على الرصيف المحاذي لِلسُّوقِ كانَ مُمَدَّدًا، غارقًا في قَيْلولَةِ الظَّهيرةِ، نَعْلاهُ تحتَ صُدغِهِ الأَيْمَن طَوِيلًا، يَشُمُّ بقايا غُبارِ مُتيبّسةٍ على كَعْبٍ النَّعلِ المُحاذِي لفَتْحَتي أنفِهِ. لكنَّ الأصوات المُتعالية والمنخفضة في السّوقِ جَعلتْهُ يَجذِبُ الحَبْلَ الَّذِي يُساعِدُهُ فِي حَمْلِ الأَثْقَالِ، دَخلَ بوّابةَ السُّوقِ، لَمْ يَدْرِ لِماذا تَذكَّرَ أَوَّلَ مَرَّةٍ دخلَ فيها السُّوقَ، رُبَّما تِلكَ الرَّغبةُ الَّتِي تَظلُّ تَشُدُّ الإنسانَ كُلَّما تَوغَلَ بِهِ العُمرُ بِاتِّجَاهِ الماضي؛ وَلمْ يبتعد هو أكثَرَ مِنْ ذلك . لَقَدْ رأى نَفْسَهُ فَتِيًّا قويا، انحبَسَتْ شَهِقَةٌ في صدرهِ حِينَما أَخَذَتْ تَتَجَاذَبُهُ حَرَكَةُ المارة في السّوقِ. لا تَزالُ هُناكَ في أَعمق أَعماقِهِ قُوَّةٌ ما، تظلُّ غامضةً بالنّسبة إليه، لكنَّهُ يُحِسُّها في الصَّباحاتِ المُشرقَةِ حينَ يكونُ مُتَّجِها ناحية السّوقِ. لكن هذا الارتخاء! طبيب الحكومة قال له بلهجةِ المُتعلّم الّذي يُحدِّثُ أمها : عَليكَ أَن ترتاح يا نُعمان. شَدَّ الحَبْلَ ووضعه على كَتِفَيْهِ. امتدَّتْ يَدُهُ المُرتعِشَةُ لِتقبضَ على عشرة القروش بقوَّةٍ. سارَ بخطوات بطيئة باتِّجَاهِ أَحدِ الجُدرانِ، وَسَارَ بِخُطواتٍ واهنَةٍ باتجاه البيتِ وَهُوَ يُصارِعُ رَعْبَةٌ عَارِمَةٌ في البُكاءِ. وَقعَتْ نظراته على نُعمان، أَحَسٌ نِعمَانُ بِغصَّةٍ فَجْأَةً عاشورٌ. هوَ الوَحيدُ في السُّوقِ مَنْ يَستطيعُ أَنْ يحمل كُلَّ هذهِ الأكياس، لقد ساقته امرأة أمامها قبل قليل. وتلكَ الحُمرةُ المَحروقَةُ التي صنعتها شَمسُ السّوقِ القاسيَةُ فوقَ وَجْهِهِ. عَلَيَّ أَنْ أَعُبٌ نَفَسًا عَميقًا أُوسعَ بِهِ ، صَدري وأنْ أخطو بخطواتٍ واسعَةٍ واثِقَةٍ باتجاه الرَّجُلِ، أَنتَ كَاذِبٌ يا نعمان! لن تستطيعَ حَملَ الأَكياس الثَّلاثَةِ. كان هذا حقيقة حينَ كُنتَ فتيا، عندما كانتْ أَزِقَّةُ السّوقِ المُلتويَةُ تَضِجُ بِصِراحِكَ وغنائِكَ وأنتَ تُفرّغ سياراتٍ كبيرَةً مليئة بأكياس الدّقيق. صباح هذا اليوم كان يستقبلُ ذلك البياض الذي الصقَهُ لونُ الفجر فوقَ زجاج النافذة، وقد خانته قواه حينَ أرادَ أَنْ يَهُبْ واقفًا كَعادَتِهِ. بقي تحتَ الغِطاء راقدًا يُحدّقُ في العتمة الخفيفة الآخذة بالتبدد بينَ الأثاث الرّبِّ المُتوزّع في الغُرفةِ. وَدَّ لَوْ أَنَّهُ يَصرُخُ في وجهها: لماذا لَمْ تَلدي لي العُمرِ؟ لكن صوتها الذي تَهدِّجَ بالتهليل جَعَلَهُ يَبلعُ ريقَهُ، سمع صوتها مُعَلَّفًا بالنوم: ومِنْ ثمَّ صَغُرَتْ، ذلك، وها هو الآن في منتصفِ السّوقِ، وغمَزَ بِعِينيهِ، رَد بسرعة: بَلْ أستطيعُ. بانَتْ ابتسامة صفراء على وَجهِ صاحب الأكياس، في تلك اللحظة كانَ نعمانُ يقفُ مُرتبكًا أمامَ مِهنَتِهِ الَّتي قضى سَنواتِ العُمرِ كانَ خائفًا منَ التَّورُّط ، لكن وقفتَهُ بجانب الأكياس، كلُّ ذلك جعلَهُ يَستمر واهتزَّتْ شَفْتُهُ العُليا بِعَصَبيَّةٍ واضِحَةٍ، ويدوسُها ، بل تقدَّمَ صاحب الدكان، وَصَوتُهُ يَرتَجُ في أَنحاء السُّوقِ مَمْطُوطًا : عاشور - عاشور. وتثبَّتَتْ قَدَماهُ فوق الأرض، وتَشنَّجَتْ ملامحه. لاحظ ذلك بعضُ الحمّالينَ في السّوقِ، كما اقتربَ بعضُ الفُضوليين، وهُنا أحسٌ نعمانُ بِعُمقِ التّورُّط، وقَرَّرَ أَلَّا يَنسحِبَ مهما كَانَ الثمن. أطلّ عاشورٌ مِنْ عِندِ بوّابَةِ السُّوقِ، عيناه تتراقصانِ وخُطواتُهُ سَريعَةٌ. ثُمَّ قال بسخرية جارحة:ها، وتدخل صاحبُ الأكياس مُوجّها كلامه لعاشور : ارتفعت الأكياس قليلًا، شَهَقَ عاشورٌ ، وصرخ بصوتٍ سَمِعَهُ نعمان لأَوَّلِ مَرَّةٍ : لَنْ أستطيع. تقدَّمَ نعمانُ وأزاحَ عاشورًا بسخريَةٍ هادئة، وتلفتَ مُخاطبًا صاحب الأكياس: كُمْ تَدفع؟ لـــي - عَشَرة قروش بشرط أنْ تَضعَها في السيارة