**مقدمة: الأزلي والحادث** يستهل النص بتعريف "الأزلي" بأنه القديم الذي لا أول لوجوده، ويوضح أن القديم على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، فهو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية. في المقابل، "الحادث" هو ما كان وجوده مسبوقاً بالعدم، أي لم يكن موجوداً ثم وجد بعد ذلك. الفارق الأساسي هو أن القديم لا بداية له ولا يسبقه زمان، بل الزمان منفي عنه قطعاً، بينما الحادث له بداية وسبقه الزمان. الموجود الأزلي والأبدي هو الذي ليست له بداية، وجوده بذاته ومِن ذاته، غنيٌ في وجوده غير مفتقر لشيء آخر، فاعلٌ غير منْفَعِل، مؤثِّرٌ غير متأثّرٍ، ليس له نهاية، وليس محلاً للحوادث والتغيّر والتبدُّل. هذا المفهوم للأزلي متّفَقٌ عليه بين المؤمنين والماديين؛ فالمؤمن يؤمن بأن الخالق لا بد أن يكون أزلياً أبديّاً، وأقام على ذلك أدلة عقلية ونقلية وعلمية على أن الله واجب الوجود، أزلي، أبدي، غني بذاته. أما المادي فيدعي ذلك في المادة، لكنه مجرد ادعاء لم يُثبت بدليل من العقل أو العلوم الحديثة، والحقيقة أن المُطالَب بالدليل والإثبات هو المُدّعي لأزلية وأبدية الكون. **نشأة الكون: دحض الأطروحات المادية** يتناول النص أربع فرضيات مادية تحاول تفسير نشأة الكون، مع الإقرار ببدايته، لكن دون التسليم بوجود إله: 1. **فرضية العدم:** تقوم على أن الكون وُلد من العدم. تُرفض هذه الفرضية عقلياً؛ لأن العدم لا شيء، واللاشيء لا يولّد شيئاً، فالعقل يكذبها. 2. **فرضية الصدفة:** تزعم أن الكون حدث صدفة. تُعد هذه الفرضية غير علمية ولا يمكن الاستناد إليها. يُوضح النص ذلك بأمثلة حسية: كادعاء أن انفجاراً في مخزن خردة سيارات ينتج طائرة نفاثة من طراز معين صدفة، أو انفجاراً في مطبعة يولد قاموساً لغوياً جديداً صدفة، أو عبث بعوضة على لوحة مفاتيح كمبيوتر ينتج شعراً بديعاً. ويُعلق الفيلسوف «كولينز» بأن احتمال الصدفة (10^-123) رقم لا يمكن تحققه أو حتى كتابته، مما يؤكد أنه احتمال غير علمي. 3. **فرضية القوانين:** يرى الكثير من الماديين أن القوانين الحاكمة للقوى الأربع (الجاذبية والنووية والكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة) هي التي أوجدت الكون. تُرد هذه الفرضية بأن القوانين تحتاج إلى مكان وزمان وطاقة ومادة لتعمل، فكيف تكون هي الموجِدة لهذه العناصر التي هي أساس عملها؟ القانون لا يوجِد شيئاً، بل الكون هو الذي احتضن القانون، والقانون مرهون بخصائص كونية محددة كسرعة الانفجار وقيمة الثابت الكوني. 4. **فرضية خلق المفردة لنفسها:** طرحها «أدكينز» بأن الزمكان شكّل ذاته أو خلق نفسه. هذا الادعاء مردود عليه بأنه من المستحيل أن يؤثر شيء قبل أن يوجد، فكيف تخلق النقطة المفردة نفسها قبل وجودها؟ ويتعجب النص من أنهم يفترضون لكل شيء سبباً، لكنهم إذا جاؤوا إلى أول حادث (انفجار الكون) يقولون لا سبب له، وهو تناقض واضح يهدد أساس العلم والمنطق. **أدلة حدوث الكون (نقض الأزلية):** يقدم النص العديد من الأدلة العقلية والعلمية الحديثة التي تثبت بطلان أزلية مادة الكون وصورته: **أولاً: الأدلة العقلية:** تتنوع وكثيرة، وأبسطها إثبات حدوث العالم من خلال ظاهرة التغيّر الملازمة لكل شيء فيه. التغيّر هو نوع من الحدوث للصورة والهيئة والصفات. فالموجودات التي ندركها، بما فيها الإنسان، لم تكن موجودة ثم وُجدت، وتخضع لتغيرات دائمة ومستمرة في كل جزء من أجزاء المواد الكونية (من موت إلى حياة، وتغيّر في الأشكال والصور والصفات والقوى). لو كان أصل هذه الموجودات المادية هو الوجود الأزلي، لما كانت عرضة للتحول والتغيّر والزيادة والنقص، والبناء والفناء، ولما احتاجت في وجودها وتغيرها إلى أسباب ومؤثرات. فبما أنها تتغير وتحتاج لأسباب ومؤثرات، فلا يمكن عقلاً أن يكون أصلها الوجود الأزلي، بل العدم، ولا بد لها من سبب أوجدها. ويُشدد النص على أن التغير ملازم للحدوث؛ فإذا ثبت تغير شيء فهو حادث ويحتاج إلى محدث، وليست أزلية لتستغني عنه. **ثانياً: الأدلة العلمية الحديثة:** 1. **طبيعة المادة وحالاتها وتغيراتها:** المادة (كل ما له كتلة وحجم) توجد في أربعة أطوار رئيسية: الصلبة والسائلة والغازية والبلازما. التغيرات في المادة لها أشكال مختلفة: صيرورة (تغير في الجوهر)، نقلة (تغير في المكان)، نمو/ذبول (تغير في الكم)، استحالة/تحول (تغير في الكيف). هذه التغيرات المستمرة في المادة تؤكد أنها حادثة. 2. **تحول المادة إلى طاقة وبالعكس:** إنّ المادة يمكن أن تتحول إلى طاقة، والطاقة يمكن أن تتحول إلى مادة طبقاً لقوانين معينة. وهذا يدل على أن الوجود ليس صفة ذاتيّة ملازمة للمادة أو الطاقة؛ إذ لو كان الوجود صفة ذاتيّة ملازمة لهما، لما انفك عنهما. هذا يعني أن الوجود صفة عارضة للمادة والطاقة، وهذا يستلزم أن يكون لوجودهما بداية، أي أنهما مُحدَثتان ليستا أزليتين، وكل مُحدَث له مُحدِث. 3. **الكون مركب ومتغير:** الكون مركب، مثل المياه المكونة من الهيدروجين والأكسجين التي لم تكن أزلية بل تكونت من اتحاد عنصرين. كما أن الكون في حالة تغيير دائم ومستمر، ومن المعروف أن الشيء المتغير لا يمكن أن يكون أزلياً، ولهذا لا يمكن ادعاء أزلية الكون المتغير. 4. **الاستدلال العقلي النبوي:** استدلال منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، خاطب به الدهريين قائلاً: "أتقولون إن الليل والنهار متناهيان أم غير متناهيين؟ إن قلتم غير متناهٍ كان ما سبقك آخر ما لا أول له، وإن قلتم أنه متناهٍ إذن كان ولم يكونا." هذا الاستدلال يوضح أن تتابع الأحداث المتناهية (كالليل والنهار) يقود بالضرورة إلى بداية أولى للكون، فما له آخر لا بد أن يكون له أول. 5. **قوانين الديناميكا الحرارية (القانون الثاني):** من الثابت علمياً أن هناك انتقالاً من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، مما يعني أن الكون يتجه إلى حالة تتساوى فيها جميع الأجسام حرارياً ("الموت الحراري")، وعندها تتوقف العمليات الكيميائية والطبيعية. لو كان الكون أزلياً وبلا ابتداء، لاستُهلكت طاقات المادة وانتهت ظاهرة الحياة المادية منذ زمن بعيد. يشير فرانك آلن، أستاذ الفيزياء، إلى أن قانون الثرموديناميكا يثبت أن العالم يتجه إلى تلك النقطة، ولو لم يكن له بداية لكانت الحياة قد انقضت منذ أمد بعيد، فالشمس والنجوم والأرض الحيوية شاهدة على أن العالم حدث في زمان معين. علماء الطبيعة أعلنوا أن هذه القوانين دلتهم على أن للكون بداية، ولا بد له من مُبدئ تتصف صفاته بالعقل والإرادة واللانهاية، وتخالف طبيعته طبيعة المادة. 6. **ظواهر أخرى:** مثل ظاهرة تراجع المجرات وظاهرة الإشعاع والعناصر المشعة، كلها تدعم فكرة بداية الكون. الفلاسفة والعلماء الملحدون كانوا يدعون أن الكون لا يحتاج إلى خالق، مضيفين للمادة صفة الأزلية (لا يمكن خلق المادة من العدم، ولا يمكن إفناؤها)، لكن هذا ينافي الأدلة العلمية الحديثة. **الحاجة إلى الخالق: صفاته وضرورة وجوده** بعدما تقرر أن للكون بداية، يرى النص أنه لا بد له من قوة موجدة أوجدته، بمقتضى قانون السببية. هذا الموجد يتمتع بأربع صفات أساسية: 1. **لا سبب له (واجب الوجود):** لأن الخالق هو من أوجد قانون السببية نفسه، فلا يمكن أن يخضع له. السؤال "من خلق الله؟" خاطئ من الأساس. 2. **خارج الزمان والمكان والطاقة والمادة:** هذه العناصر الأربعة حدثت بالانفجار الكوني، فمن أوجد الانفجار أوجدها، وهو بذلك منزه عنها ومتحرر منها، فلا يحده زمان أو مكان أو طاقة أو مادة. 3. **مريد وقادر:** حدوث الانفجار الكوني قبل 13.7 مليار سنة في ظرف معين دون غيره، يدل على أن الموجد ذو إرادة مختار وقادر على الفعل والترك. 4. **كامل:** أوجد كوناً مليئاً بالعلم والحكمة والإبداع والحياة، و"فاقد الشيء لا يعطيه". فلولا كماله وحياته وعلمه وقدرته، لما أعطى هذه الصفات. يصوغ النص الحجة الكونية المنطقية: لكل حدث محدث، والعلم يخبرنا أن للكون بداية (عمره 13.7 مليار سنة)، إذن لا بد من مسبب لوجوده. المؤمنون يسمون هذا "برهان الحدوث" الذي يقر بوجود خالق كامل، حي، لا سبب له، منزه عن الزمان والمكان والطاقة والمادة، قادر ومريد. وتدعمه الآيات القرآنية التي تشير إلى خلق السماوات والأرض من العدم والتفكر في آيات الخلق. **دحض الاعتراضات على نظرية الانفجار العظيم والبدائل المادية:** يرفض النص الاعتراض على نظرية الانفجار العظيم بأنها مجرد "نظرية" غير ثابتة، مؤكداً أن هذا الاعتراض مبني على عناوين مثيرة ولا يقوم على حقيقة. بل إن سيناريو الانفجار الأوّلي العظيم موثّق بالقرائن العلمية المدعومة بالنبوءات الصادقة للعلماء، وهو بذلك تفسير علمي مدلّل عليه لنشأة الكون. كما يؤكد النص أن الانفجار العظيم ليس الدليل العلمي الوحيد لخلق الكون، بل جميع الدلائل المادية والرياضية تدل على أن للكون بداية. ويفند النص البدائل التي طرحها الملحدون لإثبات أزلية الكون وتفادي إشكالية الخلق من العدم: * **الكون نشأ من عدم لكن هذا العدم وجود مادي:** هذا تناقض عقلي واضح. * **كوننا هو الوجود المادي الوحيد لكنه يجدد نفسه:** دعوى باطلة تتعارض مع القوانين الفيزيائية ومفهوم اللاتناهي الذي لا مجال لتحققه في الواقع. * **كوننا جزء من كون أم (أكوان متعددة):** مجرد خيال بلا دليل مادي، وهذا النموذج لا يفر من التناهي الزمني لدخوله تحت "مبرهنة بورد وغوث وفلنكن" التي تقطع بأن كل كون متمدد فهو غير أزلي. ويُشار إلى أن طبيعة الانفجار الكبير ذاتها، حيث أدت إلى تشكيل وتأسيس كون منظم غاية في النظام، هي دليل إضافي على أن الكون خُلق بتقدير دقيق ووراءه يد قدرة وعلم وإرادة لانهائية تفوق الطبيعة، خلافاً لطبيعة الانفجارات المدمرة. أخيراً، يُلفت النص إلى أن الإمام أبا حامد الغزالي كان أول من حل مشكلة قدم العالم، مؤكداً أن الكون حادث وأن الزمان والمكان بدآ بعد خلق الكون لارتباط الزمن بالحركة. ويذكر أن القرآن الكريم يدعو للبحث عن علامات بدء الخلق في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.