يرون فيه شيئًا منفرًا بالنسبة إلى شخصياتهم . فذهب إليها وواقعها وأنتجت تلك العلاقة الآثمة زياد بن أبيه . باقي النساء تضاحكن ومشين أما السيدة خديجة فبقيت في نفسها هذه الكلمات حتى سمعت عن النبي الذي كانت سيرته ذائعة وأنه هو الصادق الأمين وتطرق الإعجاب إلى نفسها بالنبي . والمرأة العاقلة هي هكذا فالمرأة العاقلة لا تبحث عن شاب شكله جميل أو لأن عنده سيارة آخر موديل لأن هذا ينتهي ، وخديجة أحبت النبي حبًا كبيرًا والنبي بادلها هذا الحب إلى حد أنه كان يذكرها فيما بعد لسنوات متأخرة بالرغم من وجود تسع نساء عنده وفيهن الشابة والبكر والثيب وذات العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين وفيهن الوضيئة جدًا - وإن شاء الله نتحدث لاحقًا عن إدارة النبي للحياة الأسرية وقضية زوجاته في وقت آخر- لكن كل هذا لم يملأ الفراغ الذي تركته خديجة ، فهل ارتكبا ذنبًا أو كبيرةً . فالتفتت خديجة وهي التي ردت وكانت امرأة متكلمة بليغة قالت : المهر عليَ . فحين تردد هذا الكلام خرجت خديجة في اليوم الثاني ومعها بعض أهلها وطلبت من النبي أن يأتي وبعض بني هاشم ، ولما صارت قريب الكعبة أمرت من يتكلم عنها بهذا الكلام : هذه خديجة بنت خويلد وهذا محمد بن عبدالله زوجها وقد وهبت ما تملك من إبلٍ وغنمٍ وشاهٍ وأعبدٍ وإماءٍ وذهبٍ وفضةٍ وعقارٍ وقماشٍ كل ذلك وهبته لزوجها محمد . فالآن صار كل شيء له فلا يستطيع أن يعترض معترض . فأين ذهب مال خديجة إذن ؟ فهذه الدعوة تحتاج في بدايتها لأموال طائلة وقد فعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ذلك بمال خديجة فهنيئًا لها هذا العطاء . وفي هذه العشر سنوات أنفقت خديجة أموالها بأجمعها في خدمة الدعوة ، فصرفت وأعطت سلام الله عليها كل ما كان لها . وبالذات في أيام معاوية راجت أكثر . فأعطت والنبي سجل هذه الشهادة الباقية الخالدة للسيدة خديجة وحفظ لها عهدها وودها وحبها إلى سنوات متأخرة وهي تستحق كل ذلك صلوات الله وسلامه عليها . إلى أن وصلت في السنة العاشرة في شعب أبي طالب وقد أثر الضعف والهزال والمرض وقلة الطعام وسوء الرعاية والعناية في بدنها الشريف ووصلت إلى أنها لم تكن تملك إلا ثوبًا واحدًا عليها . فتذكر النبي أن هذه خديجة هي التي كانت ذات الثراء والغنى والمال الكثير وإذا بها تمد يدها إلى رسول الله تستعطي وقد كانت يدها ممدودةً دائمًا بالعطاء لم تأخذ شيئًا أبدًا سابقًا .