يمكنه أن يقتلع جذوره حقاً من هذا الملكوت؟ أكتوبر 2004، أأنا في السادسة والثمانين من العمر ؟ أو أكثر ؟ أو أقل؟ من فضائل الشيخوخة أن ذاكرة الإنسان لا تحتفظ إلا بالجوهري. لكن ثمة يقين: إنني أحتفظ بألف عام من الذكريات. في ساعة الأصيل هذه والشمس تجنح نحو الغروب وأنا متربع على قمة هذا الكتيب مثلما كنت أفعل في شبابي تتراءى لي تلك الذكريات، متتابعة على خط الأفق. أرى مدناً متداخلة في فروة الزمن، مدناً بجادات عريضة مستوحاة من مدن أخرى تنتصب هنا، على أرضي حيث لم یکن سوى دروب الريح. أرى ناطحات سحاب وحدائق حيث لم يكن ينبت غير الحصى، أرى مدارس وجامعات ومستشفيات ومتاحف، وكثيراً من أحلام أخرى أصبحت حقائق. أرى سراباً أصبح حجارة وفولاذاً. لكن القيام به كان شديد الإغراء. أخرجت من عمق الصحراء بلاداً يعرف أهل الغرب اسمها، فهل تعرفون اسمي أنا؟ حسناً، سأعلمكم به: اسمي زايد بن سلطان آل نهيان. صنعت أُمَّةً كما يُشكل الخراف الصلصال. بلغت ضفافاً زعم الجميع أن بلوغها متعذر. لم أفعل ذلك لمجدي أبداً، صحبتني ذكرى آبائي وأجدادي، أولئك الذين تحملوا بصبر أعباء حياة صعبة، اسمي زايد بن سلطان آل نهيان. أنا حفيد زايد الكبير. طوال قرون لم يطرأ تغيير يذكر على هذه المنطقة من العالم حيث ولدت تموجات الكثبان والشواطئ الفضية أنعم من المخمل في القرن الخامس عشر جاء البرتغاليون أسسوا وكالات تجارية في المنطقة، وطوروا تجارة اللؤلؤ والذهب ثم أبحروا بعيداً، ولم يتركوا وراءهم سوى مدافع برونزية ضخمة مصوبة نحو الأفق. ثم الأتراك العثمانيون إلىالمنطقة ولم يستطيعوا الاقتراب منا اقتصر حضورهم على حاميات صغيرة أقاموها على التخوم الغربية من الخليج العربي ثم استسلموا لخدر الرمال. وشهد القرن التاسع عشر وصول الإنجليز. وقد وضع مسؤولو المكتب البريطاني في الهند الخليج وبلادي تحت حمايتهم لمصلحة العرش البريطاني، في تلك الأزمنة البعيدة كانت قبيلة بني ياس - إحدى القبائل الكبيرة في شبه الجزيرة العربية - مؤلفة من عدة أفخاذ. تخيلوا آلافاً مؤلفة من السهول الرملية، والشجيرات التي أحرقتها الشمس مساحة شاسعة مخيفة لا يغامر باجتيازها سوى الأبطال. على طرف هذا الربع الخالي، ترن في رأسي تلك الأسماء هذا المساء كقرع طبول. رافقتني منذ ولادتي وستكون حاضرة في ساعة موتي. ولا نزال في أعماق نفوسنا بدواً. نحن صيادون جمالون مروّضو صقور شيوخ، الشعر ! آه! الشعر، لشدما أحببت هذا الفن في أوقات الوحدة والشقاء أو السعادة، تتفتق قريحتي بعفوية عن أبيات من الشعر كإيماض البرق في الليل. في الحقيقة من هو الشاعر إن لم يكن إنساناً يستشف من خلال ظلمات هذا العالم غير المرئي، علة وجوده ويلمح على نحو أفضل خيوط الفجر الأولى؟ أصغوا جيداً. اسمعوا هذه الأشعار المرتلة المكتوبة والمستظهرة، التي ينشدها الركبان في قلب القوافل وتأملوا الإبل المسحورة التي تنقل خطواتها على إيقاع القوافي. يتنقلون دون بوصلة معتمدين على الذاكرة ومهتدين بالنجوم ومعالم الطبيعة، حتى أن بعضهم كانوا مهرة في قص أثر إبلهم على الرمال: أين ذهبت ومن أين أنت ! لكن رغم احتفائهم بالأصالة وذكريات الجمال والخيول استقلوا سيارات الدفع الرباعي ليواصلوا المسيرة في الصحراء. حل التلفزيون مكان نيران المخيم. لسبب وجيه رفعت شعبي إلى مستوى الحداثة، وألفت بين جماعات متباينة بماضيها الحافل بالتنافس متفاوتة من حيث المكانة والثروة جمعتها وجعلت منها أمة واحدة. واليوم لدينا كل أسباب الحياة الحديثة وأنماطها، ونسافر عبر الأجواء، غير أن تقاليدنا ما زالت راسخة وعنيدة. كان جدي قد بلغ العشرين من العمر عندما أصبح حاكماً لأبوظبي عام 1855. كان يشع بالحكمة وبعد النظر. في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى صار جدي الشخصية الأكثر أهمية ونفوذاً مقارنة بسائر الشيوخ. طوال مدة حكمه المديدة - 55 عاماً - شهدت بلادنا فترة من النفوذ وعلو المكانة لم يسبق لها مثيل. لم يعتمد في تثبيت سلطته على القوة بل على التوازن الدقيق بين الحقوق والواجبات بالإضافة إلى تعزيز مكانته الشخصية وتوطيد الأمن الداخلي، قام هذا القائد الاستثنائي بإلغاء الرق، وتمكن من بسط سلطانه على العديد من القبائل التي كانت حتى ذلك الحين مخلصة لمنافسيه. كان هذا النجاح في إحلال الوئام بين زعماء يتطلعون إلى أن يكونوا سادة أنفسهم، وسادة على الآخر أيضاً، إنجازاً كبيراً في هذه البيئة الصحراوية القاسية حيث الحياة هي قبل كل شيء صراع من أجل البقاء. يا أهل الغرب أنتم الذين تعيشون فوق سهول وبقاع خضراء، حيث الأمطار غزيرة والحيوانات والنباتات في متناول اليد، لا يمكنكم أن تتخيلوا قسوة الصحراء التي عشنافيها. تهب فيها رياح جافة تتقلص منها شفاهكم وتتشقق وتملأ حبيبات الرمل الدقيقة أهدابكم فتبدو مقتلعة تاركة في العراء عيونكم المنقبضة من الألم. ومن الغريب أنني في هذا المكان بالذات أشعر بأنني في أفضل حال. وكلما أتاحت لي مسؤولياتي الفرصة كنت أقصد سفوح الكثبان الرملية لكي أستعيد أصالتي. وبينما أستعد لتسليم روحي إلى بارئها أشعر بعطش لا يرتوي إلى هذه الفضاءات حيث كل ما ليس ضرورياً يصبح زائداً وغير مجد. كنا منقسمين في تلك الأزمنة القديمة فئتين، فئة ترعى الماشية في المناطق الداخلية من البلاد، وفئة تجمع بين البر والبحر وتشكل الغالبية، تقصد الساحل حيث اكتشف كنز: اللولو. زهاء أربعة أشهر في السنة ابتداء من شهر مارس وحتى منتصف الصيف، كان الرجال يذهبون على متون سنابيكهم، بحثاً عن اللآلئ التي سماها أحد الشعراء «دموع الآلهة»، وغالباً ما كانوا يقصدون مغاصات اللؤلؤ المشهورة بغني (1) جمع «شنبوك»، وهي سفينة شراعية كانت تستخدم للغوص على اللؤلؤ في منطقة الخليج (ملاحظة من المترجم من الآن فصاعداً تختصر إلى: م. م. وكانوا يطلقون عليها اسم «الهيرات». كانت تلك فترة الازدهار الكبير. كان الغواصون يعملون طوال اليوم. يستعينون بحجر كبير لتسريع نزولهم، وعندما يوشك الهواء على النقاد يرفعون إلى السطح بواسطة حبل يسحبه أحد البحارة على الزورق هذه هي مهمته يبقون تحت الماء ما بين دقيقتين إلى أربع دقائق يجمعون خلالها بواسطة قفازات جلدية الأصداف التي يضعونها في سلال معلقة بأوساطهم. لا يمكثون طويلاً تحت الماء، لكن كثيراً منهم يصعدون وأنوفهم تنزف دماً، زد أن بعضهم كان يبقى مثقلاً بالدين حتى نهاية حياته، لكن هذا هو الواقع. وأن نبقى أحياء. شقيق الصحراء، ولكن التمور أيضاً، ثمرة النخلة المباركة الوفية التي تشبه أهلها انتماء وصبراً وجلادة وعطاء. كان جدي شغفاً بالزراعة والري، مدركاً أنهما شريان حياة في بلاد يندر فيها الماء أو يكاد ينعدم يصبح العثور عليه الهاجس الدائم. الماء ذهب الصحراء. ما إن تنزل القطرة الأخيرة على شفاهنا حتى ندرك أن القيمة الحقيقية للحياة تقاس بقدرتنا على مقاومة العطش. هبة من الله العلي القدير. لكنه كان في سبات تحت الرمال منذ آلاف السنين. يجب إذن إخراجه من تحت الرمال، هذا ما تفرغ له جدي. وفي ما بعد، عندما جاء دوري تابعت عمله وطورته. ابن الصحراء، الذي تعلم القراءة متأخراً إلى حد ما، اليوم، أعتقد أنني عثرت على الجواب: أعط، وأحب. هل من قوى تقارن بالحب والعطاء؟ من لم يُصب أبداً بهذه الحمى لا يمكنه أن يفهمني. في ساعة الاستذكار هذه ألقي نظرة عن طريق الفكر على أبنائي، إنهم اليوم رجال أفخر بهم. سلامة بنت بطي، من قبيلة القبيسي الكريمة. لقد بثت في وجداني مبدأ ثابتاً: ألا أختار العنف أبداً. وأن أفضل السلام على النزاع دوماً. كانت مقتنعة بأن الشر لا يقضى عليه إلا بالخير وحده. أكان يوماً من أيام الربيع أو الخريف ذلك اليوم الذي استدعتنا فيه، دعتنابوقار إلى الجلوس وخاطبتنا قائلة: «احلفوا يا أبنائي، حلفنا، وأحزان أعمق من البحر. و خسائر، متى خرجت؟ أي أمير، أي ملك،