العنوان: وإذا نظرنا إليه من النّاحية الصّرفيّة، من الوزن انفعل. نلاحظ أنّ الكاتب اختار كذلك فعلا أجوف، ولهذا ربط مع مضمون النّصّ بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. وهو عبارة عن نتيجة لما قبله فنقول مثلا كسرتُ الزّجاج فانكسر. وكون مكان النّقص موجودا في وسط الفعل، وكما ذُكِر آنفا أنّ هذا الوزن مبنيّ على مشاعر نتيجة لما سبقها من أمور أدّت إليها، وكما هو معروف أنّ الهاء هي من أضعف حروف الأبجديّة ومن صفاته الهمس والرّخاوة، ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن الكاتب قد أحسن الاختيار من حيث الشّعور والحسّ والمعنى ليعبّر عمّا اختلجه من شعور. لو فرضنا أنّه يقصد انهيارا واحدا ووحيدا كان من المفروض أن يكون العنوان معرّفا (الانهيار). تجدر الإشارة إلى أنّ كلّ ما ذُكر أعلاه بمجمله عبارة عن فرضيّات يضعها القارئ أمامه ليبدأ خطواته بين سطور العمل الأدبيّ. مضمون النّصّ: حيث تبدأ الانهيارات بالنّسبة للكاتب تظهر للعيان. وكم بالحريّ إذا تحدّثنا عن اليوم الأوّل في مدرسة جديدة، لتتوّج قمّة انفعال الرّاوي ودهشته عندما يسمع الكلمات البذيئة تخرج من فم "الأستاذ المربّي" قائلا لطالبه: إنّ ما وصل إليه الطّالب خلال لحظاته الأولى داخل الصّفّ ولكنّه تهيّب ذلك. وأصبح يبحث عن أشياء تسلّيه ليتفادى تراكم الانفعالات، مسلّطا الضّوء على معالم مدينة حيفا هادفا إلى لفت انتباه القارئ إلى هذه المدينة السّاحليّة. فهو يعاني من انهيار بشكل تدريجيّ، إذ إنّ إحساسه تجاه زميله أكرم بدأ بالتّغيّر رويدا رويدا، بسبب هذا الادّعاء. تجدر الإشارة هنا إلى التّطرّق إلى شخصيّة الرّاوي، الّذي يرى الحقيقة واضحة أمامه، إلّا أنّه يؤثِر السّكوت منعا لوقوع صاعقة في نفسيّة صديقه الرّاوي متذرّعا بإمكانيّة كون المعلّم عصبيّا. أمّا الرّاوي فيصرّح بأنّه يشعر بالشّعور نفسه، أمّا في ما وراء السّطور فيمكن أن نشعر بأنّ الرّاوي متخوّف من الإجابة وأثرها عليه. قصّة الإطار ليتذكّر عالمهما الطّفوليّ الغنيّ بالألعاب والمشاجرات، فكلاهما مقتنع أنّ حيفا هي الأكبر من حيث البلاد، يتّضح من هذه الجملة أنّ لحيفا وَقعٌ في نفسيهما، تجدر الإشارة إلى أنّ النّموّ والامتداد في القراءة الأولى يتيح سلاسل الألعاب المبتكرة، أمّا في المستوى الثّاني، فالنّموّ هو عبارة عن موتيف داخل القصّة، فقد بدأ الحديث عن نموّ السّلاسل في قوله (لم يكن يعني أبدا توقّفها عن النّموّ)، (حتّى بيتنا الّذي كنّا نسكنه أكملوا فيه بناء الطّابق الثّاني) ، ثمّ نموّ الارتياح النّفسي لدى الرّاوي والشّعور بالبهجة في قوله (وشعرت بالبهجة تنمو في نفسي مع كلّ اسم على الطّريق إلى الغاية). وقد بقيَ الأمر يشغل تفكيره إلى حدّ كبير. في الجهة المقابلة نعود إلى أكرم الّذي وضع الحقيقة نصب عينيه وأراد إثباتها مستعينا بأخيه في الصّفّ الخامس، إنّ النموّ العقلانيّ لدى أكرم جعله يلجأ إلى شخص أكبر منه سنّا ليؤكّد الحقيقة المرّة (كون العالم أكبر من حيفا)، يعرف صحّتها، إذا تطرّقنا إلى شعور الاثنين يصل الرّاوي وأكرم إلى حصّة الدّين، ومن الجدير ذكره أنّ كلمة العالم بالنّسبة لكليهما توازي "حيفا"، من الطّبيعيّ أنّ كلا الطّالبين قد غمرتهما السّعادة – فحيفا شهدت نموّا لسنوات طوال- فمن البديهيّ أنّ حيفا هي الأكبر بتفكير الرّاوي- وقد أقنع نفسه بذلك، ولكنّ سمات وجه أكرم جعلته يشعر بالغضب، إلّا أنّه لا زال متشبثا برأيه أنّ وادي النّسناس وحده أكبر من العالم نظرًا إلى كميّة البيوت هناك. أكرم لم يعرف الإجابة ولشدّة صعوبة الموقف، ليشعر الرّاوي بغصّة خانقة عندما يعتبر المعلّم كلام الرّاوي هباء، ولكنّه يبقى على أمل بالنّسبة لادّعائه، وفي هذه اللّحظة بدأ الرّاوي بكاءه الّذي لم ينقطع بالرّغم أنّ أحدا لم يعرف سبب البكاء الحقيقيّ. إنّ نهاية النّصّ يعتبر بمثابة انهيار وتحطيم معنويّ ونفسيّ بالنّسبة للرّاوي، عندما تنجلي الحقيقة أمامه، أنّ أكثر ما يحبّه وما قد تعلّق به ما هو إلّا شيء صغير داخل عالم واسع. تجدر الإشارة إلى أنّ سبب بكاء الرّاوي هو استصغار قيمة حيفا، حيث إنّ نموّ حيفا في نفسيّة الرّاوي وكونها العالم بالنّسبة له ليس في المادّيّات والشّوارع والبيوت، حيث يبدو الأمر جليّا أنّ الرّاوي ينظر إلى حيفا نظرة الحبّ والعاطفة ونظرة البراءة، ولم يكن بالحسبان أن يتقبّل حقيقة الأمر، تتمحور فكرة هذا النّصّ حول تنافس الرّاوي وصديقه أكرم في ألعاب السّلاسل والّتي تعتبر حيفا فيها قمّة الهرم وقمّة العظمة، لتنجليَ الحقيقة المرّة "أمام" الرّاوي ممّا يحدث له انهيارا نفسيّا ناهيك عن السّخرية الّتي لعبت دورها في التّاثير على طالب ذنبه الوحيد هو حبّه الجمّ لحيفا. 1. الشّخصيّات: تقسم الشّخصيّات إلى شخصيّات رئيسة وأخرى ثانويّة: الرّاوي: أمّا من جهة أخرى فيرمز الرّاوي إلى فئة الأبرياء الّذين يتقوقعون بفكرة ما ولا يتنازلون عنها، لأنّ هذه الفكرة بنظرهم نابعة من إيمان داخليّ مرتبط بشعور لا يمكن تغييره. يرمز المعلّم إلى فئة النّاس الّتي لا تعرف كيفيّة التّعامل مع الآخرين، حيث إنّ المعلّم كمربّ عليه أن يعكس في شخصيّته صورة لشخص من الجدير أن يكون مثالا يُحتذى به، ولكن على أرض الواقع نلاحظ أنّ المعلّم يشتم ويتكلّم كلاما، لأنّه يعلّم الأخلاق والقيم لبناء مجتمع صالح، أمّا في القصّة فنرى أنّ معلّم الدّين يشتم، في هذه النّقطة يوجّه الرّاوي انتقادا مبطّنا للمؤسّسات التّربويّة وللعاملين فيها، ويأخذ بمسلمات الأمور دون أن ينبسّ ببنت شفة، مما يجعله في صراع داخليّ بين مشاعره وتخوّفاته. أصدقاء الرّاوي، الزّمان والمكان: إن زمن أحداث القصّة هو أثناء الدّوام الدّراسيّ، أمّا المكان في إحدى مدارس حيفا داخل غرفة الصّفّ. حُبكة النّصّ: وقد تأزّم موقف الكاتب هذا وصولا إلى عقدة النّصّ، وصولا إلى تأنيب المعلّم للرّاوي، وهنا كانت النّهاية. نهاية النّصّ: إن نهاية النّصّ كانت عبارة عن تسليط الضّوء على حقيقة لطالما كان الرّاوي خائفا من وجودها، وقد رفض تقبّلها، وكانت بالنّسبة له كالصّاعقة الّتي آلت به إلى البكاء دون انقطاع. أسلوب الحوار داخل النّصّ: إنّ وظيفة الحوار داخل النّصّ هدفت بداية إلى كسر الرّوتين السّرديّ من جهة، حيث ظهر الحوار الدّاخليّ وكذلك الحوار الخارجيّ، حيث برز من خلال الحوار الدّاخليّ تعبير الكاتب عمّا يختلج نفسه، أمّا الحوار الخارجيّ فقد ساهم في وضع الحقيقة أمام نصب عينيّ الرّاوي. الأساليب والمحسّنات البديعيّة في النّصّ: 1. الجناس: مريح صحيح\ فمه كمه- الهدف منه إعطاء حسّ موسيقيّ داخل النّصّ. 2. الطّباق: أكبر- أصغر\ بداية- نهاية\ ابتعاد- اقتراب، ويهدف الطّباق إلى المقارنة بين وضعين 3. السجّع: بين الكلمات- حيويّة\ داخليّة\ حيفاويّة- الهدف إعطاء نغمة موسيقيّة للنّصّ. 5. التَّكرار: كرّر الكاتب العديد من الكلمات وأهمّها حيفا ووادي النّسناس وذلك لإظهار مدى حبّه وتعلّقه بحيفا الّتي قدِم إليها من إحدى قرى المثلّث 7. التّشبيه: كانت السّلاسل تنمو كالزّواحف أي أنّها تكبر وتتّسع يوما بعد يوم\ إن لم تكن فأرا فأنت صرصور ويرد التّشبيه على لسان المعلّم هادفا إلى التّقليل من شأن تلميذه مستخدما المشبّه به الصّرصور وهو من الحشرات الصّغيرة المضايقة، أعتقد أنّ الكاتب وظّف هذه الحشرة بالذّات ليدلّ على أنّ الرّاوي لم يصل إلى مرحلة" النّموّ" النّضج الكافي ليفهم أنّ حيفا هي نقطة من العالم، سيّما أنّ لموتيف النّموّ كان هنالك حيّز كبير داخل النّصّ\ في المقابل شبّه الرّاوي نفسه بالبرميل من خلال قوله "أنا برميل"، أضف إلى ذلك إنّ البرميل هو وعاء لحفظ الأشياء من الكساد، 8. أسلوب السّخرية: تجلّى أسلوب السّخرية من خلال تعابير عدّة مثل: العالم أكبر من حيفا مجنون\ ما هو العالم\ كان يقول لي إنّ العالم أصغر من وادي النّسناس\ ردّ العمى في منظرك\ يا حمار وغيرها من التّعابير السّاخرة، بما يعرف في يومنا هذا في علم النّفس " التنمّر" 9. ورد أسلوب النّفي والنّهي: مثل لا يمكن- لم يكن\ لا تلعب معي وغيرها من التّعابير الأخرى، والّتي من خلالها استطاع الرّاوي التّعبير عن مشاعره ودحض أمور لا يؤمن به أو يرفض تقبّلها. ولكن إذا نظرة إلى الأسئلة من خلال المستوى الثّاني يوجّه المعلّم أسئلة لا يعرف الطّلّاب إجاباتها، وفي هذا توجيه انتقاد آخر للعمليّة التّربويّة الّتي تنصّ على ضرورة كون الطّالب ملّمّا بكلّ شيء، حتّى وإن كان المعلّم مقصّرا بحقّ طلّابه نفسيّا وعلميّا. 11. حيث يظهر جبروته على الشّريحة الضّعيفة المؤمنة بقضيّتها. الرّاوي: يرمز إلى تشبّثه وتعلّقه بحيفا،