ويعد (غوستاف لوبون ) أول من تكلم في هذا العلم بكتابه الذي بين أيدينا؛ حيث أصبح الكتاب مرجعًا مهمًا لفهم نفسيات الجماهير، وطريقة تفكيرها، استخدمه الحكّام وقادة الحركات الجماهيرية لفهم نفسيات الجماهير وتوجيهها نحو الهدف الذي يريده الزعيم، الجماهير الغفيرة التي وظّفها (هتلر ) في الحرب العالمية الثانية. بل إن (لوبون ) نفسه أصبح وجهة ومزارًا لزعماء العالم، يتوجهون إليه ويتناقشون معه في محتوى كتابه. ورغم مرور ما يقارب الـ 150 عامًا على تأليف الكتاب، ويقدم الكاتب إجابات واضحة للعديد من الأسئلة المثارة حول التجمعات الجماهيرية مثل: كيف تتهيج الجماهير؟ وكيف تتكون الجماعات الثورية في الأصل؟ ما الذي يصهر الجماهير نحو هدف واحد؟ أهي عقائد معينة أم الدين بشكل رئيس؟ ما دور الزعيم أو القائد في الثورات؟ والأخطر من ذلك هل الجماهير عاقلة وواعية بالطبيعة وديمقراطية أم متهيجة وثائرة؟ إن الأحداث الضخمة التي تَتَناقلها كتب التاريخ ليست إلا نتاجًا للمتغيرات اللامَرئيّة التي تصيب عواطف البشر. إن الفترة الحالية هي فترة التحوّل والتبدّل ويشكّل جذرها عاملان أساسيان هما: هدم المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية، وفي الوقت الذي راحت فيه كل عقائدنا القديمة تتهاوَي، وأخذت الأعمدة القديمة تتساقط واحدًا بعد الآخر، نجد أن (نضال الجماهير ) هو القوة الوحيدة التي لا يستطيع أن يهدّدها أي شيء. إن العصر الذي ندخل فيه الآن هو بالفعل (عصر الجماهير )؛ وإنما في روح الجماهير. لقد وُلِدت قوة الجماهير عن طريق نشر بعض الأفكار التي زُرِعت في النفوس بشكل بطيء، ثم بواسطة التجميع المتدرج للأفراد من خلال الروابط والجمعيات، ثم راحت تشكل النقابات وبورصات العمل، والمرور من مرحلة الفطرة إلى مرحلة العقل، والقدرة على استشراف المستقبل، ومستوىً عاليًا من الثقافة، وكل هذه العوامل غير متوافرة لدى الجماهير؛ فالجماهير بواسطة قوتها التدميرية تمارس عمل الجراثيم التي تساعد على انحلال الأجسام الضعيفة أو الجثث؛ فَمَعرفة نفس الجماهير تُشكِّل المصدر الأساسي لرجل الدولة الذي يريد ألا يُحكم كُليًا من قِبَلها؛ فكل الزعماء ورجال الدولة العظام كانوا علماء نفس على غير وعيٍ منهم؛ فـ (نابليون بونابرت ) - مثلًا - كان ينْفُذُ بشكلٍ رائع إلى أعماق نفسية الجماهير، ونفسية الجماهير تبين لنا إلى أي مدى تبدو عاجزة عن تشكيل رأيٍ شخصي ما عدا الآراء التي لُقِّنَت لها؛ فالبشر لا يتصرفون أبدًا انطلاقا من مبادئ العقل النظري البحت. 2- الخصائص العامة للجماهير ففي بعض الظروف المعينة يمكن لِتَكَتُّل من البشر أن يمتلك خصائص جديدة تختلف عن خصائص كل فرد يشكله، عابرة ومؤقتة وهو ما سأدعوه (الجمهور المنظم، أو الجمهور النفسي )، ويصبح خاضعًا لقانون (الوحدة العقلية للجماهير ). وهَيْمَنَة الشخصية اللاواعية، وتَوَجُّه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار، وإنما يصبح إنسانًا آليًّا ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده. إن الجمهور هو أدنى مرتبة من الإنسان المُفْرَد فيما يخص الناحية العقلية والفكرية، ولكن التاريخ لا يُصنع إلا من قِبَل بطولات كهذه. ولولا ضرورات الحياة اليومية والتي تُشكّل نوعًا من الميزان الناظم غير المرئي للأحداث لما استطاعت الأنظمة الديمقراطية أن تستمر، وفي كل الخصائص النفسية للجماهير يتدخل (العِرْق )؛ فالجماهير أُنثوية في كل مكان، ولكن أكثرها أُنثوية هي الجماهير اللاتينية. فهي عبارة عن حكايات وهْميَّة عن وقائع لُوحِظت بشكل رديء، كما أنها مصحوبة بتأويلات شُكِّلت فيما بعد. وكذلك التكرار دون إثبات أي شيء عن طريق المُحاجّة العقلانية، والجماهير لا تعرف إلا العواطف البسيطة والمتطرفة؛ فالاستبداد والتعصب يشكِّلان بالنسبة للجماهير عواطف واضحة جدًا وهي تحتملها بنفس السهولة التي تمارسها، وبما أن الجماهير مستعدة دائمًا للتمرد على السلطة الضعيفة فإنها لا تحني رأسها بخضوع إلا للسلطة القوية، ومن العبودية إلى الفوضى. فانفجارات الانتفاضة والتدمير التي تحصل من حين لحين ليست إلا ظواهر عابرة؛ فإذا ما تُركت لنفسها فإنها تملّ من الفوضى وتتجه بالغريزة نحو العبودية، فتجدها تعود إليها في نهاية المطاف. والتأثير على الفرد الـمُنخَرِط في الجمهور يتم بالتركيز على عواطف المجد والشرف والدين والوطن؛ لذا فالجماهير قادرة على أرفع أنواع الأخلاقية. 3- أفكار الجماهير فإنه لا يمكنها أن تصبح مُهَيمِنة إلا بشرط أن تتّخِذ هيئة بسيطة جدًا؛ صحيح أنه يمكن للحقيقة الساطعة أن تَلقي آذانًا صاغية، ولكن سَتَرَي نفس الشخص بعد بضعة أيام يعود إلى مُحاجّاته القديمة وبنفس الألفاظ تمامًا؛ فالجماهير تشبه إلى حد ما النائم الذي يتعطل عقله مؤقتًا ويَترُك نفسه عُرضة لانبثاق صورة قوية ومكثفة؛ فعلى قاعدة الخيال الشعبي تأسست قوة الدول. إن معرفة فن التأثير على مُخَيِّلة الجماهير تعني معرفة فنّ حُكمها. 4- العوامل المـُشكِّلة لعقائد الجماهير وعوامل قريبة، وككل الكائنات العضوية؛ وأيضًا الزمن؛ تبدو مستحيلة في فترة أخرى؛ ويلزم أحيانًا عدة قرون من أجل تشكيل نظام سياسي معيَّن، وتترك الآخرين بدون عمل؛ أما العوامل المباشرة فمنها: الشعارات؛ والكلمات التي يصعب تحديد معانيها بشكل دقيق هي التي تمتلك أحيانًا أكبر قدرة على التأثير ككلمة (ديمقراطية ) مثلًا، ومنها أيضًا: الأوهام؛ فالشعوب تتجه نحو الأوهام كما تتجه الحشرة نحو الضوء؛ ومن يحاول قشع الأوهام عنهم يصبح ضحية لهم، وهناك أيضًا عامل التجربة؛ وتدمير الأوهام التي أصبحت خطرة أكثر مما ينبغي. وعمومًا فإن التجارب التي عاشها جيل ما غير ذات جدوى بالنسبة للجيل اللاحق؛ وهناك عامل العقل، وهو عامل سلبي في التأثير لا عامل إيجابي؛ فالجماهير لا تتأثر بالمحاجات العقلانية، وإنما إلى عاطفتها. 5- محرّكو الجماهير حتى يضعوا أنفسهم بشكل غريزي تحت سُلطة زعيم ما؛ يلعب دورًا ضخما بالنسبة للجماهير البشرية؛ فالجماهير عبارة عن قطيع لا يستطيع الاستغناء عن سيّد، وتحصل من الجماهير على طاعة وانقياد أكثر مما تحصل عليه أي حكومة. وبعضهم الآخر يمتلك إرادة قوية ودائمة، وهؤلاء القادة ينشرون أفكارهم بين الجماهير عن طريق التأكيد العاري والمجرد من كل مُحاجَّة عقلانية، مع تكراره باستمرار وبنفس الصياغات والكلمات؛ حيث تُصنع كل دوافع أعمالنا، ومن ثَمّ تنتقل هذه الأفكار والعواطف والانفعالات بين الجماهير عن طريق العدوى الفكرية. وقد تكون ذاتية أو شخصية وتشكل مَلَكة مستقلة عن كل لَقَب أو كل سُلطة، ولكن هذه الهيبة الشخصية تختفي دائمًا مع الفشل؛ وقد تُنتَزَع بالمناقشة والمجادلة، فَلِكَيْ يحافظ الشخص على هيبته وتُعجب به الجماهير ينبغي دائمًا إقامة مسافة بينه وبينهم. وتَشَكُّلها وتلاشيها يمثّلان لكل عِرق تاريخي نقاط الذُّروة في تاريخه، ومن الصعب جدًا تدمير هذه العقائد بعد تشكيلها إلا بعد ثوراتٍ عنيفة، ومدة دوام بعضها مؤقتة جدًا، وأكثرها أهمية لا تتجاوز مُدّتها حياة جيل واحد. 7- تصنيف الجماهير وجماهير غير مُغْفلة، كالمجالس البرلمانية، فالشعور بالمسئولية لدى الثانية متطور، فتحتوي على أفراد من ثقافات ومهن مختلفة ولا يربطها إلا العقيدة والإيمان كالطوائف الدينية، ولا يجمعهم إلا الاشتراك في بعض المصالح وبعض عادات الحياة المتشابهة كالطبقة البورجوازية. 8- الجماهير المُجرِمة والأفراد الذين ساهموا فيها يَقْتَنِعون فيما بعد أنهم قد أطاعوا واجبهم، ويمكننا أن نستشهد على ذلك بحادث مقتل مدير سجن الباستيل؛ فقد كان قاتِلُه طبّاخًا مُتَجوِّلًا وذهب إلى الباستيل لكي يرى ما يحصل هناك، قام بقتله وقطع رأسه. 9- الجماهير الانتخابية أن يمتلك المُرشَّح الهيبة الشخصية، وهذه لا يمكن تعويضها بأي شيء آخر. كذلك فإنَّ البرنامج المكتوب لا ينبغي أن يكون دقيقًا جدًا؛ على الرغم من أن الانتخابات تكون قد حُسمت على أساس هذه البرامج والوعود. 10- المجالس النيابية لا تختلف الخصائص العامة للجماهير البرلمانية عن غيرها من الجماهير؛ وهم في نهاية المطاف الأسياد الحقيقيون للمناقشات التي لا يكون للنواب آراء مُسبَقة أو ثابتة تجاهها؛ ولا أهمية فيها إلا للفصاحة الخطابية المتناسبة مع الزمان والمكان. وعلى الرغم من كل صعوبات تسييرها فهي أفضل طريقة وجدتها الشعوب حتى الآن من أجل حُكم ذاتها، 11- مراحل تحول الحضارات ثم يمرّ الزمن ويكمل عمله، وعندئذٍ يمكن أن تُولَد حضارة جديدة، وهنٌ يصيب المثال الأعلى الذي كان يدعم روح العِرق البشري الصانع لهذه الحضارة، أي يعود إلى ما كان عليه في البداية،