المبحث الأول: مفهوم القيادة والقيادة النسوية تمهيد: تُعد القيادة الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها المجتمعات البشرية في رحلتها نحو التقدم والازدهار، فهي القوة الدافعة التي توجه القدرات، وتصوغ الأهداف، وتحول المصاعب إلى إمكانيات للنمو والإبداع. وفي وقتنا الراهن، تبلور مفهوم "القيادة النسائية" ليس بوصفه مجرد دعوة للعدالة والمساواة في تمثيل الجنسين، بل كضرورة استراتيجية ماسة لإثراء الأبعاد الإدارية والتنموية للفكر. تقدم القيادة النسائية أنموذجاً متطوراً يقوم على الشمولية، والتكامل، وتجاوز الأنماط المركزية التقليدية، وهو ما يمنح المؤسسات والمجتمعات كفاءة أعلى في الابتكار واتخاذ قرارات تتسم بمزيد من التوازن والاستمرارية. المطلب الأول: تعريف القيادة والقيادة النسوية يتناول المطلب الأول تعريف مفهوم القيادة والقيادة النسائية. الفرع الأول: تعريف القيادة أولاً: من حيث اللغة في معجم لسان العرب، القيادة مشتقة من "قيَّاد"، بمعنى "قود" و "قيد"، وهو حبل القيادة. ويُشار إلى "قود" كذلك كمهنة القائد أو مكانه. أما في كتاب العين، فتعريف القيادة مرتبط بـ"القود" الذي هو نقيض "السوق"؛ حيث تُقاد الدابة من الأمام وتُساق من الخلف، مما يعني أن "القود" يكون من الأمام، ويُبرز ذلك دور القائد في تصدر الجماعة والتقدم عليها. وفي القاموس الكافي، القيادة من "قائد" (قادة، قواد، وقود)، تُشير لمن يقود فريقاً عسكرياً أو ما شابه. ثانياً: من الناحية الاصطلاحية يعرف أردواي تيد القيادة بأنها "القدرة على التأثير في الأفراد، وحثهم على التعاون لتحقيق هدف يرونه مصلحة مشتركة لهم". بينما يصفها جون لوك بأنها "علاقة ديناميكية تجمع بين القائد ومرؤوسيه، وتتسم بحالة من التبعية غير المقاومة، تنشأ من قوة تأثير شخصية القائد في موقف محدد عبر التواصل والإدارة نحو إنجاز هدف معين". كما يرى البعض أن القيادة تُحدد بالمنصب الذي يشغله الفرد ضمن الجماعة، أو من خلال الوظائف المتعددة التي يؤديها القائد. يستتبع ذلك وجود قائد، ومجموعة أفراد يجري قيادتهم، وممارسة مهارات التأثير، واستخدام هذه المهارات لإنجاز هدف أو أهداف محددة. فالقيادة هي عملية التأثير على الآخرين بغية تحقيق الأهداف التنظيمية، مع التركيز على العنصر البشري، وانطلاقاً من فرضية أن فعالية المؤسسة تعتمد بالأساس على تحفيز العاملين وتوحيد جهودهم واستغلال قدراتهم. بالتالي، تهتم القيادة ببناء الالتزام، وتحفيز الأفراد لاستخدام مهاراتهم وقدراتهم لتنفيذ الأنشطة وتحقيق الغايات. وهي أيضاً مصطلح يشير إلى العملية التي من خلالها يقوم الفرد بتوجيه أو التأثير في أفكار ومشاعر وسلوك الآخرين، وقد يظهر هذا التأثير عبر أعمال الفرد، مؤلفاته، رسوماته، اختراعاته، أو ابتكاراته. ورغم تنوع تعريفات القيادة، يتفق الباحثون على أنها تتضمن العناصر الأساسية التالية: وجود قائد يتمتع بقدرات ومهارات عالية؛ أن يكون لكل قائد تابعون يعملون لتحقيق هدف محدد؛ امتلاك القائد قوة التأثير في أداء تابعيه؛ وجود هدف يسعى القائد إلى إنجازه؛ وأخيراً، الموقف الذي تمارس فيه المجموعة أنشطتها. ثالثاً: التعريف الإجرائي تُعرف القيادة إجرائياً بأنها القدرة على التأثير في الأفراد، وتحفيزهم، وتشجيعهم، وحثهم على الرغبة في بلوغ الأهداف المرجوة بكفاءة وحماس، وذلك باتباع نهج سليم في التوجيه والتفاعل معهم. ومن منظور قصة ملكة سبأ، القيادة هي إدارة شؤون المملكة بأساليب حكيمة ورشيدة تقود الشعب إلى بر الأمان في مختلف جوانب الحياة، سواء كانت داخلية أو خارجية مثل العلاقات، وبخاصة في القضايا المصيرية. الفرع الثاني: تعريف القيادة النسوية القيادة النسائية هي تلك التي تعمل على تنسيق جهود المرؤوسين، وتحفزهم وتدفعهم نحو العمل عن قناعة ورغبة لتحقيق أهداف المؤسسة وأهدافهم الشخصية بطريقة متكاملة وناجحة. وبناءً على ذلك، يمكن وصف المرأة القيادية التي تمتلك هذه القدرة بأنها قائدة ناجحة. فالقائدة التي تتميز بالقدرة على التأثير في مرؤوسيها بحيث ينفذون المطلوب منهم طواعية واقتناعاً، هي في الحقيقة رئيسة وقائدة متميزة تتمتع بقدرة إشرافية سليمة وتعمل على إنجاز الأهداف. ويعرفها R. GLEMBEWSKY بأنها "القدرة الصائبة على التأثير في الأفراد ضمن الجوانب المرغوبة". الفرع الثالث: التعريف الإجرائي للقيادة النسوية 1. تُعرف القيادة النسائية إجرائياً بأنها مجموعة الصفات والسمات المميزة للمرأة القائدة، والتي تتطور وتنمو عبر ممارستها للعمل القيادي واكتساب الخبرات المتراكمة مع مرور الزمن. من خلال هذه الصفات، تتمكن القائدة من التأثير على الأفراد المرؤوسين، موجهة إياهم نحو المسار الصائب الذي يخدم مصالح المؤسسة والمرؤوسين على حد سواء، ويساهم في تحقيق الأهداف المرجوة بكفاءة. 2. كما تُعرّف بأنها المرأة التي تشغل مناصب إدارية عليا ضمن الهيكل التنظيمي، وتتمتع بالسلطة والصلاحية على العاملين داخل مؤسسة معينة.