مصطلح التراث في الحضارة الغربية فإن الروح العلمانية ( غير الدينية ( المهيمنة على الفكر الغربي الحديث جعلته لا يميز بين الدين وبقية الإرث الحضاري ؛ بل هو يتعامل مع التراث على سواء بين ما مصدره الإنسان المخلوق وما مصدره الإله الخالق ، ويخضع الدين لهذا المنهج دون أية قداسة فالمشكلة إذن ليست في تعريف التراث كاصطلاح علمي حضاري ، وبالطبع فإن الاحتراز يقتصر على الوحي الإلهي ( الكتاب والسنة ) ولا يتعداهما إلى الفقه أو الاجتهادات الفكرية ؛ التي أثمرها العقل المسلم من خلال تفاعله مع الوحي الإلهي ، ومحاولته فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما . إذ لا ضرر من الانتخاب أو النقد عند التعامل مع المنظومات الفكرية والفقهية ، وما دام الدين يدخل في التراث ونحن نعيش الدين وقيمه ومقاييسه ؛ ما دام الأمر كذلك فلن يبقى ثمة مجال للتساؤل إن كان التراث شيئاً دارساً نريد أن نحيبه ، فحياتنا الحاضرة ليست منبتة الجذور ولا مجهولة الأصول ، بل إن وقوع المنطقة تحت دائرة نفوذ الحضارة الغربية القوي ولد تيارات فكرية معادية لحركة الإحياء ، مما ولد التناقضات في بنية المجتمع الإسلامي الحديث وأعاق نهضته الحضارية ، فالحضارة إنما تولد وتزدهر في مجتمع تحكمه أيديولوجية ، ما جدوى حركة إحياء التراث ؟ وتقوية الصلة بين حياتنا المعاصرة وجذورنا التراثية ؟ لقد طفرت الحضارة الغربية خلال القرون الأخيرة متجاوزة كل منجزاتنا التراثية في حقل الطب والفلك والرياضيات وفنون الصناعات . وإن كان الهدف من إحياء التراث العلمي الاعتزاز بمنجزات الماضي وبيان دورنا في الحضارة العالمية ، وأثرنا على الحضارة الغربية يوم أن ا كانت في مهدها ، فهو أمر معقول وهو يولد الاعتزاز بالذات ، مما له أثر في العلاقات مع عالم اليوم. أما النهضة العلمية الذاتية فيمكن أن ترتكز على روح التراث وحوافزه الروحية والفكرية أكثر من منجزاته العلمية والصناعية ؛ ولا بد من دراسات واسعة لمعرفة قيم التراث وأثر إحيائه على حياتنا العقيدية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. حركة الإحياء مختلفة بين الشرق والغرب وبين حركة الإحياء الإسلامية الحديثة. لقد سعى العلماء في عصر النهضة الأوروبية لتوثيق علاقتهم الفكرية والنفسية بتراث الرومان واليونان متجاوزین تاريخ النصرانية والكنيسة بسبب حالة العداء بينهم وبينها ؛ لذلك صاحبت حركة الإحياء حملة عنيفة على الكنيسة والنصرانية وقيمها. فهذه الظاهرة واضحة في الأدب الكلاسيكي ) أدب القرن السابع عشر ) الذي كان « يستوحي الآداب اللاتينية واليونانية ويستمد منها مادته ) . رغم أن بعضهم مثل « روسو » عبر عن إيمانه بالله وثورته وفي منتصف القرن التاسع عشر ظهرت المدرسة الجمالية التي أعلنت عدم الالتزام بقيم المجتمع الخلقية والدينية حتى قال « أوسكار وايلد » : ليس ثمة كتاب يمكن أن يوصف « باللا أخلاقي » : إذ ليس ثمة سوى كتب حسنة التأليف وأخرى سيئة التأليف (١٠). أما في القرن العشرين فقد سيطرت العبثية وفقد اليقين الديني ، ونجحت جهود حركة الإحياء الأوروبية في عزل الأجيال الصاعدة عن ، حتى قال : أندريه مالرو » في كتابه : ( إغراء الغرب ) عام ١٩٢٥م : « في اللب من الإنسان الأوروبي ثمة عبثية جوهرية تسيطر على اللحظات الكبرى في حياته . وقد أثر المسرح الغربي كثيراً في مجال نقد القيم الدينية في القرن العشرين ؛ فلا غرابة إذا ما عانت حضارة الغرب من الخواء الروحي والإفلاس القيمي ؛ ولا تزال الآداب الأوروبية حتى الآن ملتصقة بالأساطير اليونانية التي حظيت بالتحليل النفسي والأشكال الفنية الحديثة ؛ والأهم من ذلك أن قيم الحياة اليونانية والرومانية ، وما تحمله من عنصرية وصراع وحب للقوة وانغماس في المادة صارت نتيجة حركة الإحياء سمتاً للحضارة الغربية المعاصرة ، وقد تندمج ثقافياً في أحد التيارات الحضارية والثقافية العالمية القوية . وبالنسبة للمسلمين فإنهم يتعرضون لهذا التفكك ويندفعون بقوة مطردة نحو التيارات العالمية المتباينة ، وفي القيم العامة التي تحكم إلى حد ما - ولو على صعيد القيادات الفكرية - عملية التفاعل معه ثالثاً . فإن معظم التراث الإسلامي يتمثل في المكتبة العربية والتي ترجع بدايتها إلى فجر التاريخ الإسلامي ؛ عندما قامت حركة التدوين في القرن الأول ، ولا يعني ذلك غمط جوانب التراث الأخرى حقوقها أو التقليل من آثارها ، فإن الأعراف الاجتماعية والتقاليد والقيم الخلقية تتوارثها الأجيال اللاحقة وتكتسبها من الأجيال السابقة ، وكذلك فإن المخلفات المادية المحفوظة توضح المستوى الحضاري للأمة ومدى تنوع نشاطها في الماضي ، ولكن من الواضح أن المكتبة العربية هي أهم جوانب التراث الإسلامي ، وقد كتبت معظم المؤلفات بلغة أدبية رفيعة مما يرتفع بالذوق الأدبي والثروة اللغوية للقارىء ؛ الذي لا بد أن يتمتع بمستوى لغوي وثقافي مناسب ؛ ليتمكن من الإفادة من المكتبة العربية ( الكلاسيكية ) . وإذا كانت هذه الظاهرة من مزايا التراث - وهي كذلك ـ فإنها تؤدي إلى العزلة بينه وبين الجماهير التي تحتاج إلى تيسيره وتوطئته ؛ إذ ليس من المعقول أن نطالب الجمهور الواسع بالارتفاع إلى المستوى الفني اللازم للتعامل مع التراث في الوقت الذي نعرف تماماً أن معظم الأكاديميين يلقون صعوبات شتى في هذا المجال ؛ إن عملية نقل التراث إلى الأجيال المعاصرة ليست سهلة ، فإن احتمال التحريف المتعمد للقيم التراثية يعتبر من أبرز الأخطار التي اقترنت بما تم في هذا المجال ؛ والذي أدى إلى إحلال قيم ثقافية جديدة تتصل بالحضارة الغربية ولا ترتكز إطلاقاً على جذورنا الثقافية . تحتاج إلى أقلام تؤمن بعقيدة الأمة الإسلامية ، وتُقِرُّ بجدوى تجديد روح الأمة وقيمها بالارتكاز على جذورها الحضارية والثقافية . ويقوي التشتت والإحساس بالضياع وفقدان الهوية. إن ثمة صحوة لا بد من الاعتراف بها ومن تقويمها . ولا تعاني من مشكلة حذف مرحلة تاريخية معينة كما حدث لحركة الإحياء الأوروبية ؛ إن هذه النظرة الإيجابية التي تتسم بها حركة الإحياء الإسلامية الحديثة ذات أثر عميق في التعامل مع التراث. بل عدم الاتفاق على قواعد نشر محددة ، فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى تكامل المكتبة العربية القديمة ؛ مما يهيىء المجال أمام الباحثين للقيام بدورهم في التحليل والتركيب ؛ وفي الوقت نفسه دفع الحاضر إلى الأمام للحاق ببقية المتسابقين بالاعتماد على تقوية الجذور وتحديد الهوية خوفاً من الضياع في حلبة السباق. وأن يسودها روح التحدي للتخلف والتمرد على الواقع فالطفرات هي الوسيلة الوحيدة للحاق بالآخرين فضلا عن سبقهم وما دام الأمر كذلك فلا بد من دراسة التاريخ الحضاري العالمي وخاصة فترات الأزمات العصيبة التي مرت بالأمم ، ولا بد من أن تتحول الدراسات إلى روح عامة في الأمة ولا تقبع في مدارج الأكاديميين أو على رفوف المكتبات. وامتلأت جيوب هؤلاء بالمال على حساب التراث ومحبيه ، وجد أن السوق تعاني من سياسة الإغراق التي يستخدمها التجار بحيث لا يجد لكتابه مشترياً بعد أن اقتنى الناس نسخهم قبل صدور طبعته ، وأحياناً صور وه وباعوه بثمن أقل ؛ لأن كلفة التصوير وإمكانات الناشرين أقوى من المؤلف مما يُمكنهم من خفض الكلفة كثيراً . بحيث لا يتدخل المحقق في أعمال الطباعة والتسويق ، وإنما تنحصر جهوده في التحقيق العلمي للكتاب وتسليمه للمؤسسة التي تتولى مكافأته وإخراج كتابه وتسويقه ، إذ يمكن أن تتعامل مع دور النشر وفق شروط مناسبة ، وقد استمرت معاناة المؤلفين والمحققين منذ مطلع هذا القرن دون أن تتمكن الجهات المتخصصة من القيام بالمحافظة على حقوقهم المعنوية والمادية وحل المشكلات التي يعانون منها ، وقدرتهم على ابتزاز المحقق بحيث ينالون معظم الربح ، وكذلك « الروتين » القاتل في المؤسسات الرسمية وعدم ارتفاعها إلى مستوى المسؤولية . ثم عدم وجود اللوائح القانونية الكافية لحفظ حقوق التأليف والتحقيق وكثيراً ما يتولى إدارة هذه المؤسسات رجال لا علاقة لهم بالعلم ولا بالكتاب . مع بيان مدى خدمة كل مخطوطة للفن الذي ألفت فيه . إن المطلوب من المؤسسات المعنية بالمخطوطات ليس مجرد جمعها وإخراج عدد محدود منها إلى عالم المطبوعات ، فإذا كانت لدينا ثلاثة ملايين حسن مخطوطة كما تذهب بعض الإحصاءات الحديثة في شتى الفنون ؛ فينبغي أولاً ما إذا كانت تستحق كلها أن تبذل فيها الجهود للتحقيق أن ندرس والنشر. إن المحقق قد يمكنه إخراج عشرة كتب في حياته ـ بالمتوسط ـ ومعنى ذلك أننا نحتاج إلى ثلاثمائة ألف محقق يمضون حياتهم لإخراج هذه المخطوطات !! وبالطبع فإننا لا نمتلك على صعيد العالم الإسلامي