الفلاحة هي عملية إنتاج الغذاء، والعلف والألياف والسلع الأخرى عن طريق التربية النظامية للنبات والحيوان. وقد عرف العرب علم فلاحة الأراضي، ويمثله المصطلح اللاتيني Agricultura Agri من الكلمة الاتينية ager أي حقل و cultura تعني "حراثة" بمعنى حراثة التربة أو الأرض للزراعة، وكانت الفلاحة علامة شديدة الأهمية في التطور الحضاري للمجتمعات. قام المزارعون المسلمون خلال عصر الحضارة العربية الإسلامية بتطوير التقانة الزراعية ونشرها، وتتضمن نظم الري المبنية على استخدام الماكينات مثل السواقي، كما قام المسلمون بكتابة كتب إرشادية زراعية يمكن تطبيقها وتعديلها حتى تناسب الأماكن والمناطق كافة. ومحاصيل استوائية مثل الموز الذي جلبوه إلى إسبانيا. فقد حثت العديد من الآيات الكريمة على التفكر في أمور الزراعة، وَفَاكِهَةً وَاباً • مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ، كما جاء في سورة إبراهيم: اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ * وغيرها من الآيات الكريمة، صراحة أو بأسلوب المؤلف، مثلما كتب عبد الغني النابلسي في مطلع كتابه: "الحمد لله الذي أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض، كما يخرج الخلائق يوم العرض. كذلك نص ابن كتان ( ت ۱۱۲۰هـ / ١٧٨٥م) في مطلع كتابه: الحمد لله الذي أنزل من السماء ماء، يوم العرض"، وتوضح المخطوطات المتعددة أثر الدافع الديني لهم للبحث والتدقيق في أمور الفلاحة. مثل عبد القادر الخلاصي ( ت ۱۲۰۰هـ / ۱۷۸۵م) مؤلف كتاب عمدة الصناعة في علم الزراعة، بدأت تلك المرحلة بترجمة معارف الحضارات القديمة في مجال الفلاحة، وبلاد الرافدين، التي سجلت تقدمها الزراعي في العديد من الكتب، ولعل أهمها وأكثرها انتشارا وتأثيرا هو كتاب "الفلاحة النبطية". يرجع كتاب الفلاحة النبطية إلى عهد الكسدانيين ( الكلدانيين)، نقلا عن مصادر أقدم منه بكثير وضعها صغريت، وبنبوشاد، وقد ترجمه إلى العربية ابن وحشية النبطي عام ٢٩١هـ / ٩٠٤م، كما تضمن أجندة للزرع والغرس، تتضمن مواعيد زراعة كل محصول ومواعيد حصاده، وقد ذكر ابن وحشية هدفه من ترجمته: "ولم يكن قصدنا من هذا الكتاب الا منفعة الناس منه وبه، ١٢٦٥هـ / ويشير هذا التتابع للنشر إلى أهمية الكتاب وتوالي استخدامه ونسخه لفترة طويلة. وهناك كتب جاءت لتضم خلاصة تلك المؤلفات، مثل كتاب " الدر الملتقط من علم فلاحتي الروم والنبط"، الذي ضم ۲۹ بابا تضمنت خلاصة علوم النبط، وركز على وسائل مقاومة الحشرات وأمراض النبات، وأدوية رعاية النباتات والحيوان، ويبدوا أن النقل والاستناد إلى كتاب الفلاحة النبطية كان سائدا، لهذا حرص مؤلف أحد الكتب على نفي استخدامه لكتاب الفلاحة النبطية، لكنه أشار إلى أن محتوى كتابه من كتب يونانية ومن مناجم حكمة فلاسفة اليونان ، وهو كتاب يضم ما وصل له علماء اليونان والرومان في علوم الفلاحة، وقد جاء في مقدمته: "هذا كتاب قسطوس الفيلسوف الرومي في الزراعة وما يتعلق بها مما لا يستغنى عنه الزارعون، ويشتمل على ۱۲ جزءا ، ترجمه سرجس بن هلبا ١٢. وتطوير العلماء لتلك النوعية المعجمية عن النباتات المختلفة، وقد ظلت المصادر المترجمة مرجعا أساسيا لمدة طويلة للباحثين، ولما وقفت على فلاحة ابن الوحشية وفلاحة الروم وغير ذلك، وزرعت وغرست وجربت واطلعت على منافع وعجائب وغرائب لا ينبغي لعاقل أن يفرط في مثلها، ثانيا : الخلاصات والملخصات وبالتالي بدأ العلماء في اختصار العديد من المؤلفات واقتصارها على ما يهتم به الفلاحين في مكان ما وزمان آخر ، ففي المجتمعات الصحراوية يلزمهم البحث عن الماء وحفر الآبار، وهكذا بدأت مرحلة ثانية لإنتاج ملخصات وخلاصات لأجزاء معينة من تلك المصادر الكبيرة. لعل كتاب الفلاحة النبطية لابن وحشية النبطي كان اكثر الكتب اختصارا، بل ان كل مختصر له تتعد النسخ المعروفة منه، ومن المختصرات التي تداولت لفترة طويلة ما كتبه بن كتان ( ت ۱۱۲۰ هـ / ١٧٨٥م)، رسالة البيان والصراحة بتلخيص كتاب الملاحة، فأشار ابن كتان أنه " يتضح من العنوان أنه تلخيص للكتاب الموسوم بجامع فرائد الملاحة في علم الفلاحة، مثال ذلك مختصر لمؤلف مجهول لكتاب "الفلاحة لابن العوام الأندلسي " ، ثالثا : مرحلة الابتكار والإضافة العلمية حض فيها العلماء على الفلاحة، وشجعوا الاشتغال بها، وعرضوا المسائل الشرعية وتناولوا مواضيع الفلاحة نظريا وعمليا مثل الطنغري ) كان حيا ٤٨٠هـ / ۱۰۸۷م). أما ابن البصال فقد اعتمد على تجاربه الخاصة، وقد قسمها إلى ستة عشر بابا ، وتعددت مجالات البحث والدراسة في علم الفلاحة، وتوجد قائمة بأهم المصادر المخطوطة التي رجعت لها الدراسة في نهاية البحث، وتنوعت مجالات البحث فيها كمايلي. تناول علماء المسلمين أركان الفلاحة بالبحث والدراسة والتأليف وهي : الأرض وخصائصها. - السماد وخدمة الزرع. -٤ أقسام الثمار والنبات. وكيفية التعرف على كل منها، وما يصلح منها للزراعة وما لا يصلح، كما أشار العلماء المسلمين إلى كيفية حرثها وإفلاحها وقلبها وإصلاحها، وما يلائم كل نوع من الزروع، وما لا تحتمله من أنواع النبات ". وتفاوت قيمتها واختلاف قطائعها، وأصناف مزروعاتها وأصناف مزروعاتها ومواعيد كل صنف، هنا ترصد من مطلق تحصيل الخراج على تلك الأراضي". عن أحكام السواقي المشتركة المياه، وأحكام تعطيل المساقي، وأحكام النساقي وعمارتها، وبالتالي يدرس خصوصية المجتمع اليمني الزراعية". ٢ - الماء . وأشاروا إلى أن إصلاح النبات بصلاح الماء"، وكيفية السقي وكميات المياه التي يحتاجها كل محصول من المحاصيل، درست المياه الجوفية، والنباتات التي تبين وجود المياه الجوفية، والأراضي قليلة المياه، كما تذكر الموازين التي اخترعها المؤلف، وحفر الآبار وحفظ القنوات من الخراب، فبحثوا صفات الآبار، وغنباط مياهها وأسمائها والاستسقاء منها، ونوعية المياه المنبطة منها وكثرتها وقلتها وكذا عرش البئر ومقام السقي منها، كذلك أفردت الهندسة الميكانيكية (علم الحيل) فصولا لتقنية رفع الماء ونقله لخدمة الفلاحة، الجزري بعدة أشكال لآلات ميكانيكة لرفع الماء من عدة مستويات من ماء غمرة، وبئر ليست عميقة، ورسم آخر لآلة ترفع الماء نحو عشرين ذراعا بدولاب من الماء، وهكذا كانت تكنولوجيا رفع الماء حافزا لتقدم علم الحيل"، ولم يقتصر الأمر على الجزري، لكن كتب ابن اللبان كتابا مماثلا، وموسى بن شاكر الذي بحث في صناعة الأواني لبدء أو إتمام حركة معينة ذاتية أو أوتوماتيكية، كما رسم محمد بن كذلك كانت الأنهار موضع اهتمام العلماء المسلمين، والأنهار المتفرعة منه مثل نهر يزيد وثورا، ونهر المزة وباناس وداريا وداعيه"، وحظيت أنهار دمشق بالعديد من المؤلفات ظلت متداولة حتى القرن التاسع عشر ، وحدد العلماء الأنهار التي يمكن الشرب منها وما لا يمكن استخدامها الا لري البساتين فقط، - السماد وخدمة الزرع. وأنواعه مختلفة، فقد شرح ابن حجاج الأدلسي أنواع السماد وخدمة الزرع باختلاف أنواعه ومواسمه ، كما تضمنت كتابات العلماء المسلمين جداول زمنية لخدمة الزرع"، فهي أشبه بأجندة موسمية لكل نوع من أنواع الزروع، أما التجيبي (ت ١١٧٧هـ / ١٧٦٣م) فقد عدد أركان الزراعة بخمسة أركان وهي الارض وردئ الأرض والاستدلال على طبع الأرض وطعمها وتقسيمها، وثانيها هو الماء، وثالثها هو الزبل ) السماد)، ورابعها هو العمل والماء وتقسيمها بأقسام الثمار والنبات، وتقسيم ما يضعه الفلاح في الأرض، والقضبان والأغلال والبقول وأنواع أخرى من التراكيب وخصائص طبية لبعض النباتات واستعمالاتها، أما رضي الدين العامري ( ت (٩٣٥هـ / ١٥٥٨م) ، من كل تركيب عجيب وتعظيم غريب، وتوليد وتشكيل وتحسين وتجميل، وحفر الآبار والأنهار وصفات العمال في جميع الاعمال، ووضع الطلمسات وادخار الفواكه والأقوات وامارات الخصب وعلامات الجنب وغير ذلك من المنافع والفوائد، والنوادر والملح والفوائد وسميته جامع فرائد الملاحة في جامع جوامع فوائد الفلاحة، وبينوا كيفية غرس الأشجار وحددوا قوانين الغرس، وتحسين إنتاجها ". وبالنسبة للحبوب حدد العلماء موعد زرعها وحصادها واختيار التربة المناسبة لها، وزراعة المنابت والبذور المستعملة والبقول ذات الأصول المستعملة، وأنواع الرياحين والأحباق والزهور وغيرها . مثل دراسة مخصصة لحبة البلاذر " وأخرى للقهوة، وغيره من النباتات المخدرة، فذكروا فوائدها ووصفها مثل المشمش والتفاح والإجاص والخوخ والعنب والرمان، كذلك . العلماء المسلمين الأطعمة المناسبة لكل مرض من الأمراض " نخرج منها ما يوافق كل مرض من الأمراض درس الجزئية والأورام والبثور والزينة وكل مزاج من الأمزجة، كما كتب العلماء المسلمين سلسلة من الدراسات حول الأغذية وحفظ الصحة، ووصفو الغذاء السليم بأنه طب الشفاء. أما أهم كتاب يبحث في مفردات المركبات والأدوية مرتبة على شكل معجم فهو كتاب داود الانطاكي"، ه - أمراض النبات وتحسين إنتاجه. درس العلماء المسلمين أمراض النبات وتحسين إنتاجه، وقدم علاجا للأشجار والخضر لتي ذكرها من الأدواء والأمراض ان نزلت بها مثل التفاح والاجاص والترنج والأترج والليمون والعنب والتينها والتوت والزيتون، كما قدم العلاج للبقول والخضر ووصف ما يطرد النمل ويدفع مضاره. ومواعيد الغرس والنقل وتفادي مشكلات النباتات المختلفة في كتابه أيضا. وقد أفرد العلماء المسلمين فصولا لتحسين النباتات مثل ابن بصال ( عاش قبل ٤٦٧هـ / ١٠٧٤م) الذي كتب فصلا كاملا حول تشمير الثمار ) تشذيب الأشجار)، كما سجل العلماء المسلمين أنواع الأشجار المطعمة، وكيفية غراستها، وقطع القضبان للتركيب والانشاب، والأشجار المؤتلفة بعضها مع بعض، أما ابن العوام فقد أفرد الفصل الثاني والحادي عشر في كتابه " الفلاحة في الأرضين في ذكر الزبول وأنواعها، وتدبيرها، وفيه تسمية الأشجار والخضر وأنواع الأرض التي بها الزيل، كما بحث في صفة العمل بتزبيل الأرض والأشجار المغروسة وغير المغروسة وما يوافق كل نوع منها من الزبول، فقد أفرد ابن العوام أربعة فصول في كتابه للحيوان من خمسة وثلاثين فصلا من فصول كتابه، واختيار الجيد منها، ومدة حملها، وعلاج بعض أدوائها وعللها ومعرفة سياستها، وغير ذلك من مصالحها. ثم درس حيوانات الركوب وأفرد لها فصلا كاملا متناولا فيه اتخاذ الخيل والبغال والحمير والإبل، والاستعمال في أعمال الفلاحة، وقدر أعمارها، وسقيها بالماء ووقته، وصفة العمل في رياضة أمهارها، واصلاح ما يحدث في أخلاق بعضها من عيوب مثل الحران، وفيه أما أمراض الحيوان وأدوائها بالأدوية السهلة الموجودة فقد أفرد له ابن العوام فصلا كاملا، شرح فيه العلاج باليد مثل التوديج والتصدير والتخنج والتكحيل والتنجيد والتغريب وفتح العروق، ويسير من الكي بالنار، وذكر العلامات الدالة على تلك العلل والأدواء وهو الفن المعروف بالبيطرة. وفي البساتين والضياع والجبال، مثل الحمام والأوز والبطرك والطواويس والدجاج والنحل المعسل، ومعرفة الجيد منها وسياستها وتدبيرها، وقد اهتم العلماء المسلمين بالنحل، وتربيته، واستخرج العسل وأمراضه وعلاجه وفنونه. أما الكلاب فكان لها فصل خاص، شرح فيه اقتناء الكلاب المباح، وعلاج أدوائها، وقد أفردت بعض الأعمال لتربية الحيوان الأليفة، حيث أقر المؤلف أنه قام بتجميع ما يتعلق بالحيوانات الأليفة من الكتب اليونانية ومن مناجم حكمة فلاسفة اليونان، وأسمه قطعة من كتاب في الفلاحة وتربية الحيوانات الأليفة ، والتوظيف العملي للعلم، حيث يمكن أن يقتنيه من يهتم بالحيوانات الأليفة فقط. تواصل الأجيال تعاقبت الأجيال في الأسرة الواحدة من علماء الفلاحة فعلي سبيل المثال أشار الملك الأفضل العباس بن علي بن داود بن يوسف عمر بن رسول الغساني ( ت ٧٦٤هـ / ١٣٦٢م) أنه قد اعتمد في تأليفه لكتابه على مؤلف والده المسمى " الإشارة في علم العمارة"، وهو ما يدل على تواصل الأجيال وتطوير كل جيل لمؤلفات أجداده، الخاتمة اهتم علماء المسلمين بعلم الفلاحة منذ فجر الحضارة العربية الإسلامية،