وأنت لم تشتر بعد كبش الأضحية وأقسم لولا أني أريد مساعدتك، فهو لم يرد أن يُظهر لـ (شيخ محجوب) تلهفه على شراء النخلة ذات البنات الخمس التي يسميها السودانيون في الشمال (الأساسق)، تحمل قطراتٍ من مياه النيل - والحمار الأبيض اليدين يقف على حافة حافره ، وعباءته السوداء التي اشتراها في زيارة له للخرطوم، الذي لم تخرج أيدي صُنّاع المراكيب في الفاشر أجود منه، والفروة البنية التي تدلت وكادت تمس الأرض، ورويداً رويداً خفتت في أذنيه ضوضاء أهل الخير الذين تجمعوا ليتوسطوا بين التاجر وشيخ محجوب، ولف ضباب الذكريات معالم الأشياء الممتدة أمام ناظري شيخ محجوب الناس والبهائم وغابة التخيل الكثة المتلاصقة . حين يخرج الناس مع شروق الشمس في ثيابهم النظيفة الجديدة، وإذ يعودون إلى يوتهم تنضح وجوههم بالبشر والسعادة، وتمتم شيخ محجوب في صوت لا يكاد يسمع شيء يشبه التوسل والابتهال: "يفتح الله" وزم شفتيه في عصبية، في الحفرة قليلاً من ماء الإبريق الذي يتوضأ به أبوه تيمناً وتبركاً. ثم مرر أصابع يده التحيلة بين شعيرات لحيته المتفرقة. يملك من مال الدنيا شروى نقير . إنه لم يكن يظن أبداً أنه سيتزوج في يوم من الأيام، ليت ولدي (حسن) كان مثلها عطوفاً باراً! وعض على شفته السفلى بعنف حتى كاد يغرس أسنانه في لحمها المتهدل. وكأن القدر أراد أن يُنسيهم كل شيء يربطهم بحسن، فرمى آخر ما السهم الأخير التعـ في جعبته من سهام قاسية مسمومة، ثم رفرف طائف من السعادة على الوجه الحين المتجمد، عندما تذكر قطيع الضأن الذي رباه في ذات العام الذي شهد مولد آمنة، دعاءه يوم شق في الأرض على حافة الجدول، وما عاد النيل يفيض إلا بحساب ومقدار، وهكذا ظل يكابد الفاقة وحده، وليس عنده من مال الدنيا إلا بقرة واحدة وعترتان وهذه النخلة التي ظل جاهداً يحاول استبقاءها . وقطع عليه ذكرياته صوت التاجر وهو يقول له : "أيها الرّجلُ، لِمَ هذا السكوت؟ أجبنا بكلمة واحدة، هل يحن لنداء الرحم؟ هل تؤثر فيه الدعوات التي أرسلها جوب في هدأة الليل؟ وأحس الرجل بفيض من الأمل يملأ كيانه، وأحسن لأول مرة بأن في عبارة "يفتح سيئاً أكثر من كلمة تنتهي بها المبايعة، فأسرع نحوها يسألها الخبرات الاموال اللي كان يجعل الله الأمر؟ ماذا جرى ؟ فحاولت الصبية أن تقض إليه النبأ بصوت أو الراء غيناً). رسالة من حسن؟ وانطلق الرجل كالمجنون لا يفكر ولا يعي بنبض قلبه معربداً بين. وفي غمرة التا لم يفت عينه المستطلعة رجال يعرفهم جاؤوا يسألون عن أبنائهم وأقاربهم، ونسوة يعرفهن جئن يسألن عن أزواجهن وأبنائهن،