حين رأيت عشرات الآلاف من البشر يسيرون حفاة، وسط مدينة مدمرة، أدركت حينها أن البقاء حيا في غزة هو بحد ذاته انتصار. أن تنجو بحياتك تحت وطأة الإبادة التي يرتكبها كيان قاتل يقصفك بأفتك الأسلحة، أن تتشبث بالحياة وأنت طفل أعزل، تتساقط القنابل على رؤوس أهلها، أن تتشبث أمة ببيوتها التي تحولت إلى غبار، يطلق عليها القناصون النار كي لا تأكل ولا تشرب وتموت على الطرقات، ومع ذلك تصر على العودة، العالم بأسره شاهد مقاومة شعب يباد، هو جيش لا يعرف الرحمة. في أرض تمتلئ بجوارح تنتظر موتك، وذئاب وبنات آوى تترصدك بمخالبها الملطخة، أن تنجو بجراحك منها، لم أستطع أن أكتب عن بنود اتفاق وقف إطلاق النار، بعدما رأيت أمًّا وطفلها يحاولان العودة إلى بيت تحول إلى كومة حجارة في خان يونس. لم أقدر أن أقارن: "هل كسبت إسرائيل من هذا الاتفاق؟ وهل خسرت حماس؟". حين يعود شعب نُفي للمرة الرابعة من الجنوب، والمرة الخامسة إلى الشمال… يسيرون حفاة فوق طرق صارت صحراء، لم أعد قادرا على الكتابة عن مكامن الضعف والقوة في الاتفاق. لأن عزيمة أولئك السائرين تحت لهيب الشمس، لكنهم يصرون على العودة إلى ركام بيوتهم، أول ما تستهدفه الدول هو إرادة المقاومة لدى العدو. لأن كل جيش وكل أمة تفقد الرغبة في القتال، تخيلوا فلسطينيا فقد أبناءه، ومع ذلك لم تنكسر إرادته في القتال. ربما أعظم ما كان يمكن أن يفتك بإرادة القتال هو خيانة الأصدقاء. لم يشهد التاريخ مقاومة كهذه. المدججة بأشد أدوات القتل. فإن البقاء حيا في فلسطين هو انتصار. حين يبقون على قيد الحياة، حين يتشبثون بأيديهم بتلك التربة المغبرة اليابسة، فإنهم في الواقع قد هزموا أعتى جيوش الأرض. لن أكتب عن "مكاسب وخسائر الواقعية السياسية" في اتفاق وقف إطلاق النار. ولأن هذا الانتصار تحقق على يد شعب فلسطين الشجاع. الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.