الشكل على مستوى المعالجة الشكلية تستوقفنا مصادر الشعر النسائى على طبيعتين مختلفتين للمادة الشعرية ، فإذا ما جاءت مادة الشاعرة مرصودة فى ديوانها قلنا بإمكانية عمل إحصائي لهذا الديوان تستخلص منه طبيعة المنهج الفنى الذى سارت عليه ، ما غلب على فنها منه ، وبذا تحل مشكلة الديوان إذا كان موجودا ويكشف عن منهج صاحبته في الإبداع والنظم أما عند غير شاعرات الدواوين فإن الأمر يزداد غموضا إذ يظل رهنا بما رصدته المجموعات الشعرية لكل شاعرة على حدة ، وهو أمر يدفعنا إلى رصد ظاهرة اختلاف المصادر فيما سجلته من هذا الشعر الذي تناثر بينها ، ولا نكاد نتعرف فيها على رصيد بعينه يحسب ضمن شعر المرأة إلا ما جاء منه فى مواضع الاستشهاد أو تأكيد معلومة من المعلومات ، وذلك باستثناء المصادر التى جعلت النساء الشاعرات أساساً لمادتها وعلى هذا فإن المادة الشعرية تبدو متناثرة ممزقة ومتفرقة بلا نظام في المصادر القديمة ، مما نجده واضحا في توزيعنا للشاعرات اللاثى غلب على شعرهن البيت المفرد ، مما يدل على واحد من أمرين : إما أنه يشير إلى ضياع كم كبير من هذا الشعر وإما أن يظل علامة دالة على ضآلة إنتاج الشاعرة نفسها إذ تظل محصورة فى هذا الإطار الخاطف الذي يدفع بها إلى تسجيل الموقف في بيت مفرد لا تكاد تتجاوزه ، فهى تجربة تسجيل خاطرة تظل أقرب إلى أبواب النظم منها إلى الشعر حين يظهر عملا فنيا متكاملا يبدأ وينتهى مع بداية التجربة ونهايتها دور وعلى هذا لا تكاد تلمح أبعادا مؤكدة لتجربة الشاعرة في هذه الأطر المحدودة التي يعجز بيت واحد عن احتمالها. والبحث عن أبعادها وراء البيت المفرد قد يبدو أمرا عسيرا . ثم يأتى الشاعرات من أهل الرجز ممن اتخذن منه سبيلا إلى تسجيل إيقاع الحدث على أنفسهن . وهن يشتركن فى هذا مع وجود هذا الرجز فى شعر الرجال اتساقا مع مواقف معينة تندفع فيها الشاعرة إلى تصوير إيقاع حماسى فى ظروف حربية فلا يسعها إلا أن تنطلق انطلاقه الشعراء من هذا الوزن الشعرى المتميز وربما ارتبطت كل هذه المواقف فى سرعتها بطبيعة موقف الشاعرة سواء أكان يحكمها في ذلك عنصر السرعة أو الارتجال أم القول على البديهة، على أن التوقف عند هذه الأنماط السريعة يعد أمرا هاما له نتائجه فى كثرة هذه الأنماط الشكلية في شعر النساء بصورة تلفت النظر ، صحيح أن فى دواوين الشعراء رصيدا من المقطوعات والأبيات المفردة ، ولكنها لا تتحول إلى ظاهرة عامة تغلب على الشعر حتى يمكن الاعتداد بها في الشعر النسائي وفيها عدا البيت المفرد والرجز نلتقى بشعر المقطوعة وهو كثير جدا في شعر النساء ، ولعله يبدو شديد القرب من صدق التجربة إذ لا تلجأ المرأة فيه إلا إلى تصوير التجربة في شكلها الكامل مهما بدا النفس الشعرى لديها قصيرا ، فهي خاضعة بالدرجة الأولى لطبيعة التجربة أكثر من خضوعها لطبيعتها الشعرية التي قد تفرض عليها الإطالة والافتعال وتداخل المواقف مما قد يفقدها التوحد الموضوعي الذي نجده ظاهرة عامة سائدة في شعر النساء سواء من منهم . ولا تكاد المقطوعة لديها تحتمل إلا بعدا معينا لموقف تعيشه ، فقد ينظم غزلا في زوجها أو فى غلام أو غيره فتعرضه خجلا وحياء فى سرعة شعرية غير معهودة عند الرجال أطال في نظم الموقف الغزلى فى مقدمة قصيدة أو من قصد إلى تخصيص قصيدة كاملة تحكى مغامرة له فى عالم الغزل ، بل يخدش حياءها أن تكون مغامرة فى هذا الاتجاه بالتحديد ، فهى المطلوبة من الشاعر ، فإذا ما فرضت عليها الظروف ذلك فقد خضعت إلى ما ترفضه طبيعتها الأنثوية ، ولكن الرجل يتقدم إلى ممدوحه مسلحا بأدوات شعرية معينة اكتسبها وأتقنها وأعدها واستعد بها لإرضاء ممدوحه وإرضاء البيئة النقدية من حوله ، وهو يضع في اعتباره هذا الميزان ، ولذا يأتى بإعداد سابق يبعد به عن الارتجال والبداهة ومن ثم تختفى من شعرها قصيدة المدح في صورتها العامة التي شغلت النقاد وحددوا من خلالها المنهج التقليدي للقصيدة العربية بين مقدمات ورحلة وموضوع وخاتمة ، إذ يبدو بعض هذه العناصر غير متسق - بطبعه - مع الطابع النسائى لشعر المرأة ، وبذا تبقى المرأة بمنأى عن هذا المنهج العام لقصيدة المدح فهى لا تحترف - أصلا هذا الاتجاه، بل ربما بدت قصيدة المدح لديها أقرب إلى باب الشكوى أو هي نوع من الشكر والاعتراف بفضل من تتقدم لمدحه ، وفى كل الأحوال هي ا استجداء ولا احترافا على طريقة شعراء هذا الاتجاه ممن دفعوا النقاد إلى تشكيل أوه القصيدة العربية فى قالب ما بعينه لا تجده في شعر النساء لیست وما يقال فى تجربة المدح النسائية يقال أيضا فى قصيدة الهجاء التي ظلت قائمة كرد فعل سريع للمواقف العدوانية بين الشاعرة والشاعر ، أو حتى ربما أخذت شكلا هجوميا عاماً على خصوم قبيلتها وهى ـ آنذاك ـ ما زالت صادرة عن حقيقة تجربتها دون أن يحكمها منطق الإطالة ، فهذه ليست في حاجة إلى كل هذا ، فمن أني لها أن تتروى وتقف على القصيدة وصورها وعدد أبياتها لتنفحها وتعيد النظر فيها على ما كان يصنعه صانعو الشعر من الرجال ؟ أما فى قصيدة الرثاء فالموقف يختلف لا لأن لها شكلا تقليديا ، الا الذي تعمق التجربة الرئائية لتعرض فيها الشاعرة تجربتها بكل أبعادها وجزئياتها وتفاصيلها . وهذا هو ديوان الخنساء الذي راح معظمه فى هذا الموضوع أى فن الرثاء تبدو فيه شاعرة المقطوعة أولا وثانيا شاعرة القصيدة إذا تأملنا ما نظمته من قصائد في رثاء في أخيها صخر في قصيدة مطلعها ( ۱۲ بيتا ) : يا عين مالك لا تبكين تسكابا إذ راب دهر وكان الدهر ريابا یا وكذا ما قالته فيه من مرثية أخرى مطلعها (۲۰) بيتا) أعين الا فابكي الصخر بدرة إذا الخيل من طول الوجيف اقشعرت وعلى نفس العدد من الأبيات يأتى قولها في رثائه أيضا : عين جودی بالدمو ع المستهلات السوافح ثم قولها في مرثية أخرى فيه (۱۷) بيتا ) : لا تخلى أنني لقيت رواحا بعد صخر حتى أثبن نواحـاً وكذا مرثيتها التي تقول في مطلعها : يا عين فانهمرى بعذر وفيضى فيضةٌ من غير نَزْر ولعل أطول مراثيها فيه قصيدتها الرائية المشهورة ومطلعها (۳۲) بيتا) : قذى بعينك أم بالعين عوار أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار ويدخل في باب القصائد قولها فى إحدى مراثيها (۱۷) بيتا : أعينى هلا تبكيان على صخر بدمع حثيث لابكيء ولا نزر وكذا قصيدتها التي مطلعها : (١٥) بيتا) ذكرت أخي بعد نوم الخلى فانحدر الدمع منه انحدارا وعلى هذا المنهج تأتي قصيدتها (٢٥) بيتا ) : يا عين فيضى بدمع منك مغزار وابكي الصخر بدمع منك مدرار ومنها في رثائه (۱۳) بيتا ) : عينى جودا بدمع غير منزور مثل الجمان على الحدين محدود وكذا قصيدتها (٢٦) بيتا : يا عين جودى بالدموع الغزار وابكي على أروع حامى الذمار وقولها ( ١٥ بيتا ) : يؤرقني التذكر حين أمسى فاصبح قد بليت بفرط نكس وقولها (۱۲) بيتا) : یا عين أبكي فارسا حسن الطعان على الفرس وقولها (۱۲) بيتا) : ألا يا عين ويحك أسعديني لريب الدهر والزمن العضوض وقولها (۱۹) بيتا) : مرهت عيني فعینی بعد عطفة صخر وقولها في رثاء أخويها صخر ومعاوية : (۱۳) بيتا ) هريقي من دموعك أو أفيقى وصبراً إن أطقت ولن تطيقى وقولها : (۱۲) بيتا ) أمن حدث الأيام عينك تهمل تبكى على صخر وفي الدهر مذهل وقولها : (١٥) بيتا) يا عين جودى بالدموع السجول وابكى على صخر بدمع همول وقولها : (۱۲) بيتا) أعينى فيضى ولا تبخلى فإنك للدمع لم تبدلى ومن طوال قصائدها أيضا : (۳۰) بيتا) الا ما لعينك أم مالها لقد أخضع الدمع سربالها وقولها : (۱۲) بيتا) کل امرىء بأثافي الدهر مرجوم وكل بيت طويل السمك مهدوم وقولها : (۲۱) بيتا) بكت عيني وعاودها قذاها بعوار فما تقضى كراها فهذا الكم من القصائد يعد قليلا بقياسه إلى المقطوعات التي نظمتها في الرثاء أيضا وهى تتجاوز بستين مقطوعة إذا أدخلنا في حسابنا الأبيات المفردة التي نظمتها في إيقاعات مسرعة إزاء الموقف التي كان عليها أن ترد فيها وعليها يغلب الارتجال ومعنى هذا أن الغلبة تظل مسيطرة للمقطوعة على القصيدة وإن كان يلاحظ من حيث الشكل أيضا سواء فى ذلك القصائد أو المقطوعات أن الافتتاحية الرثائية تبدو مكررة لدى الشاعرة مما يصح مقارنته بمقومات القصائد لدى شعراء المدح ، وتلجأ الشاعرة إلى خطاب العين بديلا من خطاب الرفاق ، وربما سألت الرفاق مزيدا من النواح والندب للمرثى مع حرص واضح على التصريح فى مطالع القصائد ،