سيّان عندي إكثارٌ وإقلال لفرحي بالمال الذي أسديته إلي، • لكن رأيت قبيحاً أن يجاد لنا . • يقول: إنما شكرت لك لأني رأيت بخلي بقضاء الحق مع جودك علي قبيحاً. • قال ابن جني: لما وصلت في القراءة إلى هذا الموضع، قال المتنبي: هذا رجل حمل إلي ألف دينار في وقت واحد. • قال: وما رأيته أشكر لأحد منه لفاتك، • فكنت منبت روض الحزن باكره . غيثٌ بغير سباخ الأرض هطّال • يقول: كافئ الأمير الذي يفاجئ بإنعامه من غير وعد، وغيره يقول ولا يفعل: يعرض بكافور. • فرّبما جزت الإحسان موليه . فأنت أقدر على شكر من أحسن إليك. • وإن تكن محكمات الشّكل تمنعني . ظهور جريٍ فلي فيهنّ تصهال • الشكل: جمع الشكال. • يقول: إن كان ضيق حالي يمنعني من مكافأتك فعلا، فإني أكافئك قولاً يظهر ما في نفسي، كصهيل الجواد يظهر ما في نفسه من الشوق إلى الجري. • وقيل: معناه إذا لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور، سيّان عندي إكثارٌ وإقلال لفرحي بالمال الذي أسديته إلي، • لكن رأيت قبيحاً أن يجاد لنا . • يقول: إنما شكرت لك لأني رأيت بخلي بقضاء الحق مع جودك علي قبيحاً. • قال ابن جني: لما وصلت في القراءة إلى هذا الموضع، قال المتنبي: هذا رجل حمل إلي ألف دينار في وقت واحد. • قال: وما رأيته أشكر لأحد منه لفاتك، • فكنت منبت روض الحزن باكره . غيثٌ بغير سباخ الأرض هطّال • غيثٌ يبيّن للنّظّار موقعه . أنّ الغيوث بما تأتيه جهّال • موقعه: فاعل يبين، فيكون فاعله ضمير الغيث. • يقول: إن فاتكاً غيث يولي بإنعامه من هو أهله، فإذا نظر الناس علموا أن الغيوث جاهلة بما تفعله: من سقى المكان السبخ والطيب. • لا يدرك المجد إلا سيّدٌ فطنٌ . لما يشقّ على السّادات فعّال • يقول: لا يصل إلى المجد إلا كل فطن يراعي أحوال القضاء، ويتحمل المشاق التي تشق على سائر السادات. ولا كسوبٌ بغير السّيف سآل • يقول: لم يرث هذا المال الذي وهبه من آبائه فيجهل قدره، • ولا في قوله: لا وراث بمعنى غير: أي غير وارث. • قال الزّمان له قولاً فأفهمه . إنّ الزّمان على الإمساك عذّال • يعني: أن الزمان أيقظه بتصاريفه، وأمره بأن يهب كيما يكسب المجد والشرف، • تدري القناة إذا هتزّت براحته . أنّ الشّقيّ بها خيلٌ وأبطال • يقول: إذا تحركت القناة في يده، وهذه الأبيات من تمام قوله: لا يدرك المجد إلا سيد فطن. • لقد جلّ في أوصافه وخطابه . • القائد الأسد غذّتها براثنه . • يقول: هو يقود غلماناً رباهم بأسلاب أعدائه، وقوله: بمثلها أي غذتهم براثنه: أي سيوفه، بأسلاب أسود أمثالهم من أعدائهم، • القاتل السّيف في جسم القتيل به . • يقول: يضرب الفارس بسيفه فيقتله، وقوله: والسيوف كما للناس آجال أخده من قوله صلى الله عليه وسلم: لا تضربوا إماءكم بكسر إنائكم، فإن لها آجالاً كآجالكم والمصراع الأول مثل قوله: د حتّى قتلت بهنّ الحديدا • تغير عنه على الغارات هيبته . • يقول: إن هيبته تغير عن الممدوح غارات اللصوص: أي تبعدهم عن التعرض لماله، فماله يرعى في المرعى مهمل بلا راع، فلا يتعرض إليه أحد من الهيبة. • العير: حمار الوحش والهيق: ذكر النعام والأنثى هيقة، • يقول: إنه يقدر على اصطياد كل ما يختاره. • تمسي الضّيوف مشهّاةً بعقوته . فأوقاتهم كلها عنده طيبة كالآصال. • لو اشتهت لحم قاريها لبادرها . ولحم خراذل بالذال والدال: مقطع والواحد خرذلة. • قال الأصمعي: الشيز لا يعمل منه الجفان، وإنما تعمل من الجون فتسود من الدسم فتشبه الشيز، • يقول: لو اشتهت الأضياف لحمه لنحر لهم نفسه، • لا يعرف الّزرء في مالٍ ولا ولدٍ . • يقول: لا يغتم لشيء أصابه في ماله وولده، • يروى صدى الأرض من فضلات ما شربوا . • يقول: إذا رحل أضيافه أراق ما يبقى من شرابهم من اللبن والخمر، • تقرى صوارمه السّاعات عبط دمٍ . • العبط والعبيط: الدم الطري واللحم. • يقول: يريق كل ساعة دماً طرياً من أعدائه، فكأنه يقري الساعات بما يريقه من الدماء، • تجري النّفوس حواليه مخلّطةً . • النفوس: الدماء وقد روى ذلك أيضاً. • يقول: إنه يقتل الأعداء وينحر الآبال ويذبح الأغنام، فتختلط الدماء بعضها ببعض. • والتقدير: منها دماء أعداء ومنها دماء أغنام. • لا يحرم البعد أهل البعد نائله . • يقول: يصل نواله إلى القريب والبعيد، فلا يحرم البعيد نائله لأجل بعده، • أمضى الفريقين في أقرانه ظبةً . والبيض هاديةٌ والسّمر ضلاّل وآل الأمر إلى السيوف البيض، فهو أمضى الفريقين سيفا في ذلك الوقت. • يريك مخبره أضعاف منظره . بين الرّجال وفيها الماء والآل • يقول: إذا جربته في الحرب رأيت منه أضعاف منظره. • وقد يلقّبه المجنون حاسده . وقوله: إذا اختلطن قيل: أراد به الصفوف فأضمر، وقيل: أراد به خيله وخيل عدوه. • كان فاتك يلقب بالمجنون، • فيقول: إنما جنونه عند اختلاط الصفوف، • يرمي بها الجيش لا بدٌّ له ولها . • يقول: يرمي بخيله جيش العدو، • إذا العدى نشبت فيهم مخالبه . فإذا نشبت مخالب الأسد في فريسة، فلم يكن حينئذ حلم، • يروعهم منه دهرٌ صرفه أبداً . • يقول: هو على أعدائه كالدهر، بخلاف صروف الدهر فإنها تغتالهم ولا تجاهرهم. فما الّذي بتوقّي ما أتى نالوا • ما في قوله: فما الذي قيل: للاستفهام على جهة الإنكار، الذي في موضع نصب بنالوا والتوقي: مصدر توقي، وتقديره: فأي شيء نالوا بتوقيهم ما أتاه هو؟ يقول: أوصه إلى نيل الشرف الأعلى جرأته، فما الذي نال أعداؤه لما توقوا ما أتاه، وأشفقوا على أنفسهم؟ وقيل: ما الأولى نفي والثانية بمعنى الذي. • إذا الملوك تحلّت كان حليته . مهنّدٌ وأصمّ الكعب عسّال أو كان الأمر والشأن حليته مهند، ولو نصبت حليته على الخبر وجعلت مهنداً اسمها كان قبيحاً، • يقول إذا تزين الملوك بالحلل وأنواع الحلي فهو يتزين بسيفه ورمحه. • والعسال: الرمح المضطرب. • أبو شجاعٍ أبو الشّجعان قاطبةً . • يقول: من حقه أن يكنى أبا الشجعان قاطبة، وهو هول نمته أهوال من الهيجاء: أي ممارة الخطوب أعلت قدره وصارت نسباً له ينتمي إليه. وأهوال رفع بنمته ويجوز أن يكون أبو شجاع مبتدأ وأبو الشجعان خبره. • تملّك الحمد حتّى ما لمفتخر . • يقول: قد استولى على الحمد كله واستحقه بفضله، يعني لا يرضى من الحمد إلا بالسرابيل المضاعفة ويكفيه في الحرب سربال واحد. • وقيل: عليه لباس الحمد المضاعف، وقد كفاه الدرع وإن لم يكن الحمد، • رجل نال: أي كثير النوال. وقد أكثرت علي نوالك وغمرتني به، • لطّفت رأيك في وصلي وتكرمتي . • يقول: لطفت رأيك واحتلتفي إحراز ثنائي ومدحي، وهذه عادة الكرام بتوصلون إلى اكتساب المعالي بكل حيلة. • حتّى غدوت وللأخيار تجوالٌ . وللكواكب في كفّيك آمال • يقول: لما تلطفت في إكرامي ومدحتك فجال ذكرك بين الناس، • وهذان البيتان مدح أبو الطيب بهما نفسه! يعني: أنا كالنجم من بعدي من عطاء مثلك! فلما احتلت في إيصال برك إلي رغبت النجوم أيضا في نوالك. • وقد أطال ثنائي طول لابسه . • يقول: إذا مدح الانسان كريما كثير الفضائل طال حمده بطول كرمه، لأن المادح لا يجد ما يمدح به. • إن كنت تكبر أن تختال في بشرٍ . فإنّ قدرك في الأقدار يختال • يقول: إن كنت ترفع نفسك من أن تتكبر على الناس، فإن قدرك يختال على كل قدر ويتكبر على كل ذي فخر. • كأنّ نفسك لا ترضاك صاحبها . • ولا تعدّك صوّاناً لمهجتها . تفوق كل متفضل من الناس ولا ترضى أن تكون صاحبها حتى تفضل على كل ذي فضل، فأنت تقتحم على كل غمرة، • يعني: أن السيادة لا تتم إلا ببذل المال ومخاطرة النفس، • الشملال: الناقة السريعة الخفيفة. يعني: كل أحد يسعى على قدر همته ومبلغ طاقته، كما أنه ليس كل ناقة شملال. • إنّا لفي زمنٍ ترك القبيح به . • فصرنا في زمان لا خير عند أهله، فمن كف أذاه عن الناس فهو يحسن عندهم. • ولطف في قوله: من أكثر الناس حتى لا يدخل الممدوح. • ذكر الفتى عمره الثّاني، • يقول: ذكر الإنسان بعد موته يقوم له مقام العمر الثاني، • يمنعه عن جمع المال ويحثه على العلا. فأما ما ناله فلا حاجة به إليه. • قال ابن جني: قد جمع في هذا البيت ما يعجز كل من يدعي الشعر والحكمة والكلام الشريف، فينبغي أن يلحق بالأمثال السائرة. • غني النّفس ما يكفيك من سلخ حاجةٍ . • وهو قد استوفى جميع ذلك وزاد عليه بقوله: ذكر الفتى عمره الثاني. • وتوفي أبو شجاع فاتك بمصر ليلة الأحد عشاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمسين وثلاث مئة.