مفهـــــوم سوسيولوجيا التربيـــــة بادىء ذي بدء، قبل الدخول في هذا الموضوع الجدير بالدراسة والوصف والتحليل والتشخيص والتقويم، ينبغي علينا أن نتوقف عند بعض المفاهيم والمصطلحات الأساسية التي يرتكز عليها علم الاجتماع التربوي أو سوسيولوجيا التربية، والتربية. المبحــــث الأول: مفهـــــوم علــــــم الاجتمـــــاع يعد أوغست كونت (Auguste Comte) أول من نحت مصطلح علم الاجتماع (Sociologie) سنة 1830م، وكلمة (Société) التي تدل على المجتمع. وبذلك، يكون مفهوم علم الاجتماع هو علم المجتمعات البشرية، أو علم دراسة مجتمع الإنسان أو مجتمع الفرد والجماعة، في ضوء رؤية علمية وضعية وتجريبية. وبعد ذلك، بعد صدور كتابه (قواعد المنهج في علم الاجتماع)1 سنة 1895م. فتاريخ نشأة علم الاجتماع الغربي هو القرن التاسع عشرالميلادي. في حين، كما يتبين ذلك جليا في كتابه (المقدمة)2. وبذلك، سبق علم الاجتماع العربي صنوه الغربي بأكثر من ستة قرون. هذا، يندرج علم الاجتماع ضمن العلوم الإنسانية بصفة عامة، والعلوم الاجتماعية بصفة خاصة. والهدف الأساس الذي يسعى إليه هو دراسة المجتمع الإنساني بصفة عامة، ودراسة التنظيمات والجمعيات والجماعات والمؤسسات السياسية التي تنتمي إليها أو تشكلها جماعة من الأفراد بصفة خاصة. ويرصد مختلف العلاقات الاجتماعية التي يسلكها الإنسان مع الآخرين داخل بنية المجتمع، والاجتماعية، والثقافية، والقهر، وهناك، ومونتيسكيو، وسان سيمون، وابن خلدون، فإنها محاولات تأميلية وفلسفية ينقصها الجانب العلمي والتجريبي، لأنها قائمة على دراسة العلل في علاقتها بالنتائج. ومن ثم، يرى دوركايم أن علم الاجتماع هو الدراسة العلمية للظواهر المجتمعية. ومن ثم، يتسم هذا العلم بالطابع العلمي الموضوعي الذي يتمثل في التخلص من الأفكار الشائعة والمسبقة على غرار توجهات ابن الهيثم وديكارت، إذاً، فعلم الاجتماع، بمفهومه العام، على أساس أنها موضوعات ومواد وأشياء. ويعني هذا أن علم الاجتماع يدرس المجتمع دراسة وضعية مختبرية وميدانية، بالتوقف عند بعض الظواهر المجتمعية القاهرة أو الملزمة للإنسان بالتحليل والدراسة والتشخيص والوصف فهما وتفسيرا وتأويلا. وعليه، فعلم الاجتماع " هو الدراسة العلمية للسلوك الاجتماعي للأفراد والأساليب التي ينتظم بها المجتمع باتباع خطوات المنهج العلمي. يلاحظ الفرد داخل المجتمع أن وسائل الإعلام المختلفة تطالعه بأنباء وأخبار معينة، منها ما يتعلق بكوارث طبيعية، وأخرى تتعلق بصراعات ومشكلات تحتاج إلى حلول، وقسم آخر يتحدث عن قضايا العمل واضطرابات العمال، وقسم يتعرض لاتجاهات مشجعي كرة القدم. مثل هذه الأحداث- إذا صح أن نطلق عليها هذه التسمية- هي أحداث عامة تحدث في الحياة اليومية. ولكن أحيانا يتساءل البعض لماذا أصبح الآن مشجعو كرة القدم أكثر عنفا عما كانوا عليه في الماضي؟ ولماذا يجد بعض الأزواج أن الحياة الزوجية أصبحت لاتطاق؟ فعندما نسأل أنفسنا هذه النوعية من الأسئلة فإننا نسأل سؤالا اجتماعيا، بمعنى أننا معنيون أو مهتمون بالطريقة التي يسلك بها الأفراد في المجتمع وتأثير ذلك السلوك في أنفسهم وفي المجتمع. معنى ذلك أن مفهوم "الاجتماعي" هو المفهوم الأساسي في علم الاجتماع، وعلى اتصال مستمر ببقية أفراد المجتمع، يحبث يندمج في محيطهم ويتفاعل معهم بصورة إيجابية. وهذا يؤكد أنه دون وجود تفاعل إنساني مستمر لايمكن أن يطلق علينا ذوي صفة "اجتماعية". "4 ويعني هذا أن علم الاجتماع لايهتم فقط بدراسة الظواهر المجتمعية المرتبطة ببنية المجتمع، بل يهتم أيضا بدراسة أفعال الأفراد، حينما يتفاعلون فيما بينهم ويتواصلون لفظيا أو بصريا. وإذا كان إميل دوركايم قد ربط السوسيولوجيا بدراسة المجتمع بمختلف ظواهره ووقائعه وأحداثه وعملياته وحقائقه، فإن ماكس فيبر قد ركز على الفرد الفاعل أو الذات بما تقوم به من أفعال تجاه الذوات الأخرى في علاقة تماثلية مع بنية المجتمع. أي: هناك من يربط السوسيولوجيا بالمجتمع أو الموضوع (دوركايم)، وهناك من يربطه بالذات أو الفاعل(ماكس فيبر). وهناك من يجمع بينهما في علاقة تماثلية كماهو حال أنتوني غيدنز في كتابه (علم الاجتماع)5. فقد عرفه بيتريم سروكين بقوله:" هو ذلك المفهوم الذي يشير إلى جميع المعلومات الخاصة بالتشابه بين مختلف الجماعات الإنسانية وأنماط التفاعل المشترك بين مختلف جوانب الحياة الاجتماعية الإنسانية، كما عرفه بأنه دراسة الخصائص العامة المشتركة بين جميع أنواع المظاهر الاجتماعية. أما رايت ميلز، فيرى " أن علم الاجتماع هو العلم الذي يدرس البناء الاجتماعي للمجتمع والعلاقات المتبادلة بين أجزائه، بينما يرى ماكيفر " أنه العلم الذي يدرس العلاقات الاجتماعية"6. ويعرفه ماكس فيبر بقوله " هو العلم الذي يعنى بفهم النشاط الاجتماعي وتأويله، وتفسير حدثه ونتيجته سببيا7. وعلى العموم، فعلم الاجتماع هو ذلك العلم الذي يدرس الوقائع والظواهر والأحداث والحقائق الاجتماعية من جهة أولى. ويدرس أفعال الأفراد وتصرفاتهم وسلوكياتهم في علاقة بالآخرين، أما فيما يخص موضوع علم الاجتماع، فإنه يدرس ثلاثة مواضيع أساسية كبرى هي: الحقائق الاجتماعية، والعمليات الاجتماعية، ويدرس كذلك العلاقات الاجتماعية المتبادلة بين الناس عبر عمليات التفاعل الاجتماعي من أجل معرفة مظاهر التماثل والاختلاف؛ ودراسة مكونات الأبنية الاجتماعية المختلفة، والمقارنة بين الظواهر والحقائق الاجتماعية المختلفة8. والبنية الاجتماعية، والتفاعل بين الأفراد والجماعات، والسياق الاجتماعي، إذاً، يدرس علم الاجتماع العام الظواهر المجتمعية دراسة علمية من جهة. برصد مختلف الدلالات والمعاني والمقاصد التي يعبر عنها هذا الفعل أثناء عملية التفاعل والتواصل الاجتماعي من جهة أخرى. ومن جهة أخرى، تستعين المقاربة السوسيولوجية بالدراسات التاريخية والتطورية والمقارنة والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والإثنية والدينية واللسانية. إلخ. ومن ثم، يهدف إلى بناء نظرية عامة لوصف المجتمع ورصده بغية التحكم فيه أو إصلاحه أو تغييره أو الحفاظ عليه. ويلاحظ أن ثمة منهجين مهيمنين في علم الاجتماع: منهجا علميا موضوعيا يتكىء على التفسير السببي والعليَ، ويعني هذا أن ثنائية الذاتية والموضوعية حاضرة في مجال العلوم الإنسانية بشكل لافت للانتباه. في حين، والتأمل الأخلاقي. يستعير النمط الأول من السوسيولوجيا نموذجا علميا كان بالضرورة هو نموذج الفيزياء في القرن التاسع عشر. إذ يتعلق الأمر، في الواقع، بتحديد القوانين والقواعد التي تؤثر، بالمقابل، أحيانا، ولايواري ذاته. لأنه كان مفهوما ميتافيزيقيا ومتعاليا. يسمح، فماذا يعني أن يكون الإنسان ذاتا، اليوم؟ إنه يعني أن يضع الإنسان نفسه في قلب عالمه. فالذات هي، الموجود الذي يحيل على ذاته وإلى الخارج والذي يتموضع في مركز عالمه. يتأكد لنا أن ثمة طريقتين في التعامل مع الظواهر المجتمعية، إما أن نتمثل الطريقة الوضعية التفسيرية في تبيان العلاقات الثابتة التي توجد بين الظواهر والمتغيرات، وإما أن نتمثل طريقة الفهم لاستجلاء البعد المجتمعي بفهم أفعال الذات وتأويلها. وعلى العموم، يعتمد علم الاجتماع على ثلاثة مبادىء منهجية أساسية هي: الفهم، والتفسير، والتأويل. أي: فهم المعاني التي يتخذها الفعل الفردي داخل المجتمع المعطى. وينسجم هذا المبدأ مع العلوم الإنسانية أو علوم الثقافة والروح. وبما أن الإنسان فاعل فردي يملك وعيا، ويصدر فعله عن معنى أو مقصدية ما، فمن الصعب دراسته دراسة علمية سببية وعلية موضوعية؛ لأن ذلك يتنافى مع مبدإ الذاتية في العلوم الإنسانية. وأكثر من هذا، فالإنسان فرد واع وعاقل وحساس لايمكن مقاربته في ضوء علوم التفسير؛ لأن النتائج ستكون- بلاريب - نسبية ليس إلا، مهما حاولنا أن نتمثل العلمية والحياد والنزاهة الموضوعية في ذلك. ويعني المبدأ المنهجي الثاني تمثل التأويل في إدراك حقيقة الواقع أو العالم الموضوعي. ويعني هذا أن فهم فعل الفاعل الفردي لايمكن أن يتحقق إلا بمعرفة الأحكام المسبقة، والانطلاق من المعرفة الخلفية، والبحث عن جميع المصادر التي تساعدنا على فهم ذلك الفعل، واستجلاء المعنى الذي يصدر عنه. على الرغم من تعارض ذلك مع العلم، على أساس أنها مصادر أولية تسعفنا في تفهم الفعل وتأويله. ومن هنا، يتطلب الفهم ثقافة شخصية من جهة أولى، ومعايشة حقيقية للفاعل من جهة ثانية، ومشاركته في بناء عوالمه الموضوعية والواقعية من جهة ثالثة. لابد من التغلغل إلى عالم الفرد لفهم المعنى الذي يلصقه على عالمه من أجل فهمه جيدا، وتأويل فعله وسلوكه حسب الظروف الظاهرة والحيثيات التي يوجد فيها هذا الفعل، ويخضع هذا التعامل كله لمبدأين أساسيين هما: الموضوعية العلمية والحياد الأخلاقي، بعدم إصدار أحكام القيمة، والابتعاد- قدر الإمكان- عن الاعتقادات والآراء الشخصية. أما المبدأ المنهجي الثالث، فيقوم على التفسير السببي والعلي كربط الفعل ببنية المجتمع، أو تفسير الظواهر المجتمعية تفسيرا ترابطيا وسببيا. هذا، ويتسم علم الاجتماع بعدة خصائص ومميزات: والاستعانة بآلية المعايشة بغية بناء الحقائق الاجتماعية، وفهم الوقائع والظواهر الإنسانية والمجتمعية، والابتعاد عن المقاربات الفلسفية والميتافيزيقية التي تعيق تطور المعرفة الإنسانية وتقدمها وازدهارها، واستبدال التـأمل الفلسفي بالتفسير العلمي والاستقراء السببي والعلي والوضعي.  علم الاجتماع علم تراكمي، إذ تبنى كل نظرية جديدة على النظريات السابقة في مجال السوسيولوجيا. ومن ثم، فهناك استمرارية وتطور وتراكم وقطائع إبستمولوجية في عملية التصحيح والتعديل والتطوير.  علم الاجتماع ليس علما أخلاقيا أو قيميا، فهو لايعنى بالحكم على المجتمع من الناحية الأخلاقية أو يحكم على الأفعال الاجتماعية بالخير أوالشر، فهو علم محايد وموضوعي يصف الواقع ويشخصه ويجد الحلول الملائمة لذلك. ولكن ينشد تفسير الأخلاق إذا كان لها ارتباط وثيق بالوقائع المجتمعية10. ويحقق علم الاجتماع مجموعة من الأهداف الأساسية التي يمكن حصرها فيما يلي: بناء معرفة علمية وموضوعية حول المجتمع وبنياته الفرعية وعلاقة ذلك بالأفراد الفاعلين؛ وصف المجتمع وتشخيصه فهما وتفسيرا وتأويلا بغية الحفاظ عليه أو إصلاحه أو تغييره؛  إدارك الفوارق بين الثقافات والمجتمعات لمعرفة أسلوب التعامل مع الآخرين، وتفادي المشكلات الناتجة عن اختلاف التجارب المجتمعية، مثل: الاختلاف بين البيض والسود؛  دراسة الوقائع والحقائق والعمليات الاجتماعية دراسة علمية بغية الاستفادة منها على صعيد وضع السياسة العامة للدولة أو المجتمع؛  تقويم نتائج المبادرات السياسية المتبعة في إصلاح المجتمع وتغييره أو الحفاظ عليه؛  التنوير الذاتي، وتعميق فهمنا لأنفسنا بشكل جيد؛ حل المشكلات الإنسانية التي يعاني من الأفراد والجماعات؛ والسمو به في مراتب الفضيلة والسعادة والكمال، والرفع من قيمته المادية والمعنوية والأخلاقية، والزيادة في درجة رفاهيته وازدهاره؛ وفيما يخص أقسام علم الاجتماع، فيمكن الحديث - من جهة- عن العلم الاجتماع النظري وعلم الاجتماع التطبيقي. ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن عدة ميادين لعلم الاجتماع العام، فهناك الفيزيولوجيا الاجتماعية، والمورفولوجيا الاجتماعية، وعلم الاجتماع الاقتصادي، وعلم اجتماع الطب أو الصحة، وعلم الاجتماع السياسي، وعلم اجتماع الجمعيات والتنظيمات، وعلم اجتماع المسرح، وعلم الاجتماع الجنائي، ويعني هذا أن علم الاجتماع هو علم عام، والتفسير، علاوة على ذلك، يستند علم الاجتماع كذلك إلى خطوات المنهج العلمي كالإحساس بالمشكلة، وطرح الأسئلة والإشكاليات، ورصد بواعثه الذاتية والموضوعية، والإشارة إلى الدراسات العلمية السابقة، وتحديد المتغيرات البشرية والزمانية والمكانية، وشرح المفاهيم الاصطلاحية، وطرح تصميم الدراسة، مع ذكر الصعوبات، والثناء على من أسدى إلى الباحث أية مساعدة من قريب أو من بعيد. وخلاصة القول، فعلم الاجتماع هو ذلك العلم الذي يدرس الوقائع الاجتماعية والأفعال والتنظيمات والمؤسسات الاجتماعية، بالتركيز على الوقائع والحقائق والعمليات والعلاقات الاجتماعية، ضمن السياق التفاعلي اللغوي والرمزي، بغية بناء نظرية عامة للمجتمع قصد وصفه وتشخيصه وتقويمه، من أجل الحفاظ عليه أو إصلاحه أو تغييره جزئا أو كليا. المبحث الثاني: مفهــــوم علـــم الاجتمـــاع التربـــوي لايمكن تحديد مفهوم علم اجتماع التربية أو سوسيولوجيا المدرسة إلا بالتوقف عند مجموعة من المطالب على النحو التالي: المطلب الأول: مفهــــوم علــم اجتماع التربيــــة يدرس علم اجتماع التربية (La sociologie de l’éducation) أو علم اجتماع المدرسة (La sociologie de l’école) التربية أو المدرسة على حد سواء، على أساس أن المدرسة ظاهرة اجتماعية أو مؤسسة اجتماعية لها ثوابتها ومتغيراتها. أي: تدرس سوسيولوجيا التربية أو المدرسة كل الظواهر المتعلقة بمجال التربية والتعليم والمؤسسة الدراسية في علاقة تامة بالمجتمع. ومن ثم، تركز هذه السوسيولوجيا على دراسة المؤسسة التربوية من الداخل والخارج، واستجلاء خصائصها ووظائفها وأدوارها المجتمعية، علاوة على ذلك، تتوقف سوسيولوجيا التربية عند مكونات المدرسة وعناصرها الفاعلة والوظيفية، كالتوقف- مثلا- عند التلاميذ، والمدرسين، وجمعيات الآباء والأمهات، بالتحليل والدراسة والرصد واستكشاف مهام هؤلاء والوظائف المنوطة بهم. كأنشطة المدرسين والتلاميذ والإداريين داخل المؤسسات المدرسية. كما يقوم بوصف طبيعة العلاقات والأنشطة التي تتم بينهم. كالأسرة، والنادي. وتؤثر في شروط وجودها وتعاملها. 11" أما عبد الكريم غريب، فيعرفها بقوله:" علم يدرس التـأثيرات الاجتماعية التي تؤثر في المستقبل الدراسي للأفراد؛ كما هو الشأن بالنسبة لتنظيم المنظومة المدرسية، والمستوى السوسيوثقافي لأسر المتمدرسين، ومامدى مساهمتها في تنشئة الأفراد ؟ وإلى أي حد تحدث تعديلات في الهرمية الاجتماعية القائمة (الحركية الاجتماعية) ؛ ومامدى تأثيرها في البنيات الثقافية وماعلاقتها بالبنيات المهنية والثقافية الموجودة؟. تلك أهم التساؤلات التي تطمح سوسيولوجيا التربية للإجابة عنها، ويعرف علي الحوات علم الاجتماع التربوي بقوله: " هو العلم الذي يختص بدراسة الإنسان حينما يدخل في علاقة مع إنسان آخر في إطار تربوي يهدف إلى تكوين الخبرة، أو الثقافة، أو التعليم، أو التدريب". أي: العلاقات التي تتم بين الأفراد في الإطار التربوي (التعليمي التعلمي)، وبين كل من في المؤسسة التربوية، والنظام التربوي بشكل عام، مثل: سلطة المدرسة، والانتقاء أو الاصطفاء التربوي، ودور المدرسة في انتخاب النخبة، والفوارق الاجتماعية والطبقية داخل المؤسسة، والهدر المدرسي، والشراكة التربوية، والتوجيه التربوي، والمسالك المهنية، والمدرسة والإعلام أو موقف المدرسة من التحديات الإعلامية للتلفزيون والأنترنيت، والتفاعل التربوي داخل المؤسسة أو الفصل الدراسي، ودراسة الظواهر المدرسية، أي:" دراسة الآليات المدرسية كالمدخلات والعمليات والمخرجات. وتتمثل المدخلات في التلاميذ والمدرسين والإدارة. على أساس أنهم ساكنة المدرسة، واجتماعية، علاوة على السمات التالية: السن، والجنس، والمستوى الثقافي، والأصل الاجتماعي. مثل: مستوى التكوين، أما المخرجات، فتتمثل في النتائج التي تترتب عن توظيف آليات التطبيع الاجتماعي والاصطفاء. ورصد مختلف آثار التعلم في أساليب الحياة، وترتكز العمليات على نقل القيم الأخلاقية والمعارف، مع الاهتمام بأنظمة التقويم. ويتضح، مما سبق، وهو ينتقل من كائن بيولوجي غريزي إلى كائن بيولوجي إنساني وثقافي. ومن ثم، فسوسيولوجيا التربية لديها الكثير مما تقوله. ومن ثم، ومتعدد المواضيع والقضايا، وأن المدرسة مجتمع مصغر. وبالتالي، ولكن ينبغي لسوسيولوجيا التربية أن تتوسع وتتجاوز إطار المدرسة إلى أشكال ضمنية أخرى من التعلم، ومن هنا، فسوسيولوجيا التربية تهتم بالعلاقات الاجتماعية داخل المؤسسة التربوية، ودراسة المؤسسات التي تقوم بوظيفة التنشئة التربوية والاجتماعية، وربط التكوين بوظيفته الاجتماعية والإيديولوجية، ويعني هذا أنها تدرس ما يتعلق بالتربية بالتركيز على ثلاثة عناصر رئيسية، وهي: مداخل التربية (المتمدرسون، ورجال التعليم، وأطر الإدارة، ، وآلياتها البيداغوجية والديدكتيكية والسوسيولوجية، ومخارجها(التقويم، والاصطفاء. . كأنشطة المدرسين والتلاميذ والإداريين داخل المؤسسات المدرسية. كما يهتم علم الاجتماع التربوي بدراسة العلاقات التي تتم بين المدرسة وبين مؤسسات أخرى، كما يهتم بالشروط الاقتصادية والطبيعية التي تعيش فيها هذه المؤسسات، وتؤثر في شروط وجودها وتعاملها. 16" كما هو الشأن بالنسبة لتنظيم المنظومة المدرسية، وميكانيزمات التوجيه، والمستوى السوسيوثقافي لأسر المتمدرسين، وتوقعات المدرسين والآباء، وإدماج المعايير والقيم الاجتماعية من قبل التلاميذ، ومخرجات الأنظمة التربوية. 17" وبناء على ما سبق، يقصد  بسوسيولوجيا التربية ذلك الحقل المعرفي الذي يستعين بعلم الاجتماع في دراسة القضايا التربوية، في علاقة بمختلف المؤسسات المجتمعية الأخرى، على أساس أن المؤسسة التعليمية مجتمع مصغر يعكس، في جوهره، مختلف التناقضات الجدلية التي يتضمنها المجتمع الأكبر. مع تحديد دورها في بناء المجتمع، سواء أكان ذلك عبر التكييف الاندماجي أم عبر عمليات التغيير. أضف إلى ذلك أنها تهتم بفهم المدرسة باعتبارها بنية ودلالة ومقصدية. والتركيز على أهم الفاعلين في تحريك هذه المؤسسة التربوية، وتفسير دور المدرسة في المجتمع الليبرالي، من حيث تحقيقها لفرص النجاح والفشل، وعلاقة ذلك بالأصول الطبقية والاجتماعية. وهكذا، وافتحاص المنظومة التربوية في مختلف مستوياتها وأبعادها، بعد أن ارتبطت لمدة طويلة بالمقاربة السيكولوجية التي كانت تعنى بدراسة الظواهر الفردية، كالنمو، والذكاء، والتعلم. المطلب الثاني: أهميـــة سوسيولوجيـــا التربيــة ويعني هذا أنها تنشر نوعا من الوعي الاجتماعي في مقاربة الظواهر التربوية. ومن جهة أخرى، بل تخضع للتوجهات السياسية والحزبية والنقابية والإيديولوجية. وخاصة في مجال الفشل الدراسي، لتحمل المجتمع وبنياته نتائج ذلك. ولا ننسى أن سوسيولوجيا التربية تهتم بالتشديد على دور المدرسة في تغيير المجتمع، وتأهيل الاقتصاد، وتطوير المجتمع، وتحقيق الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، والقضاء على الأمية. ومن هنا، أصبح التعليم مشروعا مجتمعيا كبيرا في مجال التنافس بين الأمم، المطلب الثالث: علاقة علم الاجتماع التربوي بعلم الاجتماع العام يعد علم الاجتماع التربوي فرعا من فروع علم الاجتماع العام، نظرا لعلاقة المدرسة بالمجتمع والتنمية والتخلف. وأكثر من هذا، فثمة تأثير وتأثر متبادل بين هذين العلمين، وفي الوقت نفسه، يستفيد علم الاجتماع العام من قضايا علم الاجتماع التربوي، ونتائجه المختبرية والميدانية والتحليلية. كما يستفيد علم الاجتماع التربوي من معظم النظريات والمقاربات التي اعتمدتها السوسيولوجيا العامة، والبنيوية (لوي ألتوسير)، والبنيوية الوظيفية (بارسنز وميرتون)، والنسقية (كومبس وبودون وفالو). كالعلوم الاجتماعية ( علم النفس، والتاريخ، والأنتروبولوجيا، والعلوم الإنسانية (اللغات، والعلوم التطبيقية (الرياضيات، والفلك والهندسة، والطب، المطلب الرابع: أسئلــــة سوسيولوجيا التربية وقضاياها طرحت سوسيولوجيا المدرسة، عدة أسئلة وقضايا، مثل: سؤال الانضباط الاجتماعي أو دور المدرسة في التنشئة الاجتماعية مع إميل دوركايم. وبعد ذلك، طرح سؤال اللامساواة منذ سنوات الستين من القرن الماضي مع بيير بورديو، وكلود باسرون، وبريزنشتاين، ثم طرح سؤال يتعلق بتصرفات المتعلم وسلوكياته داخل المدرسة؛ وسؤال علاقات المدرسة بأولياء الأمور؛ وسؤال النجاح والإخفاق المدرسيين؛ وسؤال التوجيه التربوي أو المدرسي أو المهني؛ وسؤال علاقة المدرسة بسوق الشغل. وتنصب سوسيولوجيا التربية أو المدرسة على دراسة العلاقات التربوية؛ والأدوار التربوية؛ والجماعات التربوية، ليس في بلد معين، بل في العالم كله، وفي مختلف المجتمعات القديمة والحديثة، بل لها علاقة بالمؤسسات الأخرى، وعليه، تعنى سوسيولوجيا التربية بوصف النسق التربوي في علاقته بالمجتمع، وتشخيص مختلف الأدواء التي يعاني منها هذا النسق، مع إيجاد الحلول الممكنة لجل المشاكل التي تطرحها التربية أو المؤسسة التعليمية، وتقديم مقترحات استشرافية لمعالجة الظاهرة التربوية في منظور المقترب السوسيولوجي. المطلب الخامس: منهجية التعامل مع سوسيولوجيا التربية يمكن الحديث عن منهجين في دراسة الظواهر التربوية: منهج كمي ومنهج كيفي. ويعني هذا أن ثمة أبحاثا وكتبا ودراسات اعتمدت على المناهج التجريبية، والمقاييس الموضوعية، والإحياء السوسيولوجي. أي: تمثلت التحليل التجريبي القائم على الإحساس بالمشكلة، وتكرار الاختبارات، اعتمادا على الإحصاء الوصفي والإحصاء الاستنتاجي، ويعني هذا أن سوسيولوجيا التربية أمريكية أكثر مما هي بريطانية وفرنسية وألمانية؛ ودراسة المدرسة في علاقتها بالمجتمع، والأسرة،