وإناء شحن مزاحا وجدا؛ و إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت عجبت من غرائب فرائده، ومن لك بواعظ مله، ومن لك بشيء يجمع لك الأول والآخر، - وبعد: فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن، ويترجم عن الأحياء ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، وأكتم للسر من صاحب السر، وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة، وأحفظ لما استحفظ من الآدميين، وقد قال ذو الرمة لعيسى بن عمر: اكتب شعري؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة وقد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاما بكلام. ولا أقل خلافا وإجراما، ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه وقرب ميلاده، يجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ولولا الحكم المخطوطة والكتب المدونة لبطل أكثر العلم ، ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر ، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار ، ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع ، ومن لك بصاحب لا يبتدئك في حال شغلك ولا في أوقات عدم نشاطك ولا يحوجك إلى التجمل والتذمم ، ومن لك بزائر إن شئت جعلت زيارته غبا ، وإن شئت لزمك لزوم ظلك . والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك ، والرفيق الذي لا يملك ، والمستميح الذي لا يؤذيك ، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ، ولا يعاملك بالمكر ، ولا يخدعك بالنفاق . والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك ، وحباك تعظيم الأقوام ، ومنحك صداقة الملوك ، يطيعك في الليل طاعته بالنهار ، وفي السفر طاعته في الحضر ، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة ، وإن عزلت لم يدع طاعتك ، وإن هبت عليك ريح أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلقا به ، ومتصلا منه بأدنى حبل لم يضطرك منه وحشة الوحدة إلى جليس السوء ، وإن أمثل ما يقطع به الفراغ نهارهم وأصحاب الكفاية ساعة ليلهم نظرة في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد أبدا في تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين ومال ورب صنيعة وابتداء إنعام . ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المنى وعن اعتياد الراحة وعن اللعب وكل ما أشبه ، لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنة ، وهو الذي يزيد في العقل ويشحذه ويداويه ويهذبه وينفي الخبث عنه ، ويصادق بينك وبين الحجة ، ويقودك للأخذ بالثقة ، ولا حق للسلطان يخرج منه، هو كالضيعة التي لا تحتاج إلى سقي ولا إسجال بإيغار، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها ، وخلدت من عجيب حكمها ، ودونت سيرتها حتى شاهدنا بها من غاب عنا، فجمعنا في قليلنا كثيرهم وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم. قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام (اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم) فوصف نفسه، وقد قالوا: القلم أحد اللسانين، وقالوا: كل من عرف النعمة في بيان اللسان، كان بفضل النعمة في بيان القلم أعرف ،