شهدت العقيدة العسكرية في القرن الحادي والعشرين تحوّلاً جذرياً أعاد صياغة مفهومي الأمن القومي والسيادة الوطنية، ووسّع نطاق التهديدات التي تواجه الدول ليتجاوز حدودها الجغرافية ومجالات العمليات التقليدية. فقد برز الفضاء السيبراني بوصفه المجال العملياتي الخامس، إلى جانب البر والبحر والجو والفضاء، لم تعد العمليات السيبرانية مجرد أداة مساندة لجمع المعلومات أو تنفيذ أنشطة التجسس، بل تحوّلت إلى وسيلة استراتيجية قادرة على تعطيل قطاعات حيوية، والتأثير في قدرتها على اتخاذ القرار، من دون عبور جندي واحد حدودها أو خوض مواجهة عسكرية مباشرة. وصعوبة إسناد الهجمات إلى منفّذيها بصورة قاطعة، مما يمنح المعتدي هامشاً واسعاً للإنكار المعقول. تستطيع جهات فاعلة غير حكومية أو مجموعات قرصنة مدعومة من دول استهداف بنى تحتية شديدة الحساسية، وشبكات الاتصالات العسكرية والمدنية. وقد تُنفَّذ هذه العمليات بتكلفة مادية أقل نسبياً من تكلفة استخدام الأسلحة التقليدية، في حين قد تمتد آثارها إلى ما وراء النظم الرقمية المستهدفة، لتطال الخدمات الأساسية والحياة الاقتصادية والاجتماعية. إذ يمكن لجهة محدودة الموارد أن تُلحق أضراراً واسعة بخصم يتفوّق عليها عسكرياً واقتصادياً. وتزداد المواجهة السيبرانية تعقيداً نتيجة الترابط الوثيق بين الشبكات الرقمية والبنية التحتية المادية، واعتماد المؤسسات الحيوية على أنظمة التحكم والاتصالات لضمان استمرارية عملها. فتعطيل منظومة رقمية لا يقتصر بالضرورة على فقدان البيانات أو تعذّر الوصول إليها، بل قد يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وانقطاع الخدمات الضرورية للسكان. وتفرض هذه التداعيات تحديات إضافية على أدوات الردع التقليدية، لا سيما عندما يصعب تحديد مصدر الهجوم، اتجهت الاستراتيجيات العسكرية المعاصرة إلى تبنّي مقاربة تتجاوز الحماية السلبية والاعتماد على جدران الحماية التقليدية وحدها، نحو بناء عقيدة عسكرية متكاملة تجمع بين ثلاثة أبعاد حيوية ومترابطة: القدرات الدفاعية المرنة، والعمليات الاستباقية الموجّهة إلى شبكات الخصم. ويتمثل البعد الدفاعي في تعزيز قدرة المؤسسات على اكتشاف التهديدات واحتوائها، والتعافي السريع من آثار الهجمات. فيقوم على بناء قدرة موثوقة لفرض كلفة على المعتدي، ويهدف البعد الاستباقي إلى رصد التهديدات الناشئة وتعطيلها قبل تحوّلها إلى هجمات مؤثرة،