وأعيدت طباعته هذا العام، وقد راجعه كلٌ من المؤلفة وعاطف سليمان. لأنه يسد ثغرة في حقله المعرفي ويفتح آفاقًا جديدة للبحوث في المستقبل، لاحقًا، فالشاعر العذري يتغنى بجمال محبوبته الجسدي بكل عنفوانه، وأول يوم من أيام الآخرة، »(1) هل قال هذه العبارة لورعه فحسب، حتى في التفكير؟ نقرأ أيضًا في «الشعر والشعراء» لابن قتيبة: «وجميل ممن رضي بالقليل. وإني لأرضى من بثينة بالذي لو أبصره الواشي لقرَّت بلابلُه ولا بفيها ولا هَمَمْتُ بهِ يمكننا ملاحظة ظاهرة لافتة للنظر في التراث العذري على المستويين الشعري والسردي يمكن اقتفاؤها عبر فكرتين متناقضتين في تفاسير المصدر الواحد، فإذا سرد بعض الرواة قصصًا عن العشاق العذريين تقدِّم زعمًا ما عنهم، صاحب بثينة الذائع الصيت، إنك لم ترها بعيني، ولو نظرت إليها بعيني لأحببت أن تلقى الله وأنت زانٍ. 8) وبالمثل في فقرة أخرى في «كتاب الأغاني»، تطلب ليلى إلى امرأة أن تعاين جسدها وتقول لها عن المجنون: «أَصَدَقَ في صفتي أم كذب؟» فترد المرأة: «لا والله بل صدق. هي جوهر هذا الوصف، يقول لي الواشون: ليلى قصيرةٌ فليتَ ذراعًا عَرضُ ليلة وطولها وإنَّ بعينيها – لعمرُكَ – شُهلةً فقلتُ: كرامُ الطيرِ شُهلٌ عيونُها مُنى كبدي بل كلُّ نفسي وسُولُها(11) الأوصاف المتناقضة لبثينة مثلًا يدفع خريستو نجم إلى القول: «إن شخصية بثينة غاية في الإبهام والغموض، وأوصافها واهية الخطوط قليلة الغناء. وعفيفة وماجنة، ثم يعزُّونها بموت عشيقها ويترحَّمون عليه. فكأنها أعجوبة الكائنات وموحِّدة المتناقضات. »(12) إذا، ويبدو أن الأصفهاني كان يدرك ما تعكسه رواياته من غموض وتناقض، ولذلك اختار تخليصا بسيطا هو إسناد المسؤولية إلى الراوي، يحفل «كتاب الأغاني» بالروايات المتناقضة. ولا بد أن نتذكر هنا أن هذا الخلط لم يكن مقتصرا على أخبار العذريين ولا حتى على كتاب الأغاني، (14) ويتفق القاضي مع محمد أحمد خلف الله في تفريقه بين الراوي والمؤرخ، أما قصد الراوي فجمالي مداره على الفن». 15) وفي أخبار العذريين في كتاب الأغاني نجد، إذ يقول في مقدمة أخبار المجنون: «أنا أذكر مما وقع إليَّ من أخباره جُمَلا مستحسنة، برئت من عيب طاعن ومتتبع للعيوب». 16) فلماذا يضطر الأصفهاني إلى مثل هذا التبرؤ من أخبار ينقلها بنفسه؟ ذلك أن الاضطراب في أخبار المجنون يصل إلى حد إنكار وجوده نفسه: إنما يقتل العشق هذه اليمانية الضعاف القلوب. أخبرنا أحمد بن عمر بن موسى قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثني أيوب بن عبابة قال حدثني من سأل بني عامرٍ بطنا عن المجنون فما وجد فيهم أحدا يعرفه». 18) هناك إذا هذا الاضطراب في الأخبار الذي قد يصل أحيانا حد التناقض، بل نجدها تتجلَّى في القصائد العذرية مثلما تظهر في الأخبار المروية عن الشعراء؛ وذي العرش قد قبَّلت فاها ثمانيا صدودَ شموسِ الخيل صلَّ لجامها أخافُ عيونا أن تَهُبَّ نيامها(20) لعل المواقف التي قيلت فيها هذه الأبيات كانت مختلفة، ولربما قالها المجنون في مراحل متفاوتة من علاقته بليلى، التي يُحتمل أن تكون قد اتخذت أشكالا متباينة. فهو يؤكِّد الغموض الذي يكتنف فكرة الاتصال الجسدي بين العاشقين. يعترف ابن أبي ربيعة بأنه فعل كل ما قاله في شعره لكنه استغفر الله. إلى جانب الروايات الشائعة ثمَّة أيضا روايات أخرى أقل شهرة تكشف رؤى أخرى عن هذا الموضوع ذاته، لم يكن سؤاله هذا في الظاهر إلا اختبارا لعفتها، وأنهما بعد سماعهما هذا الحديث انصرفا بعد أن قال أبوها لأخيها: «قم بنا، 24) 25) إذ عادة ما تُعزى هذه العفّة إلى تأثير تعاليم الإسلام في موقف الشاعر، «الأغاني»،