موقفا حائرا بين الرأيين تبانت مواقف الكثير من النقاد حو لهذه القضية فمنهم من ربط الشعر الحق بالصدق و نفى عنه الكذب ومنهم من جعل الكذب سببا لرفض الشعر ومنهم من وقف حائرا ازاءها لا يدري ماذا يقول ومنهم من اشتق لنفسة طريقا وسطا وأول من أثار القضية بوضوح حاسم هو ابن طباطبا فقد ربط الشعر بالصدق من نواحي مختلفة مثل الصدق في التشبيه و الصدق في الشاعر و الصدق في القصيدة ورأيه يتلاءم وأساس نظريته في تناسب فالتناسب هو سر الجمال و الصدق صنو للتناسب الجمالي في القصيدة ثم تناسب العمل الذهني بعرض على العقل ليقبله أو يحكم فيه و العقل لا يطمئن الا الى الصدق و هو يستوحش من الكلام الجائر الباطل و الصدق أيضا يعني السلامة من الخطأ في اللفظ و التركيب و المعنى وهذه أمور لابد أن تتحقق في القصيدة ، كذلك على الشاعر أن يكون صادقاً عن ذات نفسه وهو يكشف عما يختلج فيها ، صادقاً بالمعنى التاريخي حين يقص خبراً صادقاً على مستوى أخلاقي فلا ينسب الجبن للشجاع ولا يسمي الكريم بخيلاً ونحن اليوم نرى بخيلاً ونحن اليوم نرى في صدق الشاعر نموذجاً حسناً لما نسميه الاخلاص أو القضاء على المسافة بين ما يقوله وما يفعله ، وبما أن الأقاويل الشعرية قائمة على التخييل فليس فيها ما في الأقاويل البرهانية من صدق ، ولهذا قرن الفارابي بين الكذب والتخييل حين قال أما الأقاويل الشعرية فإنها كاذبة بالكل لا محالة ولكنه أضاف أن للأقاويل الشعرية قيمة العلم في البرهان أي كأنه يقول إن الصدق ليس هو العنصر الهام فيها وإنما هو التخييل أن ينهض السامع نحو فعل الشيء الذي خيل له فيه أمر ما ،