ولا تتوقف أهمية المسجد بالنسبة للكبار فقط، فيجب أن نربي أبنائنا على حب المساجد، فتُهذّبَ أرواحهم، وفوائد الخطى إلى المسجد، وأن نعودهم على ارتياد المساجد؛ فقد جاء في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، قال أصحابنا: ويأمره الوليُّ بحضور الصلوات في الجماعة، وبالسِّواك وسائر الوظائف الدينية، ويجب على الأب أن يلحق ولده بحلق تحفيظ القرآن الكريم، وقد ترجم لها البخاري في صحيحه ((باب تعليم الصِّبيان القرآن)) وأخرج في صحيحه من رواية ابن عبّاس رضي الله عنهما فقال: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم)(رواه البخاري). وقد أورد البخاري في صحيحه تحت باب "متى يصح سماع الصغير" عن محمود بن الرّبيع قال: (عقلت من النّبي صلى الله عليه وسلم مَجَّةً مجّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو)(البخاري)، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم، واستدّل بعضهم على تسميع من يكون ابن خمس، وليس في الحديث ولا في تبويب البخاري ما يدل عليه، ومن أقوى ما يتمسّك به في أنّ المردّ في ذلك الفهم فيختلف باختلاف الأشخاص ما أورده الخطيب من طريق أبي عاصم قال:- ذهبت بابني _ وهو ابن ثلاث سنين _ إلى ابن جريج فحدّثه، قال أبو عاصم:- ولا بأس بتعليم الصبيّ الحديث والقرآن وهو في هذا السّن، وقصّة أبي بكر ابن المقري الحافظ في تسميعه لابن أربعٍ بعد أن امتحنه بحفظ سور من القرآن مشهورة)(فتح الباري). وهذه نصيحة ثمينة من الإمام ابن باديس رحمه الله في الحرص على تلقّي العلم في المساجد وتربية الأبناء على ذلك فقال: "إذا كانت المساجد معمورة بدروس العلم، فإنّ العامّة التي تنتاب تلك المساجد تكون من العلم على حظّ وافر، وتنقطع علاقتها به، وكيفية الوضوء والآداب والأخلاق الفاضلة من حسن جوار، وحب القرآن والسنة النبوية، والأهم من ذلك يجب أن نغرس في قلوبهم حب العلم وفضله، ويجب أن نعلمهم الآداب والأخلاق التي يجب أن نتحلى بها في بيوت الله، ويجب أن نكون نحن الكبار قدوة لأبنائنا الصغار في التحلي بالأخلاق وآداب المسجد وحسن تلقي القرآن ولين الجانب. وفي المسجد يتدرب الصغار على فعل الطاعات لما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم عنايتهم بذلك الأمر، فعن الرُّبيِّع بنت معوّذ ابن عفران رضي الله عنها، (عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: من كان أصبح صائما فليتم صومه، فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار)(رواه البخاري ومسلم). قال النووي مبيِّنًا ما يستفاد من الحديث: ((في هذا الحديث تمرين الصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات، ومما أثر عنهم أيضا في هذا الباب ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب العيدين، باب خروج الصبيان إلى المصلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فصلى ثم خطب ثم أتى النّساء فوعظهن وذكّرهن وأمرهن بالصدقة](رواه البخاري). قال العيني: (مطابقته للترجمة من حيث إنّ ابن عباس رضي الله عنهما كان وقت خروجه مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة العيد طفلا؛ لأنه عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان ابن ثلاث عشرة سنة)(عمدة القارئ 2/297). ولكن إذا أحدث الطفل ضجة في المسجد فلا يعامل بقسوة وشدة فربما خرج من المساجد وكره دخولها، فلا يجوز تركهم مشردين في الأزقة محرومين من نعمة المسجد الذي هو بيت الله وعش المؤمن ومدرسته العملية، ولقد كان الأطفال يأتون المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرعى شئونهم ويتلطف بهم، أما اليوم فترى مقابلة بعض رواد المساجد للأطفال قاسية للغاية دون نصح أو إرشاد، وقد أدت هذه الظاهرة إلى هجرهم المساجد وذهابهم إلى أماكن اللهو، ولاجتذابهم من جديد إلى المساجد لابد للكبار من النصح اللطيف والموعظة الحسنة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع الأطفال من المساجد [حتى أنه صلى الله عليه وسلم نزل من فوق المنبر في أثناء الخطبة لما رأى الحسن والحسين عليهما السلام، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، وإذا رفع رأسه أخذهما بيده من خلفه أخذًا رفيقًا، فوضعهما وضعًا رفيقًا، ومن هنا فالواجب أن نستعين بكل وسيلة من شأنها أن تشوق الطفل إلى المسجد وتحببه إليه، ونحذر من كل أسلوب من أساليب التنفير من المسجد، ولا عبرة للذين يرون إبعاد الأطفال وأبناء المصلين عن المساجد ـ وخاصة إذا وجد من يهتم بهم وينظم وجودهم ويعلمهم ويربيهم ويرشدهم ـ ذلك أن مفسدة انحراف الأطفال بإبعادهم عن المساجد أخطر من مصلحة الحفاظ على أثاث المسجد أو الهدوء فيه. ذكر ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء اجراءات ضرورية ولتحقيق تربية الأطفال وتكوينهم من خلال المساجد لابد من اتخاذ بعض الإجراءات من القائمين على المساجد ومنها:- 2) أن يجد الأطفال والصغار من يرشدهم وينظم جلوسهم، ويقيم لهم الأنشطة التي تتفق مع أعمارهم.