أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز تقديم خبر ليس عليها وذلك لأن « ليس » فعل غير متصرف ؛ فلا يجرى مجرى الفعل المتصرف كما أجريت . ألا ترى أنك تقول : كان يكون فهو كائن وكن ، كما تقول : ضرب يضرب فهو ضارب ومضروب واضرب ، فوجب أن لا يجوز تقديم خبره عليه كما كان ذلك في الفعل المتصرف ؛ لأن الفعل إنما يتصرف عمله إذا كان متصرفا فى نفسه . فأما إذا كان غير متصرف في نفسه فينبغي أن لا يتصرف عمله ؛ فلهذا قلنا : لا يجوز تقديم خبره عليه ، والذي يدل على هذا أن «ليس» في معنى ما ؛ وكما أن ما لا تتصرف ولا يتقدم معمولها عليها فكذلك ليس ، ويحتج بما حكى عن بعض العرب أنه قال : « ليس الطيب إلا المسك » فرفع الطيب والمسك جميعا ، ولأنها لو كانت فعلا لكان ينبغي أن يرد إلى الأصل إذا اتصلت بالتاء فيقال في لست « لَيسْتُ » ألا ترى أنك تقول في صيد البعير ( صيد البعير » فلو أدخلت عليه التاء لقلت « صيدت الأصل وهو الكسر ، فلما لم يرد هاهنا إلى الأصل - وهو الكسر دل على أن المغلب عليه الحرفية ، فلا يعملون ليس في شيء ، وعلى كل حال فهذه الأشياء و إن لم تكن كافية في الدلالة على أنها حرف فهي كافية فى الدلالة على إيغالها في شبه الحرف ، ولأن الخبر مجحود فلا يتقدم على الفعل الذي جحده على ما بينا.