وعلى اية حال فإن هناك جملة خصائص أو مقاييس تبين لنا بنية المدينة City Structure ، وقد حددها خوردن تشايلد Gordon Childe على النحو الآتي : ظهور مستوطنات كبيرة الحجم كثيفة السكان، أنه في بلاد ما بين النهرين . والهند ، ومصر القديمة بلغ عدد سكان المستوطنات فيها ما بين ( ۲۰۰۷ ) الف نسمة . ان ظهور الفائض من الزراعة تطلب ظهور بعض الحرفيين والصناع من الأفراد الذين يتفرغون تماما لاحسان الحرف والنقل والتجارة والادارة والمعابد ، إضافة إلى وجود محاسبين واداريين ينظمون عملية تصدير الفائض الزراعي وتوزيعه كما تمخض عن النمو الحضري ان وجد نظام الضرائب من قبل الكهانة أو رجال الدين، والبيروقراطيون . وعادة تقدم الضرائب في شكل حبوب أو منتجات زراعية . التي تتركز فيها القوة السياسية والاقتصادية، وعادة كانت هذه المباني عبارة عن قلاع، ويلحق بها ايضا المحلات التجارية والورش وحلقات الدروس ، ومخازن حفظ الحبوب ، والمعابد . ه أن تراكم الفائض الزراعي والغذاء ساعد على تنشيط عملية التبادل والتجارة الخارجية مع المدن والبلاد الأخرى ، وقد كانت مدن مثل سامراء تعتمد على مصادر خارجية للمواد الخام التي تحتاج اليها في صناعاتها وحرفها . أديا إلى ظهور تمايز طبقي في المدينة ، اذ كانت طبقة القادة العسكريون، والكهنة ، تعتمد على الفائض الزراعي المخزن في المعابد ، مما جعلها مترفة وبعيدة عن انتاج الغذاء فأوجد هذا هوة طبقية بين الصفوة والجماهير . لقد تم الايضاح سابقا أن المجتمع البدائي أو القروي، او مجتمع الفولك (Folk Society) كان يتمتع بعادات وتقاليد تقيد حرية الانسان ويخضع فيه الضغط القرابة ، فهو يكتسب عضويته من العشيرة والقبيلة ، أما في مجتمع المدينة فكان عامل الاقامة بدلا من العامل القرابي اساسا لاكتساب العضوبة والمواطنة، لعل من دلالات التحضر، وشواهد النمو الحضري، ان برزت فئة من المتخصصين في مجالات الفن ، او وخير شاهد على ذلك ما تتمتع به المدن القديمة من مباني ومعابد مزخرفة ومزركشة . اختراع وسائل التسجيل كالكتابة والعد والقياس، واعتبر تشايلد أن معرفة الكتابة من العلامات الأولى للتحضر . كالحساب، والهندسة، ثانيا : ظهور المدن القديمة في العراق مرحلة التمركز الحضري مقدمة في علم الاجتماع الحضري نظريات ، مشکلات ، تطبيقات لاشك أن نشأة المدن في العراق القديم، هي الأخرى لم تكن ظاهرة فجائية ، بل مرت بمرحلتين ، كانت الأولى منهما تركيز جهود الانسان الاستغلال امكانات وموارد البيئة، للحفاظ على بقاءه ، وفيها ظهرت ملامح المدن الأولى . واصبحت مؤشرات التحضر واضحة في حدود ٤٠٠٠) قدم ، اور ، اوما ، لکش )، وتحولت هذه المدن إلى كيانات سياسية خاضعة الحكام محبين في حدود (۲۰۰۰) قدم، وهذا ما يسمى تاريخيا بعصر عالم راشد على فجر السلالات او دويلات المدن السومرية. الموسوي، مصطفی عباس ، ص ۱۰۳۹) إضافة إلى ادخال التحصينات في الزراعة وتربية الحيوانات، وتخزين الحبوب الصلبة التي يمكن أن تنتج بوفرة وتحفظ لمدة اطول بدون ان تتضرر. كما اسهم عامل الهجرة في تسريع عملية التحضر في وادي الرافدين فكانت الهجرات المتتالية التي جاءت من جزيرة العرب وانتشرت في مختلف انحاء الهلال الخصيب ، عاملا مهما في تطور الوجه الحضري للعراق القديم، والكلدانية الأرامية . اضافة للظروف الاقتصادية كانت الأوضاع الادارية والقانونية ، تمثل هي الأخرى معلما حضريا للمدن السومرية ، ونتيجة الدور القانون في حياة الفرد والمجتمع فقد اصبح نموذجا المؤسسات مشابهة بين شعوب أخرى التي دارت في وقت من الأوقات في ذلك حضارة بلاد الرافدين. وكان من بين هذه الشعوب العلاميون ، والحليون، وكان يعزى في أول من من لوائح قانونية في التاريخ إلى حمورابي، اعظم ملوك سلالة بابل الأولى التي يرقى تاريخها إلى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن السابع عشر قبل الميلاد، الا ان هناك من يؤكد أن شريعتين جديدتين اكتشفنا قبل شريعة حمورابي ، احداهما البت عشتار ) كتبت بالسومرية، والأخرى شريعة مدينة الشئونا ، وهي باللغة الاكدية . (سليمان در عامر ص ۹۱-۹۲) هذا ويتضح أن تخزين الفائض من الانتاج، وفتح القنوات، وبناء الطرق ، والهجرة، بررت حركة النمو الحضري وسرعة درجة التحضر، فكانت المدينة حصيلة ذلك. لكن المدن في العراق القديم لم تكن لتستطع أن تمتد بعيدا عن حدودها الموضعية ، أي خارج موارد المياه والانتاج الزراعي القروي وهذا يعني أن من شروط التحضر القرب من المياه والقرية ، لذلك يفسر أن أحد أسباب اندثار المدن القديمة يرجع إلى واسباب أخرى تتعلق بالحروب المنافسة بين الدويلات السامية. مرحلة اللاتمركز الحضري ان هذه المرحلة ، أشرت بداية تدهور المدينة في العراق، وخضعت معدلات النمو الحضري لاعتبارات سياسية وعسكرية ، وبعبارة أخرى، أصبحت المدينة العراقية بموضعها وموقعها النادرين محط انظار القوى الخارجية ، واصبح العراق منطقة أو ولاية تابعة لعدد من الأمبروطوريات ، فقد خضع للفرس مرات ومرات ، واصبح تحت حكم السلوقين اليونان ، كما خضع جزء منه لنفوذ الرومان . مقدمة في علم الاجتماع الحضري القريات ، مشکلات ، 37 من 191 اليونان ، كما خضع جزء منه النفوذ الرومان . واستطاع من خلال ذلك أن يؤسس الدولة الأخمينية، واصبح العراق ولاية ضمن الدولة الفارسية للفترة التي امتدت من ٥٣٩ ق. م - ۳۳۱ ق. م. الموسوي ، المصدر نفسه، ص ٤٦ ) ثم توالت القوى الاجنبية في الاستيلاء على العراق ، بل اصابها الخراب والتراجع . فقد مثل احتلال العراق من قبل المغول في القرن الثالث عشر، حالة مريرة من حالات التدمير والتدهور العمرانيين الذي حل بالمدن العراقية . وكان من ابرز الانحطاطات التي لحقت بالمدينة ، تلك الحروب الوحشية التي شنها تيمولتك في أواخر القرن الرابع عشر نخبة من أساتذة التاريخ ، ص ) . وفضلا عن الأسباب العسكرية، التي اجهضت حيوية المدينة في العراق، وتسلط الاقطاعيين ، الاحتلال العثماني للعراق ، لم يولي أي اهتمام يذكر بالتطور الحضري، ومن بعده الاحتلال الانكليزي، الذي عمق من ظاهرة ترييف المدن. ثالثا : عوامل نشأة المدينة في العراق العامل العسكري ( البصرة - الكوفة - الموصل ) إن نشأة المدن في العراق، تتولى عملية اعداد وتجهيز الجيوش لدرء مخاطر الاعتداءات الخارجية ، فضلا عن تأكيد وتجذير رسالة الدين الجديد ( الاسلام ) . وقد كانت بدايات السكرة، ويبدو أن البصرة كانت تضطلع بدور مهم في حياة شبه الجزيرة العربية قبل الاسلام ، واتخذت شكلا منظما خاصة بعد النجاح الكبير الذي احرزه بو بكر بن وائل في موقعة ذي قار بحدود ( ٦١١م). (الموسوي مصدر سابق ، ص ٦٦ ) وهو أحد قواد عمر بن الخطاب . فذكروا أن عتبة نزل منطقة البصرة في اربعين وثمانمائة رجلا ، واختطها " وكانت تسمى أرض الهند " وقالوا ان عتبة كتب العمر " انه لا بد للمسلمين من منزل يشتون به اذا شتوا ويسكنون فيه اذا انصرفوا من غزوهم فأجابه بأن يجمع أصحابه في موضع واحد ويسكن قريبا من الماء والمرعى وان يكتب اليه بصفته " . (المصدر نفسه ، ص ٦٩ ) هذا ، وان نشأة البصرة ، كانت بدواعي عسكرية محضة ، فاريد لهذا المصر، فقد تحكمت الضرورات العسكرية في اختيار الموقع وما تلاه من خطط ، وكان دف العرب أولا هو محاصرة القوات الساسانية ، ومنعها من امداد القوات الفارسية إلى الشمال ، والتي كانت تواجه مقدمة في علم الاجتماع الحضري النظريات ، مشکلات ، تطبيقات ويبدو واضحا ان موقعية البصرة تطلبت من الخلفاء والولاة والقادة أن يجعلوها بوابة وحسنا لدرء مخاطر التحرشات العسكرية ، فضلا عن قيمتها الداخلية التي تتمتع بها من خصابة تربتها ، وخيراتها الوافرة ، وسوادها وفي نفس الاتجاه، مثل : قبيلة بني شيبان وغيرها من القبائل الأخرى، ويذكر أن رئيسها هو المثنى بن حارثة ، وهو قائد عسكري ، كان له دور أيام الخلافة الإسلامية. وكانت هنالك مجموعة من الغارات والمناوشات العسكرية ، تجري باستمرار بين القبائل العربية والفرس . مما دعا المثنى بن حارثة ، ليساعده وبعده بالعدد والعدة ، من أجل صد عارات الساسانيين ، فاستجاب له الخليفة ، وليجعله ايضا واليا على قومه وقبيلته . والملوك ) بعد ان اعلن عمر بن الخطاب ذلك صراحة ، ۱/۳ ) . وعلى اثر هذا النداء تم وعهد في قيادته إلى سعد ابن أبي وقاص، فتوجه به الى العراق وحدث ما حدث . وتعد مدينة الموصل، هو تجهيز الجيوش بالعدد والعدة. تمثلت بانشاء قرى زراعية مثل : حلف والاريجية وحسونة الفيل ، د. محمد رشيد، ص ۲۳). وقد نالت الموصل اهتماما من قبل الحكام ، والعباسي ، نظرا لقيمتها الحربية وأبعدها عن التلائل والمشاكل، التي تحصل باستمرار في مدن البصرة والكوفة ، فكانت هنالك مجموعة من المسكرات، التي تم انشاءها للغرض اعلاء، بعد مدنا للوجستية، لها صفتها العسكرية والاقتصادية معا . لقد سجل العراق في حضارته العريقة سبقا تاريخيا وحضريا ، تمظهر بشكل واضح، وبأدلة وثائقية واثارية في بروز اشكال متنوعة من المدن ، ذات الملامح الوظيفية المتباينة ، مما يؤشر حالة ابداع قل نظيرها في حضارات اخرى، كانت وظيفتها ادارية ، مثل : الوركاء واور واريدو وسيار وغيرها . ويشير التاريخ ، اشرت واقعا مدينا متطورا من الناحية الإدارية ، وعصر مثل العصر الإسلامي، كان شاهدا على بروز هذا النوع من المدن ، ويذكر بعد أن استكملت العمليات العسكرية ، التي قام بها المسلمون في العراق ، جاء دور التنظيم الاداري ، من تنظيم شؤون الدولة ورعاية مصالح الناس . وبعد مجيء الامام علي بن أبي طالب الى الكوفة، وتوليه ادارتها، وسوس رعيتها منة ٣٦ هـ ، قام بالحاق البصرة والموصل بالكوفة ، وجعلها تحت ادارة واحدة، لكن هذا الحال لم يستمر طويلا ، مقدمة في علم الاجتماع العصري نظريات ، مشکلات ، تطبيقات) حاتم راشد علي العراق ، وكان السبب من تعينه هو أن يقضى على المشاكل والاضطرابات التي تحصل في الكوفة مقدمة في علم الاجتماع العصري ونظريات ، تطبيقات) توالت سلسلة من الأمراء والحكام الموالين للعائلة الأموية ، ليصبح واليا على العراق، وكان السبب من تعينه هو أن يقضي على المشاكل والاضطرابات التي تحصل في الكوفة والبصرة ، واثناء نقل الحجاج بين ادارتي البصرة والكوفة، ليكون 39 من 191 حاتم راشد على مقرا له ، فوقع اختياره على مدينة واسط . انا ، العامل الإداري، يتضح في اختيار موضع ليكون وسطا بين الكوفة والبصرة ، وقد اشار الى ذلك المؤرخ يمثل قائلا : " وقال الحجاج اتخذ مدينة بين المدينتين (يعني الكوفة والبصرة ( تكون بالقرب منهما ، الموسوي ، مصدر سابق ، ۱۱۵) تميزت بصفتها الادارية ،