"لم يكن ليردد أبداً ولدك أي من تلك الكلمات البريئة التي تقالها عادةً الصغار، بدلاً من ذلك كان يهمس بكلمات غريبة في داخله مكتومة. وكثيراً ما كنت أراه جالساً وحيداً، وقت الهدوء والقراءة، كنت أسمع همساً خافتاً بين ثنايا غرفته، بعد أن قرأت القصة والرسالة الموجودة داخل ذلك الصندوق كان كل شيء واضحاً وكان هناك قدر كبير وألم يعتصر قلبي. تذكرت حينها كل تلك الأوقات التي وجدت فيها ابني وحيداً، ولكنه بعد لحظات سمح لنا بأن نلقي نظرة على الطائر الحبيس فيما كان يحتفظ بحلقة القفص في كفه محكمة الإغلاق. وقاعدته قد فرشت بقطعة زجاج صقيلة. وامتدت قصبة تصل بين الجدارين الأبعد، تعلق الحسون المذعور بساقيه الرفيعتين، فيما كان يرجف نافضاً رأسه بعنف، محدقًا إلينا بعينين صغيرتين فارقتين في السواد الداكن المحيط بهما، لم يكف الحسون من التواثب بين جدران القفص وقمته، وفي كل مرة كان يحط بنفس العنف والضراوة، غاضبًا كأعنف ما يكون الغضب حزينًا حتى ليكاد يبكي، "كان الحسان يحدق في الحسون الصغير ذو الريش الأزرق السماوي، عيناه تتبعان حركاته السريعة ذهاباً وإياباً بين القضبان. ولكنه كان في القفص قبل أن يأتي إلى هنا. وعدنا نتطلع إلى الحسون الصغير وهو يرتد من جدار حديد إلى جدار حديد آخر. فيما تابع أخي الأكبر بنفس النغمة الهادئة: - يحتاج الحسون إلى شهرين أو ثلاثة شهور كي يعتاد الحياة في بيته الجديد. وطوال ذلك الوقت بدأب على دراسته والتعرف وعقد حسان كفيه الصغيرتين وراء ظهره وأنشأ يحدق من جديد إلى الطائر الرمادي المخضب باحمرار دموي: وسوف يظل كذلك طوال ثلاثة شهور؟ وكان أخي يعرف بأن أسئلة حسان لن تنتهي، ولذلك فقد غادر الغرفة دون أن يكمل الاستماع وكنت أعرف، أن حسان لن يتركني أتمتع بالنوم في تلك الليلة، إذ إنه سيواصل الاطمئنان على عصفوره كلما تحرك العصفور أو كلما تحرك في نومه. وطوال الأيام الخمسة التالية ملأ الحسون حياة حسان بتواصل: وكان قد استدعى عدداً من رفاقه لمشاهدة الطائر الذي يتوقف لحظة عن الطيران من أجل أن يشم أسياخ القفص ويتعرف إلى منافذه وأركانه. وفي كل مرة كان حسان يكرر لأصدقائه ما سمعه من أخيه. إلا إنه بقي غير مقتنع تماماً بأن الطائر المذعور إنما يتعرف إلى بيته الجديد. ذلك أنه لم يكن يجرؤ على نقل وفي مرة سألني: طيب لو فتحت باب القفص بعد ثلاثة أشهر وتركت الحسون يطير فهل يعود إلى القفص ؟ ولكنني لم أكن لأستطيع أن أجيب فأنا لا أعلم شيئاً عن حيوات الطيور وعاداتها ووعدت حسان أن أسأل أغاه الأكبر وأنقل الجواب إليه، وحين قلت ذلك لأخي الأكبر انتهرني إنه يتعرف إلى القفص فقط ليطيق العيش فيه فمن العبث أن نمضي بالقصة إلى أبعد مما ترتسم في رأسه الصغير، وكان أخي الأكبر يرى نفس الرأي وإن كان ما يزال يعتقد أنه من السخف بالأساس أن يهدى الطفل الصغير عصفوراً حقيقياً. - انظرا لقد ترك كل ألعابه وكل حيوانات المطاط والصوف والقماش. مليون عصفور من القماش والبلاستيك أضحت الآن أقل من أن تعوض ذلك الحسون اللعين. لم يستطع أن يفهم كيف يمكن أن يسمي الحسون وفي اليوم التالي قال لي حسان أنه يريد نقوداً ليشتري قفصاً أكبر للحشون. وكنت – من ناحيتي - أشعر بأن القفص الحالي أصغر من أن يتسع لطيرانه الغضوب الدائب إلا إن القفص الجديد لم يخفف من حدة الطيران ذاك على الرغم من أنه أعطى الحسون وكانت سعادته أكبر حين قلت له بأن عليه نقل العصفور بنفسه من القفص القديم إلى الجديد، وشرحت له بأن عليه أن يحتوي الطائر الصغير بين كفيه دون أن يضغط كثيراً خوف معنى ذلك أنك ضغطت عليه كثيراً. ونظر إلي دون أن يفهم ولكنه كان على استعداد لينقل الطائر بأي شكل. ولم يشأن حين أطبق الحسون بمنقاره فوق جلد راحته. وطوال الأيام التالية تحدث عن ذلك كثيراً وصار يعتقد أن سعادة الحسون قد ازدادت في القفص الجديد الواسع. إلا إن أخي الأكبر الذي استمع يصبر إلى ذلك كله، ونحن على طاولة الغداء كان له رأي آخر قاله دون أن يرفع رأسه عن الطعام. خسرت شهراً على الحسون الآن أن يبدأ من جديد بالتعرف إلى بيته الجديد، ومن طرف عيني شاهدت حسان ينظر حواليه بأسى، ثم حاول أن يستأنف الأكل إلا إنه عاد فوضع الملعقة إلى جانب الصحن وأخذ ينظر إلي. الأمر إلى نصابه دون أن يغير في لهجته. فقد يروقه البيت الجديد فيتعرف إليه بأسرع مما وقبل أن يتم ما كان يريد قوله تلاقت أبصارنا، وكان حسان ينظر إلي دون أن يفهم طامعاً، التالية بلغ أخي الكبير لقمته، وها أنت ذا تشتري له قفصاً جديداً بعد شهر. وقبل أن يكمل زحزح حسان كرسيه واستدار عائداً إلى غرفته أوقفته وامسكت به من ذراعيه فطأطأ رأسه ملصقاً ذقنه بصدره ورغم ذلك فقد وقبل أن ينفجر قربت فمي من إذنه وسألته هامساً: ما بك؟ ولكنه لم يكن ليستطيع أن يتكلم بعد فخليت ذراعيه وتركته يعدو إلى غرفته، وتبعته بعد لحظة فرأيته جائياً إلى جانب الحسون المنتفض من جدار إلى جدار وحين التفت إلي بدا لي أنه قد حضر ما يريد قوله، وكنت على وشك أن أقترح على حسان أن يفتح باب القفص ويخلي الطائر، وقد كنت أتوقع بالضبط كل الذي سيحدث: وقف حسان جذلاً وقد احمر وجهه ثم أنشأ ينظر و كالسهم انطلق إلى غرفة الطعام وسمعت صراحه يختلط بخفقات فيما مضى حسان يكرر بلا توقف وواصل التحديق إلى الطير الصغير عاقداً حاجبيه بإمعان،